الحقوق في زمن الحرب (10)

الحق في المشاركة.. استعادة الإنسان لصوته ودوره في بناء الدولة

 

صفاء الزين

مع انحسار أصوات القصف في أي مكان، تبدأ أسئلة أخرى في الظهور: من يقرر شكل الحياة القادمة؟ من يحدد أولويات الناس؟ من يكتب القوانين؟ من يختار ممثلي المجتمع؟ ومن يملك حق الحديث باسم الذين دفعوا ثمن الحرب؟.

هنا يظهر الحق في المشاركة باعتباره واحدًا من أكثر حقوق الإنسان اتصالًا بمستقبل الدولة، لأن المواطن الذي يملك حق التعبير والاختيار والمساهمة في الشأن العام يملك كذلك مساحة أوسع للدفاع عن بقية حقوقه، وصياغة مطالبه، والتأثير في علاقة الدولة بالمجتمع.

 

والحق في المشاركة في الحياة العامة حق أصيل في القانون الدولي لحقوق الإنسان، وتنص المادة 25 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية على حق كل مواطن في المشاركة في إدارة الشؤون العامة، بصورة مباشرة أو عن طريق ممثلين يختارهم بحرية، وفي التصويت والترشح في انتخابات دورية نزيهة، وفي الوصول إلى الوظائف العامة على أساس المساواة. كما يؤكد التعليق العام رقم 25 للجنة حقوق الإنسان أن المشاركة في إدارة الشؤون العامة تتسع لمجالات متعددة من النشاط السياسي والإداري، وتتجاوز نطاق الانتخابات وحدها.

 

وهذا التفصيل مهم في السودان، لأن اختزال المشاركة في صندوق الاقتراع يضيّق معنى الحق ويختصره في لحظة واحدة، فالمواطن يشارك عندما يعبر عن رأيه، وينضم إلى تنظيم مدني أو نقابة أو حزب، ويسهم في المبادرات المجتمعية، ويتابع أداء المؤسسات، ويطالب بالمعلومات، ويقدم المقترحات، ويشارك في القرارات المحلية التي تمس حياته. والمشاركة بهذا المعنى تعني حضور الإنسان في المجال العام باعتباره مواطنًا صاحب حق، وشريكًا في القرار، وصاحب مصلحة مباشرة في طريقة إدارة الدولة.

 

وقد دفعت الحرب ملايين السودانيين إلى النزوح داخل البلاد أو اللجوء خارجها، وغيّرت شكل حياتهم وعلاقتهم بالمؤسسات والمجتمع. فالنازح الذي ترك منزله، وأرضه، ومصدر دخله يواجه قضايا تتعلق بالسكن، والغذاء، والتعليم، والصحة، والحماية، ويحتاج إلى حضور صوته في القرارات المتعلقة بهذه القضايا، كما تحتاج المجتمعات التي استقبلت النازحين إلى المشاركة في تحديد احتياجاتها وكيفية توزيع الخدمات والموارد، لأن صناعة القرار بعيدًا عن المتضررين تنتج سياسات تنفصل بسهولة عن الواقع الذي يعيشه الناس.

 

وتتسع المشكلة أكثر عندما تتحول الحرب إلى أداة لإبعاد المجتمع عن المجال العام، فالخوف، والنزوح، وتقييد الحركة، وانهيار المؤسسات، وتراجع النشاط المدني، كلها عوامل تضيق مساحة المشاركة. وقد وثقت الأمم المتحدة للمرأة تأثير الحرب في السودان على قدرة النساء على الحركة والوصول إلى مساحات المشاركة، مع استمرار محاولات النساء للتنظيم والعمل والتأثير عبر الشبكات المحلية والافتراضية.

 

وقدمت النساء في السودان خلال سنوات الحرب صورًا واسعة من العمل العام، فشاركن في مبادرات وقف الحرب، وتقديم المساعدات، وحماية الأسر، وتنظيم المجتمعات المحلية، والدفاع عن قضايا المدنيين، والعمل من أجل السلام. وهذا الحضور الاجتماعي والمدني يحتاج إلى ترجمة سياسية ومؤسسية تمنح النساء قدرة حقيقية على صناعة القرار، فمشاركة المرأة في الحياة العامة تتجاوز عدد المقاعد التي تحصل عليها داخل مؤسسة سياسية إلى قدرتها الفعلية على التأثير في القرارات التي تحدد حاضر المجتمع ومستقبله.

 

وتؤكد التجارب الدولية في مجال المرأة والسلام والأمن أهمية المشاركة الفعلية للنساء في عمليات السلام وصناعة القرار. وتشير الأمم المتحدة للمرأة إلى استمرار الاستبعاد الواسع للنساء من عمليات السلام رغم أدوارهن في بناء المجتمعات وفض النزاعات المحلية. كما تعمل المنظمة في السودان على دعم مشاركة النساء في عمليات السلام وصناعة القرار على المستويات المختلفة، وهو ما يعيد التأكيد على أن الحضور الحقيقي يقاس بمدى التأثير في القرار، لا بالحضور الشكلي حول الطاولة.

 

والشباب كذلك في قلب هذه القضية، فجيل كامل عاش الحرب أو نشأ وسط أزمات سياسية واقتصادية متواصلة، ووجد نفسه أمام انقطاع في التعليم، والعمل، وفرص الحياة، ثم يُطلب من هذا الجيل أن يحمل مستقبل السودان. ومن هنا يصبح إشراك الشباب في صياغة ذلك المستقبل ضرورة مرتبطة بعدالة العملية السياسية نفسها، فوجودهم في الحياة العامة يحتاج إلى مساحات حقيقية داخل المؤسسات السياسية والمدنية، وإلى فرص للعمل العام، وإلى حماية حقهم في التعبير، والتنظيم، والمبادرة.

 

وتشمل المشاركة أيضًا سكان المناطق التي ظلت بعيدة عن مراكز القرار لعقود. فالمزارع الذي يريد حماية أرضه، والراعي الذي يحتاج إلى مسارات آمنة، والمرأة الريفية التي تعتمد على الإنتاج المحلي، والمعلم الذي يعمل في مدرسة متضررة، والطبيب الذي يحاول تشغيل مستشفى في منطقة منكوبة، جميعهم يملكون معرفة مباشرة بالقضايا التي تحتاج الدولة إلى معالجتها. وإشراكهم في صياغة السياسات يجعل القرار أقرب إلى الواقع، ويمنح المجتمعات فرصة فعلية لتحديد احتياجاتها وأولوياتها، بدل أن تصلها السياسات بعد اكتمالها.

 

وتحتاج المشاركة إلى بيئة قانونية تحمي حرية الرأي، والتعبير، والاجتماع، وتكوين الجمعيات، فالمواطن الذي يخشى التعبير عن رأيه، أو الانضمام إلى تنظيم مدني، أو انتقاد أداء مؤسسة عامة، تصبح مساحة مشاركته شديدة الضيق. كما يحتاج المجتمع إلى إعلام قادر على نقل الآراء المختلفة، ومؤسسات توفر المعلومات، وقنوات واضحة يستطيع المواطن عبرها تقديم الشكاوى والمقترحات ومتابعة القرارات، لأن المشاركة تفقد معناها إذا حُرم المواطن من المعلومات التي يحتاج إليها لتكوين رأيه ومساءلة من يدير الشأن العام.

 

وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في مرحلة ما بعد الحرب، إذ سيواجه السودان ملفات ضخمة تتعلق بإعادة الإعمار، وعودة النازحين واللاجئين، واستعادة الخدمات، وإدارة الموارد، وإصلاح المؤسسات، والعدالة، والتعليم، والصحة، والاقتصاد. وهذه الملفات تمس حياة كل سوداني، ولذلك تحتاج القرارات المرتبطة بها إلى مشاركة واسعة من أصحاب المصلحة، وخاصة المجتمعات الأكثر تأثرًا بالحرب.

 

والمشاركة في هذه المرحلة تحتاج إلى معنى أعمق من حضور الاجتماعات أو إضافة أسماء إلى قوائم المشاركين، فالمشاركة الحقيقية تعني القدرة على طرح القضايا، ومناقشة الخيارات، وتقديم البدائل، والتأثير في القرار، ومتابعة تنفيذه. أما استدعاء المواطن للاستماع وحده فيحوّل وجوده إلى إجراء شكلي، بينما تتحول المشاركة إلى حق فعلي عندما يمتلك مساحة للتأثير وتغيير اتجاه القرار.

 

وهنا تبرز قضية الانتخابات، فالانتخابات الحرة والنزيهة واحدة من أهم صور المشاركة السياسية، غير أن قيمتها ترتبط ببيئة تسبقها وتحميها: مواطن قادر على الوصول إلى المعلومات، وفضاء عام يسمح بالنقاش، وقوانين تضمن تكافؤ الفرص، ومؤسسات انتخابية مستقلة، وحرية في التنظيم والتعبير. فالديمقراطية تبدأ قبل يوم الاقتراع بوقت طويل، وتستمر بعده عبر قدرة المواطن على اختيار ممثليه، ومناقشة برامجهم، ومحاسبتهم بعد وصولهم إلى مواقع المسؤولية.

 

والمشاركة السياسية تتسع للاختلاف بطبيعتها، فالسودان مجتمع متنوع في ثقافاته، ومناطقه، وأفكاره، ومصالحه، والاختلاف جزء طبيعي من الحياة العامة. ووظيفة المؤسسات الديمقراطية هي إدارة هذا الاختلاف عبر القانون، والحوار، والوسائل السلمية، وفتح المجال أمام الآراء المختلفة حتى تجد طريقها إلى النقاش العام، وتحويل التعدد من مصدر للتوتر إلى مصدر لإثراء القرار العام.

 

ومن أهم شروط المشاركة أيضًا المساواة، فالحق يفقد مضمونه عندما يبقى مكتوبًا بينما تحول الظروف الاقتصادية، أو مكان الإقامة، أو الوضع الاجتماعي دون الوصول إلى المؤسسات والفرص العامة. ولذلك ترتبط المشاركة بحقوق أخرى تناولتها هذه السلسلة، فالطفل الذي حُرم من التعليم يدخل الحياة العامة بفرص أقل، والأسرة التي تعيش الجوع والفقر تواجه قيودًا أكبر، والمرأة التي تعاني العنف تجد أمامها عوائق إضافية في ممارسة دورها العام، والنازح الذي يفتقد الوثائق أو الخدمات قد يواجه صعوبات أكبر في الوصول إلى حقوقه.

 

ومن هنا تظهر حقيقة أساسية، فالحقوق مترابطة: الحق في الحياة يحمي وجود الإنسان، والحق في الصحة، والغذاء، والمياه، والسكن، والعمل، والتعليم يحفظ قدرته على العيش بكرامة، والحق في الحماية والعدالة يصون أمنه وحقوقه، ثم يأتي الحق في المشاركة ليمنحه القدرة على التأثير في النظام العام الذي ينظم هذه الحقوق جميعًا ويحدد طريقة توزيعها وحمايتها.

 

وفي السودان تحمل المشاركة معنى إضافيًا لأنها ترتبط بسؤال الدولة نفسها. فسنوات طويلة من الأزمات السياسية والحروب جعلت قطاعات واسعة من المواطنين تعيش بعيدًا عن دوائر اتخاذ القرار. وإعادة بناء الدولة تحتاج إلى تغيير هذه العلاقة، بحيث يشعر المواطن أن الدولة تعمل معه، وتستمع إليه، وأن المؤسسات العامة تخضع للقانون، وأن الوصول إلى الشأن العام حق متاح للمواطنين جميعًا.

 

ويتعذر بناء سلام مستقر من دون مجتمع حاضر في صناعة السلام، فالمرأة التي عاشت الحرب، والشاب الذي فقد سنوات من عمره، والنازح الذي ينتظر العودة، والمجتمع المحلي الذي فقد مصادر رزقه، جميعهم يحملون تجارب ومطالب ينبغي أن تدخل في النقاش حول مستقبل البلاد. وتشير الأمم المتحدة للمرأة إلى أن المشاركة ذات المعنى للنساء في عمليات السلام تحتاج إلى حضور فعلي وقدرة على التأثير، مع أهمية مشاركة النساء في مختلف مراحل العملية، بدءًا من التفاوض ومرورًا بصياغة الترتيبات وصولًا إلى تنفيذ الاتفاقات ومتابعتها.

 

وقد شهد السودان نفسه محاولات متعددة من النساء للتنظيم والتأثير في قضايا الحرب والسلام، ووثقت الأمم المتحدة للمرأة مبادرات وشبكات نسائية سودانية سعت إلى إيصال مطالب النساء إلى المسارات السياسية والإنسانية، والدفع نحو مشاركتهن في عمليات السلام وصناعة القرار. وهذه التجارب تؤكد أن المجتمع السوداني يمتلك طاقة مدنية كبيرة، وأن المهمة الأساسية تتمثل في فتح المجال أمامها، وحمايتها، وتحويلها إلى جزء أصيل من عملية بناء الدولة.

 

وفي الحلقة الأخيرة من هذه السلسلة نصل إلى الحق في المشاركة، لأن الإنسان الذي كتبنا عن حقوقه طوال الحلقات السابقة يحتاج في خاتمة الطريق إلى أن يكون حاضرًا في حماية تلك الحقوق وصناعة القرارات المتعلقة بها. فالحرب أخذت من السودانيين أرواحًا، وبيوتًا، وأرضًا، وتعليمًا، وصحة، وغذاءً، وأمانًا، وسبل عيش، وبعد كل هذا الفقد يحتاج السوداني إلى استعادة شيء آخر بالغ القيمة: صوته.

 

صوت المواطن في اختيار من يمثله، وفي نقد المؤسسات، وفي المطالبة بحقوقه، وفي النقاش حول مستقبل بلده، وصوت المرأة التي واجهت الحرب وحملت أعباء أسرتها ومجتمعها، وصوت الشباب الذين يريدون وطنًا يجدون فيه التعليم والعمل والفرصة، وصوت النازحين، واللاجئين، وسكان المناطق المتضررة، وصوت كل سوداني يريد مكانًا كريمًا في وطنه ودورًا حقيقيًا في صناعة مستقبله.

 

والدولة التي تحمي حقوق مواطنيها تحتاج إلى مواطنين قادرين على المشاركة في شؤونها، والسلام الذي ينهي القتال يحتاج إلى مجتمع حاضر في صناعة ما بعد الحرب، والديمقراطية التي نريدها للسودان تحتاج إلى مواطن يعرف أن صوته حق، وأن حضوره في المجال العام حق، وأن الاختلاف في الرأي حق، وأن صناعة المستقبل مسؤولية وحق مشترك بين السودانيين جميعًا. وهنا تكتمل سلسلة «الحقوق في زمن الحرب».

 

ختامًا: يصبح الحق في المشاركة أحد مفاتيح إعادة تأسيس الدولة السودانية بعد الحرب، لأن الأزمة التي عاشها السودان طوال عقود ارتبطت بدرجة كبيرة باحتكار القرار داخل دوائر ضيقة، وانفصال السلطة عن المجتمع، وضعف قدرة المواطن على التأثير في السياسات التي تحدد حياته. ولذلك فإن استعادة المشاركة ينبغي أن تتجاوز توسيع الحضور السياسي إلى إعادة تصميم العلاقة بين الدولة والمواطن على أساس أن الشرعية تُبنى عبر التفويض والمساءلة والشفافية والقدرة على التأثير، وأن المركز والأقاليم والمجتمعات المحلية والنازحين واللاجئين والنساء والشباب وأصحاب المهن والمنتجين جميعهم شركاء في تعريف الأولويات الوطنية، وصياغة الدستور، ومراقبة الموارد، وتحديد مسارات الإعمار، وإصلاح المؤسسات، وبناء السلام.

 

ويحتاج ذلك إلى مؤسسات تمثيلية قابلة للمساءلة، وحكم محلي قوي، وقنوات دائمة للمشاورات العامة، وضمان الوصول إلى المعلومات، وآليات رقمية وآمنة للمشاركة، ونظم واضحة لتلقي الشكاوى والمقترحات ومتابعة الاستجابة لها، مع حماية المجال المدني من الاحتكار الحزبي والعسكري والمالي، ومن تحويل المشاركة إلى واجهة شكلية تمنح القرار غطاءً اجتماعيًا من دون نقل جزء حقيقي من القوة إلى المواطنين.

 

فالدولة الأكثر قدرة على البقاء هي الدولة التي تستطيع سماع مجتمعها قبل انفجار أزماته، وتصحيح سياساتها قبل تحول المظالم إلى نزاعات، وإدخال الاختلاف إلى المؤسسات قبل انتقاله إلى الشارع أو السلاح. ومن هنا يتحول الحق في المشاركة من حق سياسي منفرد إلى آلية وقاية وطنية، وأداة لإعادة بناء الثقة، ومسار لتوزيع النفوذ بصورة سلمية، وضمانة ضد عودة الاستبداد والحرب، بحيث يصبح المواطن شريكًا دائمًا في الدولة، وتصبح الدولة أكثر قدرة على التعلم من مجتمعها والاستجابة له، وهي القاعدة التي يمكن أن يبدأ منها سودان جديد يربط الشرعية بالمشاركة، والاستقرار بالعدالة، والسيادة بقدرة الناس على امتلاك صوت حقيقي في تقرير مستقبلهم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *