بقلم جمال عبدالرحيم صالح
للراحل العظيم عبداللطيف تاريخ عظيم ومتفرد، أجد نفسي ملزمًا برواية بعض ما أعرفه عن قرب. تاريخ يتمازج فيه البُعد السياسي والفكري والاقتصادي والديني. فقد انتقل الرجل من باب اليسار، الذي كان أحد أهم رموزه بجامعة الخرطوم في منتصف ثمانينيات القرن الماضي، إلى رحاب الصوفية بعد مخاض فكري كثيف، مزج فيه تلك القيم والمواقف التي تشربتها روحه من اليسار بالعمق الروحي الذي قدمه له التصوف، في سلام وانسجام كاملين، دون أن يشعر البتة بالغربة بينهما.
من الصعب أن يصادف المرء رجلًا يتسم بالاتساق الفكري والأخلاقي مثل عبداللطيف عثمان. فسيرته ناصعة في كل فضاء تحرك فيه. تقلّد مواقع إدارية ومهنية يصعب الوصول إليها والاستمرار فيها. فقد عمل، قبل عودته إلى السودان من رحلة الاغتراب الطويلة، في مواقع رفيعة كان آخرها نائبًا لرئيس أحد الصناديق الاستثمارية الكبرى في قطر، بل كان الرئيس الفعلي في الواقع، يدير أصولًا تفوق العشرين مليار دولار. لكنه ترك الوظيفة بكل بساطة عندما شعر بعدم الرضا عن نشاطه في التصوف الذي كان مركزه في منزله.
غير أن قصته مع محفظة السلع الاستراتيجية، التي أسست لفهم جديد في إدارة الاقتصاد السوداني، تستحق أن تُسجَّل وأن تُروى. فقد كنت شاهدًا على بدايتها ومعي ثلة محدودة من الأصدقاء الاقتصاديين والمصرفيين، وكان الراحل أحد أركانها، نتداول فيما يمكن أن نساعد به حكومة الثورة الانتقالية للخروج من الضغوط الاقتصادية والمالية التي كانت تواجهها. أثمر النقاش عن فكرة المحفظة، ونقلناها بعد ساعات من انطلاقها إلى الأخ الشيخ خضر، الذي أبدى تفهمًا وتفاعلًا وتشجيعًا حارًا وسريعًا لها، وأظن أنه طرح المقترح على الأخ حمدوك وحظي بموافقته. ومنذ تلك اللحظة أصبحت الفكرة عنوانًا لأحد أنجح وأغنى التجارب الاقتصادية في السودان.
بعد أن حصلت الفكرة على الضوء الأخضر من الحكومة، انطلق الراحل العظيم بقوة غير عادية، نهارًا وليلًا، في تجهيز التصور المفصَّل للفكرة، وتحديد الدور المناط بكل من أصحاب المصلحة، والتنسيق بينهم، ووضع اللوائح الخاصة بإدارتها، وتحديد الهيكل التنظيمي والإداري لها. بل وصلت دقة العمل حدّ وضع الأسس واللوائح الخاصة بالعطاءات التي ستصدر عنها.
وفي غضون أسابيع قليلة، والحق يقال، أُنجز ما يتطلب شهورًا من العمل، إن لم يكن أعوامًا، ونحن نتحدث عن بلد هُدّمت كل مؤسساته الرسمية وغادرها معظم أصحاب الكفاءة والمقدرة.
ومضى الحال بسرعة غير معتادة، وتوفرت السلع الأساسية، وأصبح بنك السودان يقيم مزادًا أسبوعيًا حرًا للعملات الأجنبية، ولا من مشترٍ. لقد أسست المحفظة لأساليب جديدة في تحقيق الشفافية والنزاهة غابت عن البلاد لعقود متطاولة. فلأول مرة يتم طرح عطاءات استيراد السلع الأساسية من بترول وقمح وأدوية علانية، ويتم فتح مظاريفها والبت فيها بحضور المتنافسين أنفسهم. لقد كان الأمر أشبه بالمعجزة في الواقع!.
وعند توليه مسؤولية الجهاز الاستثماري لصندوق الضمان الاجتماعي (أتمنى أن يكون الاسم صحيحًا)، قطع الراحل شوطًا طويلًا في الترتيب لإعادة الخطوط البحرية السودانية والخطوط الجوية السودانية أيضًا، لكن للأسف قطع الانقلاب المشؤوم تلك الرحلة المباركة.
الحمد لله، قام الراحل بتوثيق جزء من هذه الرحلة، لكن أظن أن هناك الكثير مما يتطلب التوثيق، وفاءً له، وخدمةً للجيل المقبل من قادة الاقتصاد في بلادنا. وفي هذا أظن أن لدى الأخ الدكتور سليمان بلدو الكثير مما يمكن عمله في هذا التوثيق، بحكم متابعته اللصيقة لتلك الرحلة.
رحم الله أخانا الحبيب عبداللطيف عثمان، وأسكنه فسيح جناته، وألهم أسرته وأحباءه وعارفي فضله المصدومين الصبر على هذا الفقد الجلل.