“أين الكيماوي؟”.. دخانُ المباخر لا يُخفي رائحةَ السؤال!

رشاد عثمان

 

في مواجهة واحد من أخطر الاتهامات التي يمكن أن تُوجَّه إلى جيش دولة، خرجت في الخرطوم حملة دعائية رديئة السيناريو والإخراج، ظهر فيها بعضُ حاملي وحاملات المباخر في شوارع المدينة يسألون العالم، في ظفر أرخميديٍّ لا تنقصه إلا صيحة «وجدتها!»: «أين الكيماوي؟».

ولعل تهافت الحملة يكمن في أنها لا تدحض الإتهام بقدر ما تكشف عن سوء فهم لطبيعته؛ فبدلاً من أن يكون السؤال مدخلاً إلى التحقيق والفحص والوصول إلى المواقع والسجلات والعينات، أُخرج الأمر إلى الشارع، وكأن قضية سياسية وأخلاقية وقانونية بهذه الخطورة يمكن حسمها بكاميرا ومبخرة ولازمة شعبوية سهلة الحفظ.

لكن، ما دمنا قد سألنا: أين الكيماوي؟ فأين يُفترض، على وجه التحديد، أن يظهر؟، هل ينبغي أن يطل ذات صباح مثل كويكب جديد في سماء الخرطوم، جليّاً للأعين، فيرفع السابلة رؤوسهم إليه؟، أم يُفترض أن يظل معلقاً فوق السوق العربي سحابةً كثيفة تشهد على نفسها إلى أن يتأكد الجميع أنه موجود؟، وهل عودة بعض الناس إلى الشوارع، وفتح المتاجر، وغياب غيمة غريبة عن المدينة، دليل موضوعي على أن مادة كيميائية محظورة لم تُستخدم، في مكان وزمان محددين، أثناء هذه المحرقة؟.

هذا ليس سؤالاً يُجاب عنه بالنظر إلى السماء، وخطورة السؤال نفسها تستوجب قدراً مساوياً من الجدية في الاقتراب منه.

السؤال الحقيقي هو ما إذا كانت أسلحة كيميائية قد صُنعت أو خُزِّنت أو استُخدمت خلال حرب الجنرالات والإنكشارية، وهذا سؤال لا يجيب عنه سابلة الأسافير، ولا تستطيع حملة علاقات عامة إثباته أو نفيه، مثلما لا يستطيع تحقيق صحفي، مهما بلغت جديته، أن يصدر وحده حكماً قضائياً أو فنياً نهائياً فيه. فإذا كان سلاحٌ كيميائي – أياً كانت بدائيته – قد استُخدم، فلن يُبحَث عنه في أفق الخرطوم، بل في أثره: في التربة، وبقايا الذخائر، والعينات، والسجلات، وسلاسل الإمداد والوثائق، والمواقع التي يُزعم أنه استُخدم فيها، وشهادات من كانوا هناك، ثم في الفحص المخبري والتحقيق الفني المستقل.

وهنا تحديداً تتكشف هشاشة حملة «أين الكيماوي؟». فالقضية لم تعد حديثاً عابراً في الأسافير، إذ أعادتها إلى الواجهة تحقيقات استقصائية نشرتها بالتزامن صحيفتا «واشنطن بوست» و«نيويورك تايمز»، بما تضمنته من وثائق وشهادات ومواد وادعاءات بالغة الخطورة تستوجب الفحص والتحقق. ومع ذلك، لا «واشنطن بوست» ولا «نيويورك تايمز» تحملان صفة المحكمة الدولية، ولا لافتة مختبر مختصٍ بحظر الأسلحة الكيميائية. والتحقيق الصحفي، مهما بلغت قوة مصادره، لا يحوّل الاتهام تلقائياً إلى حقيقة قضائية مكتملة، لكنه يستطيع أن يفعل شيئاً بالغ الأهمية: أن ينقل الادعاء من مستوى الهمس والشائعة إلى مستوى السؤال الذي يستوجب تحقيقاً.
ومن هنا فالمسألة ليست أن نختار بين أن «نصدق الصحيفتين» أو «نصدق جنرالات الخرطوم»؛ فهذه ليست مباراة في الوطنية، ولا استفتاءً في الولاء. نحن لسنا أمام سؤال: من نصدق؟ بل أمام سؤال: ما الذي يمكن إثباته؟. والاتهام بالغ الخطورة، والاتهامات الخطيرة تُفحص ولا تُزمَّل بالهتاف والتهارج. وإذا كانت السلطات السودانية على يقين من أن ما نُشر محض اختلاق، فإن التحقيق المستقل ينبغي أن يكون مطلبها قبل أن يكون مطلب خصومها، لأن فتح المواقع المعنية، وتقديم السجلات، وأخذ العينات، وفحص الذخائر، ومراجعة سلاسل الإمداد، وإتاحة الوصول للخبراء المستقلين، هو الطريق الوحيد الذي يمكن أن يحسم أمراً بهذه الجسامة.
فإن انتهى تحقيق مهني مستقل إلى أن الأدلة لا تصمد أمام الفحص، أو أن الاستنتاجات المنشورة خاطئة، فسيكون ذلك أقوى دفاع ممكن عن جنرالات الخرطوم، وأبلغ من ألف مبخرة وألف مقطع مصور في شوارعها. أما أن يُستبدل التحقيق بالمشهد الدعائي، فذلك لا يبدد الشبهة بقدر ما يتركها معلقة، ولا سيما أن السودانيين، في نهاية الأمر، أصحاب الحق الأول في معرفة ما إذا كانت جريمة بهذا الحجم قد وقعت على أرضهم وباسم مؤسسات يفترض أنها تتحدث باسمهم.

وهنا تقع مسؤولية حكومة الأمر الواقع قبل غيرها. فالحد الأدنى من التزامها تجاه الشعب السوداني الذي اختطفت – هي وحاملو مباخرها – الحديث باسمه، أن تتعامل مع اتهام بهذا الحجم بما يليق بخطورته، لا بلغة التهاوش، ولا بالمضمضة بالشعارات والهتافات، ولا بتحويل مسألة فنية وقانونية إلى مباراة في المزايدة الوطنية. فمسؤولية الدولة، حتى وهي سلطة أمر واقع، ليست أن تنتصر في معركة علاقات عامة، وإنما أن تحمي مواطنيها من الجريمة إن وقعت، وأن تكشف الحقيقة إن وُجه إليها اتهام، وأن تتيح للناس حقهم في معرفة ما جرى باسمهم وعلى أرضهم. والحكومة التي تقول إنها تتحدث باسم السودانيين لا يحق لها أن تطلب منهم الثقة المجردة، بل عليها أن تقدم لهم الدليل.

وللمسألة، بطبيعة الحال، وجه أقدم يعرفه السودانيون جيداً، فقد عرفت السلطة عندنا طويلاً عادة استنفار حَمَلة المباخر كلما ثقُل السؤال. وحين يصعب إنتاج الإجابة، يصبح من الأسهل استدعاء الجوقة، وحين تستعصي الوقائع على الهتاف، يُستدعى الهتاف لكي يحل محل الوقائع. وهكذا تهبط قضية سياسية وجنائية وقانونية بالغة التعقيد إلى لازمة شعبوية قصيرة: «أين الكيماوي؟»، ثم يُراد للسؤال نفسه أن يقوم مقام الإجابة!.

ولعل الأسوأ من كل ذلك أن تضيع القضية، كغيرها، في مستنقع الاصطفاف السوداني المعتاد. فالفظائع التي ارتكبتها قوات الدعم السريع، من قتل واغتصاب وعنف عرقي ونهب وتهجير، لا تمنح جنرالات الجيش رخصة لارتكاب جريمة أخرى إن ثبت وقوعها. كما أن التحقيق في استخدام محتمل لسلاح كيميائي لا يمحو جريمة واحدة ارتكبتها قوات الدعم السريع، ولا يمنح مرتكبيها صك براءة. وبعد كل هذا الدم، ربما آن لنا أن نتعلم حقيقة تبدو بديهية لكنها عصية على حرب أعادتنا، في نسختها الأخيرة، إلى عهود «حروب القيمان»: الجرائم لا يُلغي بعضها بعضاً، والعدالة ليست نظام مقايضة.

والسودان، في نهاية الأمر، دولة طرف في اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية منذ العام 1999، وهذا وحده يجعل من حق السودانيين أن يتوقعوا من السلطة قدراً أكبر من الجدية في التعامل مع اتهام بهذا الحجم، لا لأن الاتهام ثبت، ولا لأن الصحافة الأجنبية معصومة، بل لأن خطورة الاتهام نفسها تفرض التحقيق. ففي الدول المحترمة لا يكون الرد على الادعاء الخطير هو السخرية من سائله، أو صناعة مشهد دعائي مضاد له، وإنما فحص الأدلة وتفنيدها أو إثباتها بأدوات العلم والقانون، أما المباخر فلها، في حياة السودانيين، وظائف أخرى أكثر نبلاً.
»وأقول لكم

– وأنا محضُ روحٍ تبوحْ –

لطفُ الله بالناس أن الخطايا

– وإن انتنت – لا تفوحْ!«

ولعل لطف الله بالناس عظيم بالفعل؛ فالخطايا، مهما انتنت، لا تفوح دائماً، لكنها أحياناً تترك وراءها ما هو أكثر عناداً من الرائحة: وثيقة لا تختفي، وذخيرة يمكن فحصها، وعيِّنة تحفظ أثراً، وشاهداً يتكلم، وسجلاً يبقى، وسؤالاً يرفض أن يموت. ودخان المباخر، مهما تكاثف، لا يُخفي رائحة السؤال.

وحين تنطفئ الكاميرات، وينتهي المونتاج، ويتفرق حَمَلة المباخر عائدين إلى حواضرهم البعيدة، ستبقى الخرطوم وسيبقى السؤال، لا ذلك الذي خرجوا إلى شوارعها لترديده: «أين الكيماوي؟»، بل السؤال الذي كان ينبغي أن تبدأ منه الحكاية كلها: أين التحقيق المستقل؟ والمستقل هنا لا يعني لجنة تشكلها السلطة موضع الاتهام، ولا تحقيقاً تنتقي هي شهوده وخبراءه، وإنما تحقيقاً تملكه جهة مختصة، لها حرية الوصول إلى المواقع والعينات والسجلات والذخائر والشهود، لأن اتهاماً بهذا الحجم لا يبرئ منه بيان عسكري، مثلما لا تثبته – وحدها – صفحات الصحف مهما بلغت مهنيتها. فبين الاتهام والبراءة شيءٌ اسمه التحقيق، وبين الحقيقة ودخان المباخر شيءٌ اسمه الدليل؛ حتى لا نقول: «البرهان»!.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *