عيد تحت دخان الحرب: السودان بين وجع الحاضر وأسئلة المصير

صفاء الزين

 

في منتصف أبريل 2023م دخل السودان واحدة من أكثر مراحله ظلمة وتعقيدًا واضطرابًا منذ عقود. فقد اندلعت الحرب نتيجة تراكمات طويلة من الأزمات السياسية والعسكرية، وصراع النفوذ، وانهيار الثقة بين القوى التي أمسكت بمصير البلاد بعد سقوط نظام المخلوع عمر البشير. ومنذ ذلك اليوم، تبدلت ملامح المدن وساكنيها، وامتلأت الطرقات بالنزوح والألم، وتحولت أحلام الناس البسيطة إلى أمنيات مرتبطة بالبقاء فقط، واستنشاق هواء غير ملوث بمجاهيل كيميائية مُميتة.

وجاء العيد مرة أخرى، بينما ما تزال أصوات المدافع أعلى من تكبيرات الفرح في كثير من المناطق، وما تزال آلاف الأسر موزعة بين النزوح واللجوء والفقد. عيد آخر يمر على السودان، والوطن ما يزال عالقًا داخل دوامة حرب تبدو نهايتها بعيدة ومفتوحة على احتمالات أكثر قسوة، ولا زال الأهل في المراحيل و”الفرقان” والقرى يئنون تحت وطأة القصف والمرض والعوز والألم على الفقد المتواصل.

هذه الحرب، في نظر قطاع واسع من السودانيين، تجاوزت فكرة المواجهة العسكرية التقليدية بين قوتين مسلحتين، واتجهت إلى مساحة أعمق ترتبط بمحاولات إعادة إنتاج السلطة عبر الفوضى والسلاح. فالحركة الإسلامية، تعاملت مع التحولات التي شهدها السودان بعد ثورة ديسمبر بعقلية استعادة النفوذ، وقدمت حسابات العودة السياسية على مصلحة الوطن، فكانت النتيجة بلدًا ممزقًا، ومدنًا مدمرة، وملايين السودانيين الذين وجدوا أنفسهم أسرى حرب دفعوا ثمنها من دمائهم وبيوتهم وأعمارهم ومدخراتهم. وفي النهاية ظل المواطن السوداني هو الضحية الأثقل، يتحمل كلفة صراع كان يمكن تجنب مآلاته لو تقدمت الحكمة على شهوة السيطرة.

وخلال ثلاثة أعوام من الحرب، خسر السودان الأرواح والممتلكات، وخسر كذلك المعنى السياسي لفكرة الدولة نفسها، وصار حبيس الحكومة، وطريد القيادة في المحافل الأفريقية والدولية، فالبلاد تعيش حالة ارتباك عميقة، كثرت فيها المبادرات، وتعددت المنابر، وارتفعت شعارات السلام، بينما الواقع الميداني بقي على حاله، وكل مبادرة تبدأ بضجيج واسع، ثم تنتهي إلى فراغ سياسي جديد، لأن الأزمة السودانية أعمق من أن تُعالج بالبيانات الدبلوماسية أو المجاملات السياسية، لأن الأزمة في جذورها ترتبط بشكل الدولة، ومن يملك القرار فيها، ومن يحتكر تعريف الوطنية، ومن يوزع صكوك الانتماء.

وفي خضم الحرب ظهرت تعبيرات كثيرة مثل “أطراف الحرب” و”قوى الحرب”، وهي مصطلحات تحتاج إلى قدر كبير من الوضوح حتى لا تتحول إلى أدوات لإقصاء الناس أو تصنيفهم بصورة تبسيطية. فعندما يُقال “أطراف الحرب”، فالمقصود الجهات العسكرية والسياسية المنخرطة بصورة مباشرة أو غير مباشرة في الصراع. أما تعبير “قوى الحرب”، فقد أصبح يُستخدم أحيانًا بصورة فضفاضة تُخرج الخلاف السياسي من إطاره الطبيعي إلى دائرة التخوين والعزل والإقصاء الاجتماعي، وكأن هناك من يحتكر وحده حق تحديد الوطني من غير الوطني.

وهنا تظهر خطورة الأزمة الحقيقية: من الذي منح أي جهة حق احتكار الوطن؟ ومن الذي يملك مفتاح السودان حتى يقرر من يُقبل ومن يُستبعد؟. فالوطن لا يُدار بعقلية الفرز والإقصاء، ولا يمكن إنقاذ السودان عبر صناعة قوائم للوطنيين وغير الوطنيين. هذه اللغة نفسها كانت من الأسباب التي دفعت البلاد إلى هذا الانسداد التاريخي، ومن قبلها قادت البلاد للتمزيق وتشريد مجتمعات بأكملها وكأننا لم نعِ درس الأمس القريب!!.

إن الحل الحقيقي لن يأتي عبر خطابات المزايدة أو الادعاءات الأخلاقية أو الشعارات التي تُطلق من منصات السياسة والإعلام، وإنما عبر جلوس كافة السودانيين إلى طاولة واحدة لإنقاذ بلدهم، والسودان اليوم لا يحتمل عقلية “نحن وحدنا نملك الحقيقة” ولا “نحن الأوصياء”، ولا خطاب الاستعلاء السياسي الذي يتعامل مع الناس وفق القرب أو البعد من هذا الطرف أو ذاك، فالأزمة السودانية لن تجد طريقها إلى الحل إلا إذا أدرك الجميع أن الوطن أكبر من الأحزاب والشخوص، وأكبر من الجيوش وجنرالاتها، وأكبر من رغبات العودة إلى السلطة.

لقد أثبتت الحرب أن أي مشروع يقوم على الإقصاء يقود إلى مزيد من الخراب، ولذلك فإن الطريق الوحيد نحو المستقبل يتمثل في بناء دولة يتساوى فيها السودانيون في الحقوق والواجبات، ويتمتعون دون فرز بحق المواطنة، دولة لا يُستخدم فيها السلاح لفرض الرؤى السياسية، ولا لترهيب الخصوم، ولا تُختزل فيها الوطنية في الولاء لهذا المعسكر أو ذاك. وحده الحوار الوطني الحقيقي، القائم على الاعتراف بالأخطاء ومخاطبة جذور الأزمة، يمكن أن يفتح باب الخروج من هذا النفق الطويل.

ولأن المأساة لا تُقاس بعدد القتلى أو حجم الدمار فقط، وإنما بذلك الإحساس الثقيل الذي أصبح يسكن وجدان السودانيين: الإحساس بأن الوطن يُستنزف أمام أعينهم، وأن الحرب كلما طالت، اتسعت الفجوة بين الناس وبين حلم الدولة الآمنة المستقرة، وعلينا تجسير تلك الفجوة بالصدق والمثابرة لا بالخداع والكذب والمناورة.

وفي العيد تحديدًا تظهر قسوة الحرب بصورة أوضح وتتجلى أشد آلامها. فالعيد في الذاكرة السودانية ظل دائمًا مناسبة للدفء الاجتماعي، وصلة الرحم، ولمّة الأسرة، وضحكات الأطفال في الشوارع والأسواق. أما اليوم فهناك من يستقبل العيد في معسكرات النزوح، وصفوف الحاجة والعوز، وهناك من يستقبله في بلاد اللجوء، وهناك من فقد أحباءه فلم يعد للعيد في قلبه متسع للفرح، عيد كان كل بيت يذبح وينحر فرحاً، واليوم صار أطفاله يتسولون لقمة الخبز!!.

ورغم كل ذلك ما يزال السودانيون يتمسكون بخيط الأمل. فالشعوب التي مرت بالحروب الكبرى استطاعت النهوض عندما أدركت أن الحروب الأهلية لا تنتج منتصرًا حقيقيًا، وأن السلاح لا يبني دولة، ولا يحفظ وطنًا، ولا يصنع مستقبلًا. السودان اليوم في حاجة إلى مشروع وطني جديد، يقوم على العدالة والحقيقة والمصارحة والمساءلة، والمحاسبة، وإبعاد المؤسسة العسكرية عن الصراع السياسي، وفتح الطريق أمام دولة مدنية تحفظ كرامة الناس وحقوقهم.

إن أخطر ما يمكن أن يحدث يتمثل في اعتياد الحرب. فعندما تصبح صور الدمار مألوفة، وأخبار الموت جزءًا من المشهد اليومي، يفقد المجتمع شيئًا من حساسيته تجاه الألم، ويتحول الخراب إلى عنصر ثابت في الحياة العامة، لذلك فإن مسؤولية النخبة والساسة والمثقفين والإعلاميين والكتاب وكل أصحاب الضمير تتمثل في مواصلة التذكير بأن هذه الحرب ليست قدرًا أبديًا، وأن السودان يستحق مصيرًا أكثر عدالة واستقرارًا وكرامة وأمناً.

وفي هذا العيد قد لا يملك السودانيون الكثير للاحتفال، ولا حتى رفاهية اختيار مصلّاهم الذي يجتعمون فيه كل عام، ولا يملكون القدرة على النظر في وجوه بعضهم بتلك البشاشة لما خلفته الحرب من أضغان وأحقاد حتى بين الجيران، غير أنهم يملكون حقهم الكامل في الحلم بوطن لا يُقتل فيه الناس بسبب السياسة، ولا تُشرّد فيه الأسر بسبب صراع السلطة، يملكون حقهم في أن يروا السودان بلدًا للحياة، لا ساحة مفتوحة للحرب.

وحتماً سيأتي يوم تنتهي فيه هذه المأساة، مهما طال الزمن، وسيبرأ الجرح مهما غار، غير أن السؤال الذي سيبقى مطروحًا أمام الجميع يتمثل في: كم كان الثمن؟ وهل كان السودانيون يستحقون كل هذا الألم؟ ومن الذي سيدفع حساب هذا الخراب أمام التاريخ وأمام الأجيال القادمة؟.

إن السودان لا يقف اليوم أمام أزمة سلطة فحسب، وإنما أمام امتحان وجودي يتعلق ببقاء الفكرة الوطنية نفسها. فالحروب الطويلة لا تدمر المدن وحدها، وإنما تعيد تشكيل الوعي الجمعي بصورة أعنف من تركيبه الأول، وتفتت الثقة بين مجتمعات ظلت متجاورة ومتماسكة لمئات السنوات، وتزرع داخل الأجيال ذاكرة مثقلة بالخوف والانقسام والمرارات وتغذي الانتقام، والخطر الحقيقي لا يتمثل فقط في الخراب الذي أصاب النيل الأزرق والخرطوم ودارفور والجزيرة وكردفان وغيرها، وإنما في احتمال أن تتحول الحرب مع الزمن إلى “وضع طبيعي”، وأن يفقد السودانيون تدريجيًا قدرتهم على تخيل وطن خارج منطق السلاح والخنادق والاصطفافات المغلقة.

لذلك فإن أي مساعٍ لهندسة حلول فوقية تسكن آلام السودانيين ولا تعالجها فهي تسوية لا تؤسس لدولة المواطنة، والعدالة، والمحاسبة، واحتكار السلاح، وإبراء الجراح وجبر الضرر، وعندها ستظل هدنة مؤقتة قابلة للانفجار من جديد، إن السودان يحتاج إلى عقد وطني جديد يعيد تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع، وبين السلطة والقانون، وبين الدين والدولة، وبين الهوية والتنوع، بعيدًا عن عقلية الغلبة والإقصاء والاستعلاء واحتكار الوطنية.

ختاماً: أرجو ألّا ينزلق السودان مرة أخرى إلى دوامة “عنف الأعياد”، ذلك النمط المظلم الذي ارتبط في الذاكرة الوطنية بممارسات أيديولوجيي النظام المباد، الذين اعتادوا تحويل مواسم الفرح الجماعي إلى لحظات خوف وحداد ودم منذ تصفية ضباط رمضان إلى فض الإعتصام وصولا لإشعال الحرب في منتصف إبريل 2023م، ففي كل مرة كان السودانيون يحاولون التقاط أنفاسهم، أو استعادة شيء من المعنى الإنساني للعيد، كانت ماكينة العنف تفتح أبواب الجراح من جديد، وكأن بعض القوى لا تستطيع التعايش مع شعب يفرح أو يهدأ أو يستعيد شعوره بالحياة خارج مناخ التعبئة والكراهية والحرب. والخطر هنا لا يتعلق فقط بالفعل الأمني أو العسكري، وإنما بالعقل السياسي الذي يرى في المجتمع كتلة يجب إخضاعها عبر الصدمة المستمرة، وفي المناسبات العامة فرصة لإعادة إنتاج الخوف الجماعي وكسر الروح الوطنية.

إن السودان المنهك اليوم في حاجة إلى حماية ما تبقى من نسيجه النفسي والاجتماعي، لأن الشعوب التي تُحاصر حتى في أعيادها تتعرض مع الزمن لاستنزاف داخلي عميق يفقدها الإحساس بالأمان والمعنى، ولهذا فإن المسؤولية الوطنية والأخلاقية تقتضي قطع الطريق أمام أي محاولة لتحويل الأعياد إلى مواسم انتقام سياسي أو رسائل دموية. فالأوطان لا تُبنى بإدامة الرعب، وإنما بصيانة كرامة الناس وحقهم في الحياة والطمأنينة والفرح.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *