حين ابتلع السيفُ الفكرة.. الإسلاميون وصاحب الشوكة

رشاد عثمان

 

كان شارل ديغول جنرالاً يملك من المجد العسكري ما يكفي ـ بمعايير جمهورياتنا المنكوبة ـ لتبرير انقلاب كل صباح. قاد «فرنسا الحرة»، وارتبط اسمه بالمقاومة والتحرير، ثم عاد إلى السلطة سنة 1958 في قلب أزمة فرنسية عاصفة. ومع ذلك، لم تتحول البطولة العسكرية عنده إلى صك إقامة أبدية في القصر؛ وحين رفض الفرنسيون مشروعه في استفتاء أبريل 1969، وكان قد تعهد بالرحيل إن قالوا «لا»، استقال في اليوم التالي وغادر.

 

ولعل في ذلك ما يكفي لاختصار المسافة بين العسكري ورجل الدولة: أن تحمل السيف، ثم تعرف أن الوطن لا يصبح ملكك لأنك حملته دفاعاً عنه، وأن الدولة أبقى من الرجل مهما علا مجده. ويا لها من مفارقة؛ استطاع ديغول أن يخرج من عقلية الثكنة، بينما أنتج تاريخنا السياسي مدنيين كثيرين لم يستطيعوا إخراج الثكنة من رؤوسهم.

 

وربما بدأت بعض الحكاية في مكان أبعد من القيادة العامة: في الفصل الدراسي نفسه. كانت مدارسنا تزين قاعاتها بأسماء ابن سينا والفارابي وابن رشد وابن خلدون، لكننا ما إن نفتح كتب التاريخ حتى تتقدم السيوف والغزوات والحصارات والفتوحات، حتى ليبدو التاريخ أحياناً طريقاً طويلاً تعبره الخيول. وهكذا سمّينا قاعات الدرس بأسماء أصحاب الأفكار، ثم حشونا رؤوس التلاميذ بسِيَر أصحاب السيوف.

 

وليس العيب أن ندرس الحروب؛ فهي جزء من التاريخ، وإنما يبدأ الاختلال حين تصبح الحرب هي التاريخ، وحين نقيس عظمة الأمم بعدد المدن التي فتحتها أكثر مما نقيسها بعدد الأسئلة التي طرحتها، ويصبح صاحب السيف أكثر حضوراً في المخيلة من صاحب الفكرة. ثم نعود، في براءة مدهشة، لنسأل عن سر هذا الولع بالبندقية، متناسين أننا ربّينا البندقية في المخيلة قبل أن نحملها في الشارع.

 

وكانت الحركة الإسلامية السودانية واحدة من أوضح تجليات هذا المخيال. والمقصود هنا ليس الإسلام، بصفته ديانة وتجربة روحية وأخلاقية واسعة، وإنما الإسلام السياسي حين يتحول إلى مشروع للسلطة والتنظيم والتمكين. فقد حملت الحركة في بنيتها التنظيمية قاموس البيعة والسمع والطاعة والصف والجهاد والفتح والتمكين؛ وهي مفردات تصبح، حين تنتظم داخل مشروع سياسي مغلق، أكثر قابلية لأن تجعل الاختلاف خروجاً عن الصف، والطاعة أعلى مقاماً من السؤال.

 

وفي خلفية ذلك كله يقف مفهوم قديم شديد الدلالة: «صاحب الشوكة»؛ أي صاحب القوة والمنعة والقدرة على إنفاذ السلطان. ومن هذه الزاوية تبدو مفاصلة الإسلاميين بين حسن الترابي وعمر البشير، في أحد وجوهها الرمزية، امتحاناً بين صاحب الفكرة وصاحب الشوكة. كان الترابي أقدر على بناء الفكرة والتنظيم، لكن البشير كان يملك الدولة والجيش والأمن؛ ولعل التجربة اختصرت مفارقتها بنفسها: ظن الترابي أنه استعار جنرالاً ليحرس الفكرة، ثم اكتشف أن الجنرال يستطيع أن يرث الفكرة والدولة معاً.

 

ومن الجهاد إلى المليشيات، ومن «التاتشر» إلى «الدرون»، تطورت أدوات القوة، فيما بقي السؤال السياسي القديم على حاله: من يملك السلاح يملك نصيباً أكبر من السلطة والثروة. ومع مرور السنوات، جرى تعميد العنف كأداة معلنة وغاية مطوية في آنٍ واحد؛ حتى لم يعد مجرد وسيلة في يد المشروع، بل صار واحداً من أكثر تعبيراته رسوخاً، فيما يضيع الفكر وتتوارى السياسة ويتسع مجد البندقية.

 

وهكذا تحول «المشروع الحضاري»، شيئاً فشيئاً، إلى دولة أمنية كثيفة الشعارات، حتى بدت الدولة أحياناً كأنها مفوضية أرضية لإدارة شؤون السماء. ولم يعد السؤال فقط عمّا فعلته الحركة بالعنف، بل عمّا فعله العنف بالحركة نفسها؛ فقد بدأ أداةً لحراسة الفكرة، ثم انتهى إلى ابتلاعها.

 

ثم دارت الأرض دورتها، واكتشف بعض أبناء التجربة مفردات السيادة والتراب الوطني وكرامة الدولة، وكأن كل انقلاب بلا أب، وكل مليشيا بلا نسب، وكل حريق يبدأ صباح اليوم. وتلك هي متلازمة الذاكرة الغربالية: أن يحتفظ المرء من التاريخ بما يخدم موقفه الراهن، ويسقط ما يثقله أخلاقياً. لكن حاضرنا المسلح لم يهبط من السماء؛ إنه ابن مسار طويل جعل القوة أقصر الطرق إلى السياسة: من صاحب السيف إلى صاحب الشوكة، ومن صاحب الشوكة إلى صاحب «التاتشر»، ومن صاحب «التاتشر» إلى صاحب «الدرون».

 

لم يخترع الإسلاميون غواية الانقلاب؛ فقد عرف السودان العسكر قبلهم، وعرف مدنيين قصدوا الثكنة حين ضاقت بهم السياسة. لكن تجربتهم قدّمت واحداً من أوضح الأمثلة على استعانة الفكرة بالسلاح، وعلى الحقيقة التي تتكرر كلما حدث ذلك: البندقية التي تدخل السياسة خادمةً للفكرة لا تبقى خادمةً لها طويلاً.

 

ولذلك نعود إلى ديغول. لم تكن دلالته في أنه حمل السيف، بل في أنه عرف متى يعيده إلى غمده. أما عندنا، فقد ظل السيف يخرج من كتاب التاريخ مرة بعد مرة، حتى تسلّط على رقابنا!.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *