تحول الأجهزة الأمنية إلى نقيض مفهوم الدولة:

تحول الأجهزة الأمنية إلى نقيض مفهوم الدولة:

بين اغتيال الحقيقة وإنتاج الفوضى المنظمة

 

بقلم: وضاح شرف الدين

 

مدخل: جريمة تتجاوز الضحية إلى كيان الدولة

ما تم كشفه في التقرير الاستقصائي الذي نشره الناشط السياسي والأمني “مجاهد بشرى” حول حادثة تصفية النقيب أنس محمد العبيد “الجوكر” – إذا ما ثبتت حيثياته – لا يمكن حصره في حادث أمني عابر، أو حتى في جريمة اغتيال سياسي منعزلة. التفاصيل المذكورة – بدءاً من اختراق مكتب رئيس الوزراء، مروراً بمحاولة اغتياله، واصطناع “خلايا إرهابية”، ووصولاً إلى إعدام ضابط محترف من مسافة صفر – ترسم صورة مكتملة لنظام أمني آثر حماية ذاته، حتى لو كان الثمن إحراق الوطن بأكمله.

التقرير لا يشير إلى “انزياحات فردية”، بل يُبرز منهج عمل مؤسسي قائم:

جهاز أمني يزرع أجهزة تنصت في صلب السلطة التنفيذية، يحتجز أفراداً كمخزون بشري لاستخدامهم لاحقاً تحت تصنيف “إرهابيين جاهزين”، يخطط لتفجير بعثات دبلوماسية، ثم يقدم على تصفية أحد ضباطه لرفضه المشاركة في الجريمة المنظمة.

هذه ليست فوضى عابرة… بل هي سياسة ممنهجة.

 

الدولة الأمنية: حينما يتحول الأمن إلى تهديد لكيان الدولة

في الأنظمة الشمولية والاستبدادية، لا تُقاس قوة الأجهزة الأمنية بقدرتها على صيانة أمن المواطن، بل بقدرتها على ضمان بقاء النظام الحاكم واستمراره دون معارضة.

وهنا يكمن جوهر المأساة: فالأمن يتوقف عن كونه وظيفةً للدولة، لتصبح الدولة نفسها أداةً في خدمة جهاز أمني متضخم وخارج عن السيطرة.

ما تكشفه التجربة السودانية – بوضوح لا لبس فيه – هو أن الجهاز الأمني لم ينظر إلى الحكومة المدنية كشريك، بل اعتبرها عدواً يجب تحييده، إذ إن أي إصلاح حقيقي يعني:

–        فقدان الهيمنة المطلقة.

–        كشف الجرائم المتراكمة.

–        زوال الامتيازات الاستثنائية.

–        انهيار دولة الظل الموازية.

ولذلك، لم يكن مستغرباً أن يُواجه مطلب “إصلاح وهيكلة الأجهزة الأمنية” بمحاولة اغتيال رئيس الوزراء، ثم بمسرحيات إرهابية مفتعلة، وأخيراً بانقلاب عسكري صريح.

 

من مكافحة الإرهاب إلى هندسته وتوظيفه

 

إن أخطر ما تقوم به الدولة الأمنية ليس القمع المكشوف، بل توليد الخوف بطريقة منهجية.

حينما يصبح الإرهاب أداة سياسية، تتحول الأجهزة من خط دفاع إلى منتج للفوضى:

–        تهديدات تُختلق من العدم.

–        خلايا تُشكَّل وتُدار.

–        عمليات تُنفَّذ ثم تُستثمر سياسياً وإعلامياً.

–        دماء تُسفَك لإقناع الداخل والخارج بأن “البديل هو الفوضى الشاملة”.

 

التقرير الاستقصائي يضع يده على الجوهر: الإرهاب لم يكن تهديداً يواجه الجهاز، بل وسيلة بقاء له.

تصفية الكفاءات العسكرية: حين يصبح الالتزام المهني جريمة تستوجب الإسكات

في ظل الدولة الأمنية، يتحول الضابط المحترف من رصيد وطني إلى تهديد داخلي.

فكل من: يرفض تنفيذ أوامر تخالف القانون والضمير، أو يمتلك معرفة فنية حساسة، أو يربط مفهوم الأمن بالتزام القانون وليس بالولاء الأعمى، يُصبح “شاهداً يجب إسكاته”.

عملية تصفية “الجوكر” ليست حادثة فردية، بل هي رسالة واضحة: الطاعة العمياء تفوق حب الوطن، والصمت الإجباري أهم من سيادة القانون.

 

اختطاف مؤسسات العدالة والإعلام: إكمال دائرة الهيمنة

 

لا يستطيع جهاز أمني أن يحكم بمفرده. لذلك، تمتد أذرعه لتشمل:

–        النيابة العامة لتوفير غطاء قانوني مزيف.

–        السلطة القضائية لتعطيل سير العدالة وإخفاء الحقيقة.

–        وسائل الإعلام لترويج الرواية الرسمية، مهما بلغت درجة سذاجتها أو تناقضها.

وهكذا تُقتل الحقيقة مرتين: مرة بالرصاص، ومرة بالتضليل المنظم.

 

الابتزاز الجيو-سياسي: منطق “إما نحن أو الفوضى”

على الصعيد الخارجي، تُتقن الدولة الأمنية لعبة الابتزاز الاستراتيجي: “نحن الشريك الأمني الوحيد.. وانفضاضنا يعني سقوط البلاد في الهاوية”.

بيد أن الوقائع تؤكد العكس: الفوضى ليست نتيجة غياب الدولة الأمنية، بل هي ثمرة وجودها من دون رقابة أو محاسبة.

 

الخلاصة: الأمن المنحرف أشد خطراً من انعدام الأمن

 

ما جرى – وما زال يجري – يؤكد حقيقةً محورية:

لا يمكن إقامة دولة مدنية ديمقراطية على أساس جهاز أمني من دون اصلاحه، وغير خاضع للمساءلة، ومتداخل مع اللعبة السياسية.

الدولة التي لا تُخضِع أمنها للقانون، محكوم عليها بأن تُخضِع قانونها لهيمنة الأمن.

إن حزمة إصلاحات أمنية جذرية ومهنية ليست ترفاً سياسياً، بل شرطاً وجودياً لإنهاء عهد الدولة الأمنية القمعية، ووضع حدٍ نهائي لتسييس الأمن وتوظيف الفوضى كأدوات حكم. فإصلاح المنظومة الأمنية هو الطريق الوحيد لحماية المصالح العليا للدولة، واستعادة ثقة المجتمع، خاصة في المناطق التي تعرضت لتخريب منهجي عبر بث الفتن، وإثارة النعرات، وتسليح الانقسامات العرقية والطائفية لخدمة أجندات سلطوية ضيقة.

كما أن إخضاع الأجهزة الأمنية للرقابة المدنية والقانونية يقطع الطريق على الهدر المالي المنظم الذي أُنفق لعقود على أنشطة تخريبية لا صلة لها بالأمن القومي، بل ساهمت في تفكيك النسيج الاجتماعي وتغذية الصراع وعدم الاستقرار.

فالأمن الحقيقي لا يُبنى على الخوف ولا على الاختراق ولا على الاغتيالات، بل على المهنية العالية، وسيادة القانون، والشفافية التامة.

وأي دولة لا تجرؤ على تفكيك دولة الأمن الموازية، ستبقى رهينة لها، مهما ادعت التمسك بشعارات الاستقرار والوحدة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *