بقلم: الدكتور عمر صديق عثمان
بريتوريا – جنوب أفريقيا
———————-+
مقدمة
الدكتور عمر صديق عثمان عبد الرحمن، أحد الشهود والمشاركين في أحداث ثورة أكتوبر 1964. عاش تفاصيلها وهو طالب بجامعة الخرطوم، وكان قريبًا من الأحداث التي بدأت بمقتل الطالب أحمد القرشي طه، ثم تحولت جنازته إلى لحظة مفصلية في مسار الثورة وسقوط نظام الفريق إبراهيم عبود.
وُلد عمر صديق عام 1940 في قرية سيال كريم الدين شمال المتمة، وتخرج في قسم المعمار بكلية الهندسة بجامعة الخرطوم عام 1966. واصل مسيرته الأكاديمية، فأسس قسم المعمار بمعهد الكليات التكنولوجية، ونال الماجستير عام 1976 والدكتوراه عام 1980 من جامعة بريستول بالمملكة المتحدة. وعمل أستاذًا وقياديًا أكاديميًا في عدد من الجامعات السودانية، من بينها جامعة السودان للعلوم والتكنولوجيا، وجامعة أم درمان الإسلامية، وجامعة جوبا، وجامعة أم درمان الأهلية.
لكن الجانب الأهم في هذه السيرة هنا هو ذكرياته عن أيام أكتوبر؛ إذ يروي من موقع الشاهد والمشارك تفاصيل اجتماعات الطلاب، والتحركات داخل الجامعة، والساعات العصيبة التي أعقبت استشهاد القرشي، ومحاولات حماية جثمانه من الشرطة، ثم المشهد الجماهيري الكبير الذي خرج في جنازته.
وبعد أكثر من ستة عقود، يستعيد الدكتور عمر صديق تلك الأيام، كاشفًا تفاصيل صغيرة وكبيرة من داخل الحدث، وأسئلة ظلت معلقة في ذاكرة الثورة: كيف انتقلت شرارة الاحتجاج من الجامعة إلى الشارع؟ وكيف اختفى جثمان الشهيد من قبضة الشرطة؟ ومن الذي دفع الجماهير إلى مواصلة التظاهر حتى سقوط الحكم العسكري؟.
إنها شهادة من داخل الحدث، يرويها أحد الذين كانوا هناك، وشاهدوا أكتوبر وهي تنتقل من حادثة داخل مستشفى إلى ثورة غيّرت تاريخ السودان، تنشرها (ديسمبر) على ثلاث حلقات، وهذا هو الجزء الثالث والأخير منها.
عندما وصل خبر استشهاد الطالب إلى أساتذة جامعة الخرطوم، دعوا إلى اجتماع فوري بدار الأساتذة، حددوا فيه طريقة مشاركتهم في التشييع، وتبنّي الحراك المنظم لإدارة الحراك ضد السلطة العسكرية، ومتابعة ما اقترحه الاجتماع بتنظيم «إضراب سياسي» عام. تجدد اجتماع الأساتذة صباح الخميس، وانضم إليهم المحامون الذين اقترحوا دعوة المنظمات المهنية والعمالية، وتكوين نواة لما سُمّي لاحقًا «جبهة الهيئات». اجتمع يوم السبت مع أساتذة جامعة الخرطوم ممثلو عشر مجموعات مهنية وعمالية. كما استُبعد مقترح إشراك الأحزاب السياسية، وتكونت الهيئة وحددت وثيقة عملها، وانتخبت هيئتها التنفيذية.
يوم الاثنين (26 أكتوبر)، تنازل عبود عن السلطة ببساطة مذهلة، حصل بسببها على تقدير كبير في داخل الوطن وخارجه. ولكن على الجانب الآخر صاحبه مباشرة جشع السياسيين الطامعين في السلطة، وبدأ صراع سياسي محموم على تولي إدارة البلد. وتباينت الخلافات بين الفكر اليميني والفكر اليساري، وبين جبهة الهيئات والأحزاب، ثم داخل الأحزاب نفسها. جبهة الهيئات، التي كان يغلب عليها الفكر اليساري، ظلت متماسكة في داخلها، حيث فكرت بروية في ألا تتقدم بمرشح يُعرف عنه ولاء للفكر اليميني أو اليساري. تقدم الأستاذ اليساري في المعهد الفني، مكاوي مصطفى، باسم مدير المعهد، سر الختم الخليفة، ليتولى رئاسة الحكومة الانتقالية، وكانت تلك ضربة ذكية؛ فالرجل كان أستاذ تربية وتعليم مشهودًا له بالتميز.
للتاريخ أذكر أنه عندما كنا تلاميذاً في متوسطة بخت الرضا، رشحه «خواجات بخت الرضا البريطانيون»، لتميزه، ليذهب إلى الجنوب من أجل إدخال اللغة العربية في التعليم المدرسي. أقام المعهد حفل وداع شهدناه متفرجين من غير دعوة. كنت معجبًا ومتابعًا للشعر الترفيهي المليء بالسخرية الذي كان يكتبه الأستاذ عبد الحليم علي طه في نشرات المعهد الدورية. في ليلة وداع سر الختم، قال عبد الحليم:
ودّوك الجنوب يا الماك إضينة وخملة
ودّعتك (قرينتش) والمراحل جملة
وجداول الحساب وأيضًا طريقة الإملا(ء)
تلك الأبيات الشعرية البسيطة قدمت سيرة ذاتية بازخة لأستاذ «طريقة» متميز؛ وهذا هو اسم الوظيفة التي كان يشغلها سر الختم الخليفة في معهد بخت الرضا.
لم يجد السياسيون سببًا يحول دون قبولهم ترشيح سر الختم الخليفة لرئاسة الوزراء، لكن سرعان ما تحول الخلاف حول المناصب إلى خلافات ساخنة بين قادة الحراك السياسي الذين جاءت بهم الثورة المباركة. ورغم الخلافات والمماحكات، كان الشارع الثائر يدعو إلى الإسراع بتكوين الحكومة. مرت عشرة أيام كانت تفيض بأخبار الخلافات السياسية البائنة والمخبأة، قبل أن يُعلن عن تكوين حكومة أكتوبر الأولى (1 نوفمبر). تشكلت الحكومة من أربعة عشر وزيرًا: خمسة وزراء لأحزاب الأمة، والاتحادي، والشعب الديمقراطي، والشيوعي، وجبهة الميثاق الإسلامي، وسبعة لجبهة الهيئات؛ ووزارتين للجنوب.
منذ يومهم الأول، تبين أن نشاط الحزب الشيوعي وسط المهنيين قد آتى أُكله؛ إذ جاء أغلب ممثلي التشكيلات المهنية والنقابات إما يساريين صارخين، رافضين للفكر اليميني، أو متعاطفين مع اليسار، ومن الفئة الأخيرة حزب الشعب الديمقراطي. هذه الخلاصة أزعجت التوجه اليميني الذي تكوّن فقط من الإسلاميين والحزب الوطني الاتحادي وحزب الأمة. عضوا الجنوب محايدان في أمور كثيرة، أما فيما يتعلق بأمر الدستور القادم فهما قطعًا ضد التوجه الإسلامي. وعليه، جاءت حكومة أكتوبر يسارية صرفة.
لم تبتلع أحزاب اليمين المذكورة تلك الهزيمة الواضحة؛ إذ سرعان ما بدأت في اختلاق المشاكل ووضع العقبات في طريق الحكومة، هادفةً إلى دفعها للاستقالة لعجزها عن تخطي تلك العقبات المصنوعة بعناية ولؤم. ومن تلك العقبات ادعاء إسلامية ثورة أكتوبر، وبالتالي طرح فكرة أن تتم الدعوة لتبني الدستور الإسلامي للدولة السودانية. وكان من البديهي أن ترفض الحكومة المقترح إذا طُرح للتصويت، ويُتوقع أن يقف مع المقترح ثلاثة ويعارضه أحد عشر. لكن الفكرة شكلت للفكر الحر داخل الحكومة مصدر هلع وإزعاج، إذا ما تبناها الشارع الذي يميل بطبيعة تربيته إلى التدين.
من جانب آخر، بدأت الأحزاب في نسج المؤامرات وبث الإشاعات، مثل إشاعة انقلاب ليلة المتاريس (9 نوفمبر)، واستجلاب كوادر حزبية مسلحة من الأقاليم بهدف معلن هو قتل الشيوعيين. يوم الاحتفال الذي أُقيم في ميدان عبد المنعم بمناسبة مرور شهر على الثورة، جاءت جحافل من شباب الأنصار مسلحين بالفؤوس، يهتفون ضد الكفار، وطلبوا أن يُرشدوا إلى «حِلّة الشيوعيين». وكان موكب الطلاب الذي سيّره المجلس الأربعيني قدر المقام، إذ تعامل مع ذلك الموكب بحكمة. وما زلت أذكر الأمين بلة، الذي دخل المجلس مستقلًا وممثلًا لحزب الأمة، وكيف أقنع موكب شباب الأنصار بالهدوء والحكمة. ثم جاءت إشاعة مقتل وزير الداخلية كلمنت أمبورو، حين تأخر وصوله من جوبا، مما تسبب في مأساة الأحد الدامي (6 ديسمبر).
تلك المؤامرات، المصحوبة بالتهديد والوعيد، كانت تستهدف إقصاء الشيوعيين «الكفار». ومثلما حدث في يوم الاحتفال بمرور شهر على الثورة، تم في (4 فبراير) إغراق الخرطوم بشباب الأنصار المسلحين بالفؤوس، المستجلبين من مناطق النيل الأبيض، مطالبين بتطهير الحكومة من الشيوعيين. وخوفًا من تصاعد الفتنة، اضطر سر الختم إلى إعلان استقالة حكومة أكتوبر الأولى في (18 فبراير).
بالاستقالة، تم لقوى الردة ما سعت إليه، ودخلت ثورة أكتوبر الخالدة مرحلة تقاسم الأسلاب. وبعد خمسة أيام من التنازع حول المناصب، تم الاتفاق على استبعاد وزراء جبهة الهيئات والنقابات. وفي (23 فبراير)، تكونت حكومة سر الختم الثانية وفق المحاصصات التالية: ثلاثة وزراء لكل من حزب الأمة، والاتحادي الديمقراطي، والشعب الديمقراطي، والجنوبيين، إضافة إلى مقعد واحد للشيوعيين وآخر لجبهة الميثاق الإسلامي.
رفض حزب الشعب الديمقراطي ذلك التكوين، واستمرت مقاعده الثلاثة خالية في حكومة أكتوبر الثانية، حتى تدخلت الوساطات ليعود حزب الشعب ويشغل مقاعده في (31 مارس). وسُمّيت الحكومة، بعد اكتمالها بعودة حزب الشعب، حكومة أكتوبر الثالثة، التي ظلت قوى الرجعية، حاضنة «نكسة أكتوبر»، تكيد لها بكل الوسائل، ومن بينها المظاهرات الهزيلة التي كان يصنعها الإسلاميون، ومن بين هتافاتها: “يا خرطوم ثوري، ثوري، خلي خليفة يلحق نوري”؛ إشارةً إلى نوري السعيد في العراق، وتهديد أحمد المهدي المتكرر باستجلاب شباب الأنصار لغزو الخرطوم.
تحت الضغط والتهديد، ورغم ضعف التسجيل وعدم توفر الأمن في الجنوب، اضطرت حكومة سر الختم الخليفة إلى إجراء الانتخابات (21 أبريل – 8 مايو). بلغت نسبة التصويت (58.1%)، وتقاسم الحزبان الكبيران أغلبية مقاعد البرلمان البالغة (207): الأمة 90، والاتحادي 59. واستقالت حكومة أكتوبر يوم (2 مايو)، بعد ستة أشهر. ذهب أغلب عملها إلى مماحكات حول أمور لا علاقة لها بما كانت تريده القوى التي صنعت أكتوبر، والتي كانت ترمي إلى أن “تدق الصخر حتى ينبت الصخر لها زرعًا وخضرة”.
خلف الله بابكر، أحد حملة الوعي من وزراء حكومات أكتوبر – من داخل الصندوق كما نقول – لخّص حقيقة العبث الذي كانت تصنعه الأحزاب السياسية لإجهاض مبادئ الثورة، وغضّ النظر عن مبادئ العقد الاجتماعي الذي ورد مفصلًا في سورة (قريش): إيلاف الناس، وتعاونهم وتكاتفهم في مناشط كسب العيش، وقبل ذلك إطعامهم من الجوع وتأمينهم من الخوف. عبّر عن ذلك بأبيات شعر بسيطة:
الناس في محن كبرى وساستهم لا يعلمون
وهذي أكبر المحن
قد هام من هام بالدستور يحسبه من مطلب الناس
ضاع الناس في وطني
الناس لا تأكل الدستور لو خرجت
تشكو من الجوع في سر وفي علن
يا أيها الزمن المنكود، يا زمن
ماذا فعلت بنا يا آخر الزمن؟
ورغم العجز البائن للحكومات التي سُمّيت بحكومات أكتوبر، مرّ عام على الثورة؛ عام اتسم بالإحباط العام، ولكن جذوة الأمل عند الشعب ظلت مشتعلة. ومن مظاهر ذلك أن تمت الدعوة للاحتفال بذكرى أكتوبر الأولى يوم (21/10/1965) في القصر الجمهوري. وتم الاحتفال، الذي جاء خجولًا ومتواضعًا، لكنه وثّق لأول وآخر احتفال حقيقي بذكرى ثورة أكتوبر التي عرفناها.
الصورة المرفقة توثق للاحتفال، إذ شملت بعض أهل أكتوبر: البروفيسور النذير دفع الله، مدير الجامعة – “سليل الأكرمين مضى كريمًا وضم رفاته قبر رحيب”؛ أقصى الشمال علي سالم وديع، خامسة هندسة، عضو لجنة أكتوبر، حاليًا لاجئ في السعودية؛ يمين البروفيسور عبد الوهاب عبد الرحمن، سادسة معمار، مؤسس كاربلن الاستشارية، حاليًا لاجئ في كندا؛ يمين الصورة عمر صديق، عضو لجنة الندوة، سادسة معمار، حاليًا لاجئ في جنوب أفريقيا.
عقب تلك الانتخابات المستعجلة، دخل الوطن في العهد الغيهب الجاثم عليه حتى اليوم؛ ابتداءً من «عام الرمادة»، العام الذي استوفى فيه الصادق المهدي العمر الذي يؤهله للترشح للنيابة في البرلمان، فأُخليت له دائرة مضمونة ونجح دون منافسة. جاء نائبًا من حزب الأمة، حاملًا معه أحلامًا أكبر من إمكانياته. أصبح، بين طرفة عين وانتباهتها، رئيسًا للحزب الذي سرعان ما تسبب في شقه إلى حزبين بسبب التنافس مع عمه الهادي عبد الرحمن المهدي. بعد استقامة أمر الرئاسة، بدأ في طرح أفكاره الطوباوية؛ مثل «الرايات السبع»، التي لم يستوعبها أحد، ومثلها تعابير كثيرة يكتنفها الغموض.
في نقد إدارة الصادق للحزب، كتب الحادبون على الوطن مقالات وأشعارًا كثيرة، بعضها محتشم وبعضها مسيء للصادق. ومن الفئة الأولى، مثلًا:
أورثت بيتًا شامخًا فهدمتهُ
وغَرِقت في لُججٍ من الهفواتِ
أوردت أهلك كل مورد فرقةٍ
وشققت رايتهم إلى راياتِ
غرّبتهم كـ«بني هلال» ولم تكن
أبو زيد يدفع عنهم النكباتِ
قابيل وارِ أخاك في جوف الثرى
بالت عليه ثعالب الفلواتِ
رغم حالة اليأس، مرّ العام الأول لثورة أكتوبر بسلام لم يستمر لأكثر من شهر واحد بعده. مساء الاثنين (9/11/1965)، تحدث طالب محبط في ندوة نظمتها جبهة الميثاق الإسلامي في معهد المعلمين، وقال حديثًا غير لائق عن بيت النبي (ص). اصطاده طالبو الفتنة، فاتهموا الطالب المسيء بعضوية الحزب الشيوعي، وحمّلوا الحزب جريرة حديثه الفج، وصعّدوا الأمر حتى توصلوا إلى هدفهم المعلن، وهو تصفية حساباتهم مع الحزب الشيوعي؛ فاستصدروا قوانين ولوائح جديدة مكنتهم من استصدار قرار برلماني يقضي بحل الحزب الشيوعي وطرد نوابه المنتخبين من البرلمان.
كتب منصور خالد سلسلة مقالات رائعة بعنوان “يوم أُكِل الثور الأبيض”، حذّر فيها من تبعات تلك القرارات الغريبة على مستقبل البلد ومستقبل الحرية والديمقراطية فيه. ولكن: “لقد أسمعت لو ناديت حيًّا… ولكن لا حياة لمن تنادي”. ووفقًا لنبوءة منصور، بعدما تم أكل «الثور الأبيض: الحزب الشيوعي»، وبوتائر متسارعة، أُكلت جميع الثيران، شاملةً كل ألوان طيف قوس قزح. وتنوعت وسائل القتل؛ فبدلًا من فرية «الطالب شوقي»، صُممت بعناية وسائل خبيثة للإقصاء الفكري، منها، على سبيل المثال لا الحصر، نشر التدين المظهري، ولنسَمِّه «الدينو-نفاق»، وصحبته مقولات ساذجة مثل “نحمد الله على نعمة الإسلام”، ومنها أن جميع المصائب التي تحل علينا تعود علينا نعماء ممثلةً في شيكات مضمونة تُصرف لنا في دار المعاد.
الزمن الذي كانت أجيال «الإنتيليجينسيا» – وتعني الكتل المتنورة والمنتمية لقضايا شعوبها – تستثمره في التشاور حول مستقبل البلاد، ملأته حلقات التلاوة. والحداد على موتى الحروب بين فصائل وطنية تبحث عن العدالة والحرية، حلّ محله الاحتفال بأعراس الشهيد؛ ولم لا، فالميت “سنبلة”، كما يقال؛ فبدلًا من زوجة واحدة، يُزف إلى سبعين حورية في تلك الليلة، ويُزف بالزغاريد والأناشيد من أمه وإخوانه، مظهريًا، وفي الداخل تتمزق أحشاؤهن حزنًا يخفينه خوفًا من أن يُرمَين بالكفر. وبذلك، وُئد في السودان كل أمل للإصلاح والتعافي والتقدم والرقي، وبلوغ مصاف الأمم التي تستحق الحياة.
في ختام هذا السرد المفصل، تجدر الإشارة إلى أنني كتبت عما شهدته في أكتوبر، وما سمعته من مصادر موثوقة عما لم أشهده. كتبت عنه في ظروف مختلفة؛ لعل أهمها ما كتبته لشقيق الشهيد القرشي، عبد المتعال القرشي طه، الذي قصد أن يكتب كتابًا مفصلًا عن شقيقه، ولعله وجد من وجّهه لمقابلة طبيب امتياز كان ضمن المجموعة التي كشفت على جثمان أخيه في المستشفى. وفعلاً، قابل صديقي عمر الحاج سليمان، الذي دلّه على عنواني لأحكي له عن أحداث ما قبل إطلاق الرصاص على أخيه وما بعده.
جاءني عبد المتعال في البيت، وكان أول ما سألني عنه الحالة التي وُجد عليها شقيقه بعد أن أُصيب، وكيف كانت الإصابة. وصفت له بدقة كيف كان متمددًا على ظهره، وفي أعلى جبهته أثر دماء. ثم سألني عن موقع خروج السائل اللزج الذي خرج إلى كفّة يدي، فوضعت إصبعي على مؤخرة عنقي وقلت: “السائل خرج من هنا”. نظر إلى إصبعي بتمعن، ثم قال لي: “الآن أصدق روايتك؛ من هذا المكان خرجت الرصاصة، لأنني أنا الذي غسلته بنفسي”.
كتبت لعبد المتعال تقريبًا كل ما أعدت كتابته أعلاه، وقد ظل على اتصال معي حتى أكمل مسودة كتابه. وعندها أخبرني بأنه أعطاها للصادق المهدي، الذي وعده بمراجعتها وكتابة مقدمة للكتاب ونشره. وبعدها لم أسمع عن عبد المتعال ولا منه، رغم اتصالات كثيرة مع ابنته التي كانت تطبع له المسودة.
عندما كتبت لعبد المتعال ذلك التوثيق، كان أغلب من أوردت أسماؤهم أحياء، وكان بإمكانهم التعليق عليه. الآن تقدم الزمن، وأعتقد أن أهم مراجع هذا التوثيق هو الدكتور عمر الحاج سليمان، الذي يعيش في منزله الريفي الذي نزح إليه بعد المعاش من عمله الممتد في منظمة الصحة العالمية. يقع بيته في ضاحية الحفيان، على بعد ثلاثة كيلومترات من جامعة شندي، لمن يريد مزيدًا من المعلومات عن ليلة أكتوبر الخالدة.