بقلم: وليد عنبوور
شهدت لحظات الفجر الأولى من صبيحة الثلاثاء 16 يونيو، على شريطنا الحدودي شمال غرب البحر الأحمر، فصلاً جديداً من فصول استباحة التراب الوطني؛ فصلاً لم تعد تُنسج خيوطه في الغرف المغلقة بأيدي كتاب الخيال السياسي، ووثّقته هواتف شبابنا من عمال المناجم في تلك البقع، تلك الهواتف التي نجت من الحريق لتنقل للعالم مشهد الطيران الحربي المصري وهو ينقض على جبل العيقاد.
ولم تكن تلك المقاطع المتداولة مجرد رصد عاطفي، فقد حملت قيمة إثباتية مهمة عبر مطابقة المعالم الطبوغرافية للجبل وتوثيق هوية وطبيعة القوات البرية المتوغلة التي تلت القصف بالطيران الحربي بآليات عسكرية ثقيلة فرضت أمراً واقعاً جديداً؛ استباحت المنطقة وقتلت المعدّنين العزل، وعمدت إلى مصادرة أدوات الإنتاج البدائية من طواحين ومولدات، ثم حرقت الخيام لطمس معالم الفعلة النكراء.
جبل العيقاد: مختبر التفكيك على الأرض
نترحم على الأنفس الغالية التي فقدناها في تلك الهجمات. الأشد خطورة فيما حدث في جبل العيقاد أنه يتجاوز الخسائر الآنية، ويكمن في الكارثة اللاحقة التي تؤسس لمرحلة جديدة من الصراع بالوكالة، ومحاولات إبقاء المجتمعات المحلية والمعدنين في حالة إنهاك واستنزاف داخلي مستمر وعاجزة عن حماية حقوقها.
ويسقط هنا القناع الزائف للتبرير القانوني المصري. فالجبل، وفقاً لخرائط الجغرافيا السياسية ونصوص القانون الدولي، يقع خارج النطاق الجغرافي للمثلث الحدودي المحتل “حلايب وشلاتين وأبو رماد”، والإحداثيات الجغرافية الموثقة بالرصد تضع منطقة الاستهداف عند (21.82° شمالاً، 34.11° شرقاً)، في منطقة تُعرف محلياً بمنجم “شمال الوادي” وتتبع إدارياً لمحلية جبيت المعادن، وهذه الإحداثيات تضع المنجم على بعد 20 كيلومتراً جنوب خط عرض 22° شمالاً، أي في عمق الأرض السودانية، والمنطقة جبلية غنية بالذهب وتضم آلاف المعدنين التقليديين. وحتى لو تذرعت الآلة الإعلامية للقاهرة بـ”المطاردة الأمنية”، أو “مكافحة شبكات التهريب والإنفاذ القانوني” في منطقة حدودية معقدة، فإن هذه الذريعة تسقط سياسياً وعسكرياً أمام طبيعة السلوك الميداني؛ فالقصف بالطيران الحربي والتجريف البري الشامل، وحرق الخيام ومصادرة الطواحين والمولدات البدائية، أفعال تتجاوز حدود السلوك الأمني المنضبط لملاحقة خارجين عن القانون. تشير طبيعة هذه الممارسات إلى أن الأهداف قد تتجاوز الاعتبارات الأمنية المباشرة نحو إعادة تشكيل أنماط السيطرة على الموارد المحلية ومسارات النشاط الاقتصادي في المنطقة، مما يستدعي تحقيقاً مستقلاً لتحديد طبيعة الأهداف الفعلية لهذه العمليات ومدى ارتباطها بإعادة رسم موازين النفوذ حول قطاع الذهب.
وفيما تلا بعد أيام من القصف والتوغل البري، فرضت القوات المصرية سيطرة ميدانية واسعة على المنطقة، وهذا لا يمثل انتهاكاً حدودياً خاطفاً، لقد تحول إلى توغل عسكري مستدام يرتقي بوضوح إلى مستوى العمل العدائي الصريح. والوجود الميداني المتواصل يُنشئ، بحكم الأمر الواقع، منطقة نفوذ عسكري دائمة؛ وهي مرحلة الهيمنة التي ستكتمل إن استمرت دون انسحاب لتستوفي كامل أركان الاحتلال العسكري. والأرض في هذا المشهد لم تعد ساحة مواجهة عابرة، إذ إن استمرار الوجود العسكري المصحوب بالتحكم في النشاط الاقتصادي المحلي قد يقود إلى أنماط من السيطرة طويلة الأمد تستوجب التقييم وفق قواعد القانون الدولي ذات الصلة.
تشريح التضليل: كيف ينطق الموقف الرسمي؟
إن إخضاع سلوك سلطة بورتسودان للتحليل لا ينطلق من رغبة في إطلاق اتهامات مرسلة بالتبعية، أو الصفقات السرية التي تفتقر لوثيقة معلنة، ويستند هذا التحليل إلى “محاكمة الموقف بالنتائج الكارثية المترتبة عليه على الأرض”. فصمت السلطة المطبق، واختزال العدوان العسكري في “أحداث مؤسفة” عبر منشورات خجولة على وسائل التواصل الاجتماعي ومن شخصية متناقضة ليست ذات ثقل، يُنتج في النهاية نتيجة سياسية واحدة لا تختلف قيمتها: شرعنة الاستباحة.
وسواء كان هذا الصمت ناتجاً عن عجز عسكري وتكتيكي كامل بسبب الانشغال بالجبهات الداخلية، أو كان نتاج غضّ طرف وتفاهمات أمنية غير مكتوبة لقاء مساعدات؛ فإن النتيجة الدبلوماسية هي وضع السيادة الوطنية على طاولة المقايضات، وهو سلوك يجرّد السلطة من مشروعية حماية التراب الوطني. وينتقل التصريح من التصغير إلى التضليل عبر آليتين خطابيتين:
أولاً: شرعنة الاختراق تحت مسمى “التبادلية”: وصف الغزو بأنه “سلسلة من الاعتداءات المتبادلة” هو خداع لغوي يضع معدنين عزلاً على قدم المساواة مع جيش نظامي لشرعنة الاختراق وتطبيعه تحت مسمى التكرار.
ثانياً: تكتيك “المرآة المقلوبة” وصناعة العدو البديل: يستدير الخطاب الرسمي ليوجه سهامه نحو الخصوم السياسيين في الداخل: “لماذا تسكتون عن انتهاكات المليشيات وتستنفرون الآن؟” ويهدف هذا التكتيك إلى نقل القضية من مربع السيادة الوطنية المستباحة في الشرق إلى مربع التراشق السياسي الداخلي، محولاً السيادة إلى ذخيرة في حرب جانبية.
تفنيد الرواية المضادة برادع القانون الدولي
لكي يكون تحليلنا منيعاً يجب أن نتبنى مؤقتاً أقوى حجة يمكن أن تسوقها القاهرة لنجردها من أي غلاف قانوني. وتلك الحجة ليست مجرد “مطاردة عصابات تهريب”، إنها سيناريو أكثر تعقيداً: أن هناك تفاهماً أمنياً غير معلن مع سلطة بورتسودان يسمح بتأمين المنطقة واستغلالها في ظل انهيار قدرة سلطة الأمر الواقع ببورتسودان على التحكم في الذهب.
هذا السيناريو، حتى لو سلمنا به جدلاً، يصطدم بأربعة اعتراضات قانونية ومنطقية تدمره:
غياب الغطاء الاتفاقي: أي تفاهم أمني من هذا النوع يحتاج إلى أثر مكتوب وبيان مشترك، ولم يصدر أي منهما، فالصمت الرسمي السوداني هو أقوى مؤشر على غياب هذا الغطاء، ويظل احتمال وجود تنسيق سري قائماً يحتاج نفياً موثقاً لاستبعاده كلياً.
خرق مبدأ “التناسب”: حتى لو افترضنا وجود تنسيق فإن استخدام الطيران الحربي وأرتال من السيارات العسكرية ضد مدنيين يستخدمون معاول وآلات بدائية ينتهك مبدأ “التناسب” في القانون الدولي الإنساني. وهذا الاستخدام المفرط للقوة ينفي صفة “المطاردة الأمنية” ويرجّح صفة “العملية العسكرية الهجومية”.
طبيعة المنهوبات تؤكد طبيعة الهدف: مصادرة أدوات التعدين التقليدية “طواحين، مولدات وحجر الذهب” ،وحرق خيام الإعاشة، يُرجّح أن المستهدف هو النشاط الاقتصادي المدني للمعدنيين والتجار وليس شبكات تهريب عسكرية منظمة، كما أن مصادرة وسائل العيش المدنية تندرج وفق المادة الثامنة من نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية ضمن الأفعال التي قد ترقى إلى مستوى جرائم الحرب، وهو توصيف يحتاج تحقيقاً قانونياً مستقلاً من جهات مختصة.
دحض مبدأ “الموافقة”: أي “ضوء أخضر” من جهة في بورتسودان يسمح لقوات أجنبية بقتل مواطنين عزّل على أرضهم يتعارض مع المادة الأولى من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، والسيادة ليست سلعة تتاجر بها نخب متنفذة، وحق الشعوب في التصرف في ثرواتها لا يسقط بالتقادم أو بالصفقات غير المعلنة.
أما بخصوص التوثيق فإن القيمة السياسية والجنائية لمقاطع الفيديو تكمن في نجاحها في كسر الحصار الإعلامي وفرض الواقعة على الأجندة السياسية، وإجبار سلطة الأمر الواقع على الخروج عن صمتها، مع بقاء الحاجة قائمة لاستكمال التوثيق عبر صور الأقمار الصناعية والشهادات الميدانية المستقلة والتقارير الحقوقية المتخصصة بما يعزز القيمة الإثباتية للملف بصورة أكبر.
الإقرار بالتعقيد: ليس دفاعاً عن المعتدي
إن الاعتراف بالمظالم التاريخية والإنهاك القبلي في شرق السودان ليس تبريراً للمعتدي، ويمثل هذا الاعتراف تعرية دقيقة لإستراتيجيته؛ فالخصم الخارجي لم يكن ليجرؤ على قصف جبل العيقاد لولا أنه استثمر أولاً في حالة الاحتقان والتفتيت الداخلي ليكون بمثابة “ستار دخاني” يغطي على التوغل العسكري. وحكمة مجتمع الشرق في تفادي الفتنة، أثبتت أن الوعي المحلي هو خط الدفاع الأول الذي فضح الغزو وجرّده من غطائه الاجتماعي الصامت. ومشهد الشرق اليوم ليس بين أبيض وأسود، هو جسم معقد من مظالم متشابكة:
مظالم تاريخية: تعاني كل مكونات الشرق، مثل معظم الأقاليم الأخرى، من تهميش تنموي مزمن حوَّلها إلى ساحة للصراع على الموارد الشحيحة بدلاً من أن تكون شريكاً في إدارة ثرواتها الهائلة من خلال المصالح والمصير المشترك.
تنافس على الموارد: التعدين العشوائي، رغم كونه مصدر رزق وحيداً لملايين الشباب، يخلق بؤر توتر على الأرض مستغلاً غياب الدولة العادلة التي تنظم هذا القطاع.
الاستغلال السياسي: هناك شبكات مصالح مرتبطة باقتصاد الحرب وتجارة الذهب تصنع وتتضخم لخلق وتأجيج هذه المظالم المشروعة وتحويلها إلى خطاب كراهية قبلية سبيلاً لتعزيز نفوذها دون أن تقدم حلولاً حقيقية.
إن الاعتراف بهذه الجراح لا يبرر الغزو المصري، وفي الوقت ذاته يفضح إستراتيجية الطرف الخارجي الذي يبني توسعه على انشغالنا باقتتالنا الداخلي، فالخصم الخارجي لا يخلق الفوضى من عدم، هو يتغذى على فوضانا القائمة وينتهزها.
حكمة المجتمع وسؤال الوحدة
قبل حادثة جبل العيقاد بـ72 ساعة كانت ثمة جهات تعمل بجد على إشعال فتنة قبلية في المنطقة، موظّفةً حقوقاً حقيقية ومشروعة وقوداً لنزاع مصطنع، غير أن هذه المساعي اصطدمت بما لم تحسب حسابه: وعي المجتمع المحلي وحكمة حكمائه من أبناء الشرق الذين أدركوا اللعبة قبل أن تكتمل وأفشلوا مخططها. هذا الموقف ليس مجرد حدث عابر، يمثل دليلاً ميدانياً حياً على أن إرادة التعايش موجودة وراسخة في عمق هذه المجتمعات، وأن رصيد الحكمة المشتركة أقوى من أدوات التفتيت المستوردة.
غير أن هذه الوقائع مجتمعةً تُلقي بظلالها على سؤال لا يمكن تجاوزه: هل كان ما جرى في جبل العيقاد ممكناً لو لم تُصنع حالة الاحتقان والتحشيد تلك أولاً؟ هل كان المعتدي الخارجي سيجرؤ على اختراق هذه الأرض بهذه الصورة لو كان أبناء الشرق في تلك اللحظة ظهراً لبعض موحدين في مواجهة ما يتهددهم؟ الوقائع الميدانية وشواهد التاريخ تجعل هذين السؤالين أكثر من مجرد تساؤل نظري، فالتفريق بين مكونات الشرق لم يكن هامشاً في حسابات المعتدي ويبدو أنه كان الشرط الأول لإمكانية العدوان ذاته.
وهذا ما يجعل سؤال “تزامن المصالح” مشروعاً تحليلياً لا بوصفه جواباً مُعدّاً سلفاً بوصفه فرضية تحقيق تتغذى على نمط الوقائع المتكرر، والرابط هنا ليس “مؤامرة تخيلية” تُفترض أولاً ثم يُلتمس لها دليل، هو سؤال هيكلي يُستخلص من تتابع الأحداث: هل التُقطت لحظة الاحتقان المحلي بانتهازية من قبل المعتدي الخارجي فوجد فيها “غطاءً دخانياً” لتمرير اعتدائه العسكري؟ أم أن التزامن محض مصادفة؟ وأي الطرفين تحرك أولاً؟ هذه أسئلة لا تُحسم في كتابات رأي، بل تحتاج تحقيقاً استقصائياً يتتبع الأثر الزمني والاتصالات بدقة. وحتى يكتمل ذلك التحقيق يظل السؤال نفسه كافياً لفضح معادلة واحدة لا تحتاج إلى افتراض: من المستفيد من تفريق لُحْمة الشرق؟
في كل السيناريوهات المطروحة النتيجة العملية التي تتحقق على الأرض واحدة: إشغال الشرق بجبهة داخلية ملتهبة وهو يواجه عدواناً خارجياً. وهذه النتيجة سواء كانت مقصودة من طرف بعينه أم لا، تصب في نهاية المطاف في مصلحة من يسعون لإحكام السيطرة على ثروات المنطقة؛ وتحديد ما إذا كان ذلك قد تم بتنسيق مسبق، أم كان اغتناماً انتهازياً للفوضى هو بالضبط ما تحتاج الإجابة عنه إلى تحقيقات استقصائية دقيقة تُسمي الأطراف وتُوثق الأدوار بالأسماء والمستندات، لا بالأوصاف العامة التي تُضعف القضية أمام المحاكم الدولية والرأي العام.
أما الموقف الرسمي الذي اختار لغة “الأحداث المؤسفة”، ولم يصدر من خلال مجلس الأمن والدفاع أو وزارة الخارجية، وجاء للأسف عبر منشور على منصة X وفيسبوك من المستشار؛ فإن الصمت الرسمي لا يمكن التعامل معه كموقف سلبي بريء، ويطرح أسئلة استقصائية مشروعة تستحق التحقق المستقل: لماذا لم نرَ بياناً رسمياً إذا كان هذا عدواناً صريحاً؟ وهل ثمة تفاهمات أمنية غير مكتوبة سمحت بهذا العبور؟ وما طبيعة المساعدات العسكرية التي تلقتها السلطة في توقيت متزامن مع التوغل؟ غير أن غياب الرد على هذه الأسئلة يُنتج فراغاً تفسيرياً يفتح المجال أمام عدة فرضيات متنافسة، من بينها فرضية العجز الناجم عن الانشغال بالجبهات الداخلية، وفرضية الحسابات السياسية المرتبطة بالمصالح الإقليمية، وفرضية الارتهان أو التبعية بدرجاتها المختلفة، وهي جميعاً فرضيات تحتاج إلى أدلة إضافية تسمح بترجيح إحداها على الأخرى. وهذه الفرضية ليست حكماً صادراً ولا موقفاً آيديولوجياً هي إطار تحليلي مؤقت يُستخدم هنا لكونه الأكثر قدرة على تنظيم الوقائع المتناثرة في سردية واحدة متماسكة وتظل قابلة للدحض إن ظهرت أدلة تناقضها وقابلة للتعزيز إن اكتمل التحقيق الاستقصائي، أما رفض الفرضية دون فحصها فهو في الجوهر رفض للأسئلة نفسها لا للفرضية.
من الارتكاز إلى السيطرة: اقتصاديات الواقع الجديد
السيطرة العسكرية على جبل العيقاد تتجاوز البعد الأمني إلى البعد الاقتصادي المباشر، وتتكشف في ثلاث طبقات متراكبة:
- فقه الاستباحة الصامتة
الغارة تُرتكب ثم تُنكر، تعتمد هذه الإستراتيجية على الفرض ثم التطبيع؛ فالسيطرة الكاملة هي انتقال من “انتهاك زمني” إلى “أمر واقع مكاني”. الطرف المعتدي لم يعد يهرب بعد الضربة هو يبيت ويتموضع ويخطط للبقاء.
- اقتصاديات السيطرة
حين يسيطر جيش أجنبي على منطقة تعدين فهو يؤمّن امتيازاً احتكارياً دائماً. تحت مظلة هذا الوجود تُمنح عقود الامتياز وتُدار الصفقات ويُستخرج الذهب من أرض سودانية عبر قنوات تحتاج رقابة مستقلة، في ظل صمت رسمي يطرح تساؤلات مشروعة حول حدود الاستقلالية السودانية.
جـ. الوجود المستدام بوصفه اختباراً
السيطرة الكاملة تكشف أن المعتدي اختبر ردود الأفعال السابقة، ولمس أن أقصى ما واجهه هو بيانات شجب وتصريحات “أحداث مؤسفة”، فارتقى إلى المستوى التالي بثقة كاملة إن لم يُوقف هذا التوغل فسيترسّخ بمرور الوقت إلى احتلال كامل المواصفات القانونية.
من المثالية إلى الواقعية: خارطة طريق للحقوق والتعايش
إن الوعي بطبيعة هذا المشهد يفرض علينا تسمية الأشياء بمسمياتها، لكن التشخيص مهما كان دقيقاً لا يكتمل إلا بوصف الدواء، ولا يمكن القفز من واقع “السيطرة الميدانية” إلى حل “مواثيق الشرف” المثالي، فهناك سلم متدرج من الحقوق والتعايش يبدأ بالوعي ويمر بالقانوني، ولا يستبعد المدني السلمي.
قبل استعراض خارطة الطريق، ثمة سؤال لا يمكن تجاوزه: من هو الفاعل المنوط به تحريك هذه المسارات في ظل غياب دولة مركزية فاعلة؟. الجواب الواقعي هو أن التحرك لا ينتظر جهة واحدة، ومسؤولية موزعة على ثلاثة مستويات متوازية: المجتمع المدني والحقوقيون على المستوى التوثيقي، ومكونات الشرق ذاتها على مستوى الوحدة الداخلية، والرأي العام الوطني والدولي على مستوى الضغط السياسي، والخطوات التالية مُصمَّمة لتعمل في هذه المستويات الثلاثة في آنٍ واحد لا بشكل تسلسلي:
التوثيق والتدويل: تعزيز عمل شباب التوثيق عبر توفير أدوات التحقق الرقمي لهم، وتشكيل غرفة عمليات قانونية مشتركة تضم محامين سودانيين في الداخل والشتات مع منظمات حقوقية دولية شريكة، مهمتها الأولى تحويل مقاطع الفيديو الموثقة إلى ملفات قانونية رسمية قابلة للرفع أمام مجلس الأمن والاتحاد الأفريقي والمحكمة الجنائية الدولية خلال ثلاثين يوماً، ففضح الانتهاكات بالصوت والصورة هو خط الدفاع الأول. كما تبرز الحاجة إلى تشكيل لجنة تقصٍ مستقلة تضم قانونيين وخبراء توثيق وشخصيات عامة مشهوداً لها بالاستقلالية، تتولى جمع الشهادات والأدلة المادية والرقمية، وفق معايير مهنية معترف بها دولياً، وإصدار تقرير أولي خلال فترة زمنية محددة يوضح الوقائع المثبتة وما يزال بحاجة إلى استكمال أو تحقق.
بناء قواسم الوحدة: أولى الخطوات بناء قواسم الوحدة الداخلية بين مكونات الشرق عبر اتفاقية على إدارة عادلة للموارد تعترف بالحقوق التاريخية لأصحاب الأرض وفق القانون المتبع وتضمن الشراكة للجميع، فالوحدة هي الرصيد الذي أثبت المجتمع أنه يملكه وصخرة الشرق التي تتحطم عليها أطماع كل من يتربص بثرواته.
فضح شبكات المصالح: تكليف الصحفيين الاستقصائيين السودانيين في الداخل والشتات، وبالتنسيق مع منصات متخصصة بتتبع مسارات عقود التعدين في الشرق ومنحها للشركات المشتبه بها والنشر العلني لهذه التحقيقات بالأسماء والوثائق هو وحده ما يحوّل الاتهام العام إلى ضغط قانوني وسياسي فعلي، ومقاطعة هذه الشبكات اقتصادياً واجتماعياً لا تكون مشروعة ولا فعّالة إلا حين تستند إلى إدانة موثقة لا إلى اشتباه عام. كما يمكن إنشاء منصة توثيق مفتوحة تخضع لإشراف مهني مستقل، تُجمع فيها الوثائق والشهادات والصور والبيانات المتعلقة بالنشاط التعديني والتطورات الميدانية بما يسمح ببناء أرشيف موثق يمكن الرجوع إليه في أي مسار قانوني أو حقوقي مستقبلي.
الحقيقة التي لم تأكلها النار
لقد اكتملت دائرة التشريح؛ ما رُصد كبذور تفكيكية في جبل العيقاد ومحاولات إشعال الفتنة في محيطه صار نظاماً وممارسة ملموسة، والشواهد على ذلك تمتد إلى ما جرى في أعقاب ثورة ديسمبر المجيدة، حين كشفت الوقائع بوضوح كيف يتم توظيف المظالم التنموية المشروعة وتحويلها إلى رافعات لخطاب الكراهية، بأيدي قوى مصالح منظمة تجد في تمزيق الكتلة الحية لشرق السودان طريقها إلى الثروة والنفوذ وتحميلها وزر الانقلابات والنزاعات.
واليوم يُعاد إنتاج ذات السيناريو بأدوات أكثر خطورة. ومع ذلك بقي شيء واحد فشلت النار في أكله: التوثيق الرقمي والوعي المجتمعي، فالفيديوهات التي صورها شبابنا المعدِّنون جعلت رواية القاتل عاجزة عن أن تكون الرواية الوحيدة، وسرقت من الغزاة “رواية النصر الصامت”، محوّلةً الحدث إلى جريمة مكشوفة بالصوت والصورة.
