مراقبون: لقاءات القيادات المدنية بنيويورك وواشنطن أحدثت اختراقاً دبلوماسياً غير مسبوق

عواصم: (ديسمبر)

 

يواصل وفد القوى المدنية السودانية، بقيادة دكتور عبدالله حمدوك، زيارته للولايات المتحدة الأمريكية التي استهلها بعقد لقاءات على هامش اجتماعات الدورة الـ(81) للجمعية العامة للأمم المتحدة، قبل أن يتوجه الوفد إلى العاصمة الأمريكية واشنطن، ومن المقرر أن تمتد الزيارة لتشمل كندا.

 

واعتبر مراقبون، في معرض تعليقهم لـ(ديسمبر)، أن اللقاءات التي عقدها الوفد منذ مشاركته في الجمعية العامة للأمم المتحدة “تعد كلها ذات أهمية كبرى”، لكنهم اتفقوا على توصيف اللقاء الذي عُقد بمقر الخارجية الأمريكية يوم الاثنين الماضي مع جهات أمريكية رفيعة، بأنه الأكثر أهمية، وأطلقوا عليه “أهم وأكبر اختراق دبلوماسي للقوى المدنية الرافضة للحرب منذ أبريل 2023م”.

 

لقاء الأربعة

 

حضر اللقاء الذي عقد بمقر وزارة الخارجية الأمريكية يوم الاثنين الماضي، من جانب القوى المدنية، كل من رئيس الوفد دكتور عبدالله حمدوك، بجانب الأستاذ بابكر فيصل، ودكتور بكري الجاك، والسفير عمر مانيس، ودكتورة سعاد موسى، أما من الجانب الأمريكي فقد شارك كل من مساعد وزير الخارجية لشؤون أفريقيا فرانك غارسيا، وكبير مستشاري الرئيس ترامب للشؤون الأفريقية والعربية مسعد بولس، والمندوب الدائم للولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة مايك ولتز.

 

بالنظر لقائمة المشاركين في الاجتماع من الجانب الأمريكي، فإن غارسيا، وبحكم موقعه الوظيفي، يمثل المسؤول الرئيسي عن الشؤون الأفريقية في الخارجية الأمريكية، فيما يمثل بولس المسؤول الأرفع على مستوى البيت الأبيض المكلف من قبل الرئيس دونالد ترامب بمتابعة الملفين الأفريقي والعربي، في ما يتولى ولتز مباشرة المهام المتصلة بالتحركات داخل الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي، والقاسم المشترك الذي يجمع ثلاثتهم هو ارتباطهم المباشر بصناعة القرار داخل مجلس الأمن القومي الأمريكي.

 

ويعد مجلس الأمن القومي الأمريكي ضمن المؤسسات التنفيذية في الولايات المتحدة الأمريكية، ويُعرف بشكل مختصر بأنه “منظمة إدارية تابعة مباشرة لرئيس الولايات المتحدة الأمريكية، وللمجلس دور نصائحي وتنسيقي وأحياناً تحريضي فيما يتعلق بموضوعات السياسة الخارجية والأمن القومي وأكثر عموماً”. ونخلص من هذا التعريف إلى أن أهمية المجلس تكمن في رسم وتوجيه السياسات الخارجية والقضايا المرتبطة بالأمن القومي للرئيس الأمريكي، وهو ما يعكس قدراً كبيراً وفعلياً متزايداً للاهتمام بالشأن السوداني وسط دوائر صنع القرار في واشنطن.

 

الرسائل الأمريكية

 

بالنسبة لوقائع هذا الاجتماع، فإن البيان الصادر عن الوفد أشار لتقديمهم إفادات حول تعقيدات الأزمة السودانية والكلفة الإنسانية الكارثية المستفحلة، التي ما عادت تهدد وجود الدولة السودانية وشعبها، وإنما تمثل تهديداً للأمن والسلم الإقليمي. وتقدم الوفد بالشكر للجهود المتواصلة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب وإدارته في إيقاف الحرب وإيصال المساعدات الإنسانية والاهتمام المستمر بالأزمة السودانية، لا سيما الموقف الأخير للخارجية الأمريكية الذي أكد أنه لا توجد شرعية لأي من أطراف الحرب، وأن القبول بالهدنة الإنسانية دون شروط هو المدخل الصحيح لإيقاف الحرب ومعالجة الكارثة الإنسانية.

 

تضمن ذلك البيان ملخصاً لما أورده الجانب الأمريكي بهذا الخصوص، والذي حمل عدة مؤشرات، أبرزها تلويح مساعد وزير الخارجية لشؤون أفريقيا فرانك غارسيا بإمكانية توسيع دائرة العقوبات “إذا تطلب الأمر”، في إطار تعزيز الجهود الأمريكية الدبلوماسية وتوظيف كل أدواتها السياسية لإيقاف الحرب، مع وجود إشارة ثانية وردت في حديثه ألمحت لاستمرار عملهم ضمن “الرباعية”.

 

الرسالة الثانية جاءت ضمن حديث المندوب الدائم للولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة مايك ولتز، بإعلانه استمرار جهودهم مع بقية أعضاء مجلس الأمن الدولي لضمان إجازة القرار الخاص بتوسعة حظر الأسلحة ليشمل كل السودان وتقوية آليات المراقبة والتنفيذ، بجانب قوله إن الرئيس ترامب “يفعل كل ما هو ممكن لوقف الحرب” والانتهاكات التي يتعرض لها المدنيون بواسطة طرفي الحرب، وهذا تأكيد إضافي على متابعة ترامب للتحركات المرتبطة بالسودان.

 

الاستجابة لمطلب سياسي

 

أشار كبير مستشاري الرئيس ترامب للشؤون الأفريقية والعربية مسعد بولس للنتائج المتصلة بالاجتماع المشترك ما بين الرباعية والخماسية، الذي عقد على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، والذي أفضى لتعزيز الاتصال والتنسيق بينهما، بجانب إضافة شركاء جدد لهما، أبرزهم المملكة المتحدة والنرويج وسويسرا وقطر.

 

بالنظر للتطورات المتصلة بالاجتماع المشترك وتعزيز التنسيق بينهما خلال الاجتماع الذي عقد على هامش الجمعية العامة الـ(81) للأمم المتحدة، تعد هذه الخطوة استجابة لأحد أبرز المطالب التي ظلت تنادي بها القوى المدنية الرافضة للحرب بوحدة مسار المبادرات المطروحة وتنسيق جهودها لقطع الطريق أمام أي مساعٍ تهدف للمناورة والتسويف من قبل أي من الأطراف غير الراغبة في تحقيق السلام.

 

تعد خطوة إضافة دول جديدة كشركاء جدد، زيادة في الفعالية وتمنح هذا المسار قوة دفع أكبر، نظراً لتأثر عمل الرباعية بالخلافات والتباينات بين مكوناته، ومن ناحية أخرى حماية الرباعية من أي محاولة لقطع الطريق، أو أي محاولات لنسفها من داخلها، بتلميح بعض أطرافها بعزمها على مغادرتها، وبالتالي فإن إعلان المبادئ الصادر عن دول الرباعية في سبتمبر 2025م والرؤية المرتبطة به بخصوص العملية السياسية وعدم وجود دور سياسي لقادة الأطراف المسلحة أو لحزب المؤتمر الوطني المحلول باتت بمثابة مرجعية أشمل للعملية السياسية، نظراً لعدم وجود أي تصور أو رؤى متفق عليها مغايرة من قبل أطراف الخماسية.

 

قلق البرهان

 

عقد الوفد، ضمن مشاركته في الاجتماعات على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة التي ابتدرها منذ يوم الأحد 20 سبتمبر الماضي وحتى وصوله لواشنطن مساء السبت 26 سبتمبر، سلسلة من الاجتماعات، بعقد لقاءات شملت كلّاً من السيدة أمينة محمد، نائبة الأمين العام للأمم المتحدة، والسيدة روزماري ديكارلو، وكيلة الأمين العام للشؤون السياسية وبناء السلام بالأمم المتحدة.

 

والتقى الوفد كذلك بكل من رئيس جمهورية بورندي والرئيس الحالي لدورة الاتحاد الأفريقي إيفارست نديشيماي، ووزير خارجية جمهورية الكونغو كوستانت سيرج بوندا، ووزير الدولة للخارجية لمملكة النرويج أندرياس كرافيك، والمدير العام لدائرة أفريقيا والشرق الأوسط بوزارة الخارجية الألمانية كيرت ستوكل ستريفيلد.

 

طبقاً لمراقبين تحدثوا مع (ديسمبر)، فإن لقاءات الوفد بنيويورك اكتسب كل منها قدراً من الأهمية، لكنهم نوهوا إلى أن اللقاء مع الرئيس البورندي إيفارست نديشيماي يكتسب أهميته من واقع تعزيز وتعميق التواصل الأفريقي من جهة، ووضعه الحالي بوصفه رئيساً لدورة الاتحاد الأفريقي ومساعيه المبذولة لوقف الحرب، إذ ظل الرجل، لعوامل عديدة، “يستمع لرواية أطراف الحرب”.

 

واعتبروا أن هذا اللقاء اكتسب أهميته من جوانب عديدة، على رأسها اتفاقه مع رؤية القوى المدنية في إجراءات وقف الحرب التي تتطلب هدنة توقف القتال بداية وإيصال المساعدات الإنسانية، بجانب دعوته للقوى المدنية لزيارة عاصمة بلاده بوجمبورا لاستكمال النقاش حول هذا الأمر.

 

وأشاروا في ذات الوقت لإثارة هذه التطورات المتصلة بلقاء الرئيس البورندي قلق سلطة قائد الجيش عبد الفتاح البرهان، مما دفعها لابتعاث وفد من تنسيقية القوى الوطنية والمعبرة سياسياً عن قائد الجيش، التي يترأسها محمد سيد أحمد الجكومي، بطائرة خاصة إلى بورندي يوم أمس الأول الثلاثاء بغرض لقاء نديشيماي.

 

وطبقاً لأولئك المراقبين الذين تحدثوا لـ(ديسمبر)، فإن التصريحات المنسوبة لهذا الوفد وتركيزهم على “تشويه مواقف القوى المدنية” أكثر من تقديمهم رؤى تعبر عنهم يكشف طبيعة وحقيقة المهمة التي تم ابتعاثهم لها، معتبرين أن ردة الفعل القلقة هذه توضح “أثر الاجتماعات التي عقدت بنيويورك من قبل القوى المدنية”.

 

لقاءات نوعية

 

بذات القدر، فإن اللقاء مع وزير خارجية جمهورية الكونغو كوستانت سيرج بوندا وتحميله رسالة لرئيس جمهورية الكونغو دينيس ساسو نغيسو، تدعوه وتحثه للعب دور في الدفع بجهود السلام في السودان، ينظر لها أيضاً بوصفها استمراراً في مد جسور التواصل المباشر مع الدول الأفريقية، والذي يأتي تطويراً للحراك المتزايد تجاه القارة الأفريقية منذ المشاركة على هامش اجتماعات قمة الاتحاد الأفريقي بأديس أبابا في فبراير 2025م.

 

واكتسبت اللقاءات مع كل من وزير الدولة للخارجية لمملكة النرويج أندرياس كرافيك والمدير العام لدائرة أفريقيا والشرق الأوسط بوزارة الخارجية الألمانية كيرت ستوكل ستريفيلد أهميتها بالنظر إلى ضم النرويج ضمن شركاء الرباعية والخماسية مؤخراً، والدور الألماني على المستويين الأوروبي والدولي وتأثيره على مستوى الاتحاد الأوروبي.

 

ويعد اللقاء مع كل من السيدة أمينة محمد، نائبة الأمين العام للأمم المتحدة، والسيدة روزماري ديكارلو، وكيلة الأمين العام للشؤون السياسية وبناء السلام بالأمم المتحدة، ذا أهمية كبيرة، نظراً لطبيعة ودلالات الموقع الذي تشغله أمينة محمد كأفريقية تشغل موقع نائب الأمين العام، وهو ما يمثل درجة اهتمام رفيع في المنظمة الدولية.

 

بالنسبة للاجتماع مع روزماري ديكارلو، فهو متصل بمهامها المرتبطة بالشؤون السياسية وعمليات السلام، وهو ما يجعل دور الأمم المتحدة المتصل بالخماسية والأنشطة المرتبطة بها ضمن نطاق مهام متابعتها، والتي تمتد حتى عمليات صناعة وإحلال السلام بالسودان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *