حين لا يكون الطريق إلى العلاج وردياً
إيمان فضل السيد
زاويتان عن سرطان الثدي في السودان: النزوح، التشخيص، وما بعد الفحص
الزاوية الأولى
دائرة المعاناة في النزوح والعلاج
لم تكن «سعاد» تنزح بحثاً عن مأوى فقط. كانت تنزح وهي تحمل مرضاً يحتاج إلى علاج منتظم. وفي كل محطة من محطات النزوح كان عليها أن تسأل السؤال نفسه: أين أستطيع أن أواصل علاجي؟.
«سعاد» اسم مستعار لمدرّسة في عقدها السادس، مصابة بسرطان الثدي. خرجت من الخرطوم مع الحرب، وتنقلت بين أكثر من منطقة قبل أن تصل إلى كسلا. هناك وجدت مكاناً تقيم فيه، لكنها لم تجد مركزاً تستطيع فيه مواصلة علاجها.
وجدت لاحقاً مستشفى في الولاية الشمالية يستقبل مرضى السرطان، فأصبح عليها أن تقطع المسافة بين كسلا والشمالية مرة أو مرتين كل شهر لتلقي جلساتها.
لم يعد النزوح بالنسبة إليها انتقالاً من مدينة إلى أخرى فحسب؛ صار جزءاً من رحلة العلاج نفسها. وبين مدينة لا يتوفر فيها العلاج، وأخرى يتوفر فيها، تقف المسافة، والطريق، وكلفة السفر.
المسافة بين الولايتين ليست مجرد مسافة على الخريطة. إنها سفر متكرر لمريضة تكافح السرطان، وإقامة في مكان آخر، ومُرافق تحتاج إليه، ونفقات إضافية، وإرهاق جسدي ونفسي يضاف إلى عبء المرض نفسه.
في السودان، حيث أعادت الحرب رسم خريطة الخدمات الصحية، قد تكون الخدمة موجودة، وقد يعود المستشفى إلى العمل، لكن السؤال الأكثر قسوة يظل قائماً: هل تستطيع المريضة الوصول إليه؟.
وبحسب اختصاصية صحية تعمل مع منظمة دولية داخل السودان، تمكن مرضى آخرون من الوصول إلى المركز نفسه، بينما لم يتمكن مرضى أبعد منه من مواصلة الطريق. وهكذا يصبح الوصول إلى العلاج نفسه مرتبطاً بمكان وجود المريضة، وقدرتها على الحركة، وقدرتها المالية، وبالطرق التي تستطيع عبورها وسط الحرب.
من مستشفى إلى آخر
قبل الحرب، كان مستشفى الخرطوم للأورام، المعروف باسم «مستشفى الذرة»، المحور الرئيسي لعلاج السرطان في السودان، إلى جانب المعهد القومي للسرطان في ود مدني، ثاني أكبر محاور علاج الأورام في البلاد.
لكن الحرب ضربت هذه الخريطة العلاجية. ومع انتقال القتال إلى ولايات جديدة، وجد مرضى السرطان أنفسهم أمام واقع مختلف: مراكز متخصصة خرجت من الخدمة، ومرضى نزحوا إلى مناطق لا تتوفر فيها الخدمات نفسها، وكوادر طبية غادرت، وأجهزة ومعدات تعرضت للنهب أو التدمير، فضلاً عن صعوبات الكهرباء والوقود والإمداد الطبي.
وبذلك لم تعد رحلة علاج السرطان بالضرورة تبدأ وتنتهي في المكان نفسه. قد تجري المريضة فحصاً في مدينة، وتأخذ العينة في مدينة أخرى، وتبحث عن نتيجة التحليل في مكان ثالث، ثم تضطر إلى السفر إلى ولاية أخرى لتلقي العلاج.
حين تصبح الجغرافيا جزءاً من العلاج
تقول الاختصاصية الصحية إن الحرب أثرت على مختلف مستويات النظام الصحي، من المستشفيات العامة والمتخصصة إلى المراكز والوحدات الصحية. وفي مناطق عدة، تعرضت مبانٍ صحية للتدمير، ونُهبت أجهزة ومعدات طبية، بينما تواجه المؤسسات التي تحاول العودة إلى العمل مشكلات الكهرباء والاعتماد على المولدات وارتفاع أسعار الوقود.
وفي الوقت نفسه، أدى نزوح وهجرة أعداد كبيرة من الأطباء والممرضين وأصحاب التخصصات المختلفة إلى التأثير في استقرار الخدمات وقدرتها على العمل بالكفاءة السابقة.
وهكذا، قد يكون المركز موجوداً على الخريطة، لكنه لا يقدم كل الخدمة التي تحتاجها المريضة.
وقد يجد المريض الطبيب، لكنه لا يجد الفحص الذي يحتاج إليه، أو يجد الفحص ولا يجد من يفسر نتيجته، أو يحصل على التشخيص ولا يستطيع الوصول إلى العلاج المناسب.
وفي مناطق تسيطر عليها قوات الدعم السريع، خصوصاً في دارفور وكردفان، تصبح الحركة نحو مراكز العلاج في الولايات الأخرى أكثر تعقيداً. وبحسب الاختصاصية، يواجه العابرون قيوداً أثناء التنقل، من بينها التدقيق في الوثائق والبيانات التي قد تكشف مكان الميلاد أو الإقامة، وهو ما يجعل الوصول إلى العلاج أكثر صعوبة بالنسبة إلى بعض المرضى.
بالنسبة إلى «سعاد»، أمكن في النهاية إيجاد مركز تستطيع مواصلة علاجها فيه. وأمكنها، رغم مشقة الطريق، أن تسافر من كسلا إلى الشمالية مرة أو مرتين في الشهر. لكن هذه القدرة ليست متاحة للجميع.
فالمريضة التي لا تملك ثمن السفر، أو مكاناً للإقامة، أو مرافقاً، أو القدرة الجسدية على قطع المسافة، أو التي تعيش في منطقة يصعب الخروج منها، قد تجد نفسها أمام خيار قاسٍ: إما أن تصل إلى العلاج مهما كانت الكلفة، أو تتوقف رحلة العلاج.
«سعاد» لا تحمل سرطان الثدي وحده في رحلتها. تحمل معها موعد الجلسة المقبلة، ونتيجة الفحص، واسم الطبيب، ودواء تحتاج إليه، ومرافقاً، وتكاليف الطريق، وسؤالاً يتكرر كل شهر: كيف أصل إلى الجلسة التالية؟.
وفي السودان الذي مزقته الحرب، قد تكون هذه المسافة بين المريضة والعلاج واحدة من أخطر صور المرض التي لا تظهر في ملفها الطبي.
عودة الخدمة لا تعني عودة الرحلة
في مارس 2026، استأنف مستشفى الخرطوم للأورام «الذرة» تقديم العلاج الكيميائي بعد توقف دام أكثر من ثلاثة أعوام، في خطوة أعادت إحدى أهم حلقات علاج السرطان إلى الخدمة. كما عاد المستشفى في أكتوبر إلى واجهة التوعية بسرطان الثدي، مع إطلاق فعاليات أكتوبر الوردي تحت شعار «الكشف المبكر يُحدِث الفرق».
لكن عودة المستشفى إلى العمل لا تعني بالضرورة أن منظومة علاج السرطان عادت إلى ما كانت عليه قبل الحرب.
فالعلاج لا يبدأ عند باب المستشفى ولا ينتهي عند تلقي الجرعة. هناك سلسلة كاملة تبدأ بالاشتباه في المرض والفحص والتصوير، ثم أخذ العينة وفحصها، والوصول إلى تشخيص دقيق، ثم اختيار العلاج المناسب، سواء كان جراحة أو علاجاً كيميائياً أو إشعاعياً، وصولاً إلى المتابعة الدورية.
إذا تعطلت حلقة واحدة من هذه السلسلة، قد تضطر المريضة إلى البحث عن بديل في مدينة أو ولاية أو بلد آخر.
وهذا ما يجعل عودة المؤسسات الصحية مهمة، لكنها غير كافية وحدها.
وتشير منظمة الصحة العالمية إلى أن 37% من المنشآت الصحية في السودان ما زالت غير عاملة في 2026، بينما أدت الهجمات على الرعاية الصحية وتدمير المنشآت والمعدات ونقص العاملين إلى زيادة صعوبة الوصول إلى الخدمات.
وهنا تصبح الحرب عاملاً يضاف إلى المرض نفسه: مرض يحتاج إلى متابعة منتظمة، ودواء في مواعيد محددة، وفحوص دقيقة، ورحلة علاج لا تحتمل كثيراً من الانقطاعات، في بلد أصبحت فيه المسافة بين المريضة والخدمة الطبية جزءاً من المعاناة.
قد تكون الخدمة قد عادت بالفعل إلى أحد المستشفيات، لكن ذلك لا يعني أن جميع حلقات العلاج عادت معها.
—
الزاوية الثانية
ما بين العيّنة واليقين.. حين لا تكفي نتيجة واحدة
ربما أزمة رحلة سرطان الثدي في السودان لا تتعلق بالوصول إلى العلاج وحده. ففي بعض الحالات، تبدأ المشكلة قبل ذلك، عند محاولة الوصول إلى تشخيص مؤكد.
إحدى السيدات السودانيات النازحات إلى ولاية النيل الأبيض خضعت لأخذ عينة نسيجية في أحد مراكز الأورام المتخصصة داخل السودان، وأُبلغت بعد الفحص بأنها مصابة بورم خبيث في الثدي.
لكن عندما وصلت إلى القاهرة، أُخذت منها عينة جديدة وأُجري لها فحص نسيجي آخر، ولم يؤكد الفحص الجديد تشخيص سرطان الثدي، وفقاً لإفادتها. وأُبلغت بأن المشكلة مرتبطة بأوردة دوالية، فعادت إلى السودان.
وفي أم درمان، خضعت امرأة أخرى قبل نحو شهر من إعداد هذا التقرير لأخذ عينة من كتلة في الثدي في مركز بأم درمان. وبعد الفحص أُبلغت بأنها مصابة بالسرطان. وبعد أخذ العينة ظهرت لديها تورمات وآلام في موضعها.
وعندما وصلت إلى القاهرة، أُخذت منها عينة أخرى وأُجري لها فحص نسيجي جديد، وانتهى إلى تشخيص مختلف، وأُجريت لها عملية لإزالة كيس دهني ودم متجلط في موضع العينة.
أما الحالة الثالثة، وهي لامرأة في ولاية نهر النيل، فلم يكن التشخيص الأول قائماً على خزعة، وإنما كان تشخيصاً سريرياً. وعندما أُجريت لها فحوص لاحقة في القاهرة، لم يتأكد وجود سرطان الثدي.
هذه الحالات لا تكفي لإصدار حكم عام على دقة التشخيص في المؤسسات السودانية، ولا تسمح وحدها بالقول إن نتيجة بعينها كانت خاطئة. فذلك يحتاج إلى مراجعة التقارير الطبية والعينات وطرق أخذها وحفظها وفحصها.
لكنها تطرح سؤالاً آخر أكثر أهمية:
ماذا تفعل المريضة عندما لا تتطابق النتائج؟
من الاشتباه إلى التشخيص
وجود كتلة في الثدي لا يعني تلقائياً أنها سرطان، كما أن الاشتباه السريري ليس بالضرورة تشخيصاً نهائياً.
وتعتمد عملية تشخيص سرطان الثدي على مجموعة من المعطيات، من الفحص السريري والتصوير إلى أخذ عينة عند الحاجة وفحص النسيج. وقد يحتاج الطبيب إلى مراجعة تقارير الفحص والصور والعينات للوصول إلى القرار المناسب.
ويشير المعهد الوطني للسرطان في الولايات المتحدة إلى أن طلب رأي ثانٍ يمكن أن يساعد في تأكيد تشخيص سرطان الثدي وخطة العلاج، وأن الطبيب الذي يقدم الرأي الثاني قد يراجع تقرير علم الأمراض والشرائح والصور الطبية قبل إبداء رأيه.
وهذا يجعل الرأي الثاني جزءاً مفهوماً من الممارسة الطبية، خصوصاً عندما تكون النتيجة غير متوقعة أو عندما يتعلق الأمر بقرار علاجي كبير.
لكن الحرب تضيف سؤالاً آخر إلى السؤال الطبي:
أين تحصل المريضة على الرأي الثاني؟
في الظروف الطبيعية، قد تكون المسافة بين الطبيب الأول والثاني رحلة قصيرة. أما في السودان، فقد يعني اختلاف النتائج رحلة من ولاية إلى أخرى، أو عبور الحدود.
وفي الحالتين اللتين تناولتا الخزعة، لم تكن المشكلة مجرد وجود نتيجتين مختلفتين؛ بل إن الوصول إلى النتيجة الثانية نفسها احتاج إلى انتقال من السودان إلى القاهرة.
ولا يعني ذلك أن نتيجة الفحص الثاني صحيحة تلقائياً، كما لا يعني أن النتيجة الأولى خاطئة. لكنه يكشف حجم العبء الذي يمكن أن تتحمله المريضة عندما تصبح مراجعة التشخيص مرتبطة بالقدرة على السفر.
السؤال الحقيقي ليس: أي النتيجتين صحيحة؟
بل: هل تملك المريضة السودانية في زمن الحرب فرصة كافية للوصول إلى تشخيص يمكن تأكيده ومراجعته قبل أن تبدأ رحلة علاج طويلة ومكلفة؟.
في سرطان الثدي، قد تكون النتيجة الطبية نقطة فاصلة بين مسارين مختلفين تماماً. ولذلك فإن الوصول إلى التشخيص ليس نهاية الرحلة، لكنه أيضاً ليس خطوة يمكن تجاوزها بسهولة.
وفي بلد تتوزع فيه الخدمات الصحية بصورة غير متساوية، ويعيش ملايين الأشخاص في النزوح، يصبح الحق في التشخيص مرتبطاً، مرة أخرى، بالقدرة على الوصول.
برقية وردية في بريدهن
لا تنتهي الرسالة عند «افحصي نفسك»
في أكتوبر الوردي، تبدو الدعوة إلى الكشف المبكر بسيطة: افحصي نفسك، وراجعي الطبيب، ولا تتأخري.
لكن في السودان، توجد رسالة أخرى ينبغي أن تُكتب إلى جانبها:
ماذا يحدث بعد أن تقرري أن تفحصي نفسك؟.
فبعد أن تصل المرأة إلى الطبيب، يبقى سؤال آخر: أين ستجري الفحص؟ ومن سيقرأ العينة؟ وهل يمكن مراجعة النتيجة؟ وأين ستتلقى العلاج إذا تأكدت الإصابة؟.
قد تكون مراكز الأورام قد بدأت في العودة إلى الخريطة، لكن السؤال الذي يخص المريضة هو: هل عادت معها أيضاً رحلة تشخيص آمنة ومتكاملة يمكن الوصول إليها والوثوق بها؟.
فالطريق قد يبدأ بكتلة أو تغير يستدعي المراجعة، ثم ينتقل إلى الفحص السريري والتصوير، وقد يحتاج إلى أخذ عينة وفحصها نسيجياً. وإذا تأكد التشخيص، تبدأ رحلة أخرى للعلاج والمتابعة.
المشكلة أن الحرب لم تضرب هذه المراحل بالطريقة نفسها فقط؛ بل فرقتها أيضاً على الخريطة.
إذا ظهرت كتلة.. لا تفترضي الأسوأ
وجود كتلة في الثدي لا يعني بالضرورة وجود سرطان. لكن تجاهلها ليس خياراً آمناً.
المراجعة الطبية هي الخطوة الأولى، وقد يقرر الطبيب إجراء تصوير أو أخذ عينة بحسب طبيعة الحالة. ولا ينبغي أن يتحول الخوف من السرطان إلى تشخيص ذاتي، كما لا ينبغي أن يتحول الاطمئنان الأول إلى تجاهل تغير مستمر.
وإذا اختلفت النتائج؟
لا تبدئي علاجاً طويلاً اعتماداً على الخوف وحده، ولا ترفضي نتيجة طبية لمجرد أنها لا توافق نتيجة سابقة.
عند اختلاف النتائج، يصبح من المهم عرض التقارير والصور ونتيجة الفحص النسيجي على طبيب مختص، وقد يكون طلب رأي ثانٍ مناسباً بحسب الحالة. ويمكن في بعض الحالات مراجعة الشرائح أو المواد النسيجية نفسها، وليس بالضرورة إعادة كل شيء من البداية.
وإذا كنتِ نازحة؟
هنا تصبح النصيحة الطبية أكثر تعقيداً.
احتفظي ــ قدر الإمكان ــ بنسخ من التقارير الطبية ونتائج الفحوص والصور وأي معلومات متعلقة بالعلاج السابق. فالانتقال من مركز إلى آخر لا ينبغي أن يعني ضياع تاريخك الطبي.
واسألي الطبيب بوضوح:
ما التشخيص؟ ما الفحص الذي بُني عليه؟ ما الخطوة التالية؟ وأين يمكن إجراؤها إذا لم تكن متاحة في المكان الذي أعيش فيه؟.
فالمرأة السودانية لا تحتاج في زمن الحرب إلى معرفة أهمية الكشف المبكر فقط؛ تحتاج أيضاً إلى معرفة كيف تكمل الطريق بعد الكشف.
ولهذا تأتي «برقية أكتوبر الوردي» هذا العام مختلفة:
افحصي نفسك، نعم.
لكن لا تتركي نفسك وحدك أمام الطريق بعد الفحص.