البرهان وحكومته… شعبية في الحضيض

تقارير: (ديسمبر)

 

كأنها كانت بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير؛ طائرات تخترق الأجواء السودانية قادمة من جهة الحدود المصرية، بحسب شهود عيان، ووفقًا لاعترافات الحكومة المصرية بشنّها حملات في (شمال الوادي). الطائرات المصرية تقذف قنابل قاتلة على تجمعات سودانيين عُزّل في مناطق التعدين، وتقتل ما يزيد على (130) مواطنًا سودانيًا وتصيب المئات بجراح، بعضها خطير.

القتل في حد ذاته كان وحشيًا؛ عدد من رفاق القتلى قالوا إن جثث القتلى تحولت إلى أشلاء، ولا مناص من دفنهم في مقبرة جماعية. ومن استهدفتهم الطائرات شباب في مقتبل العمر من طبقات فقيرة تبحث عن فرصة رزق عبر نبش الأرض بحثًا عن ذهب. الهجوم على السودانيين وقتلهم بهذه الطريقة تكرر للمرة الثانية خلال هذا العام. القتل الأول كان في ذات منطقة «جبل العقيدات» ومناجم التنقيب الأهلي، إذ تعرضت المنطقة في يونيو الماضي لغارات جوية أسفرت عن مقتل 23 مواطنًا سودانيًا، وإصابة العشرات بجراح خطيرة، وفقد هؤلاء المعدّنون آليات وأموالًا.

في المرة الأولى، وجّه الفريق أول البرهان بتشكيل لجنة تحقيق، واستطاعت آلة الدعاية الإعلامية الموالية للجيش تصوير الاستهداف على أنه «حادثة وقعت عن طريق الخطأ». لم يسمع عن مخرجات لجنة البرهان الأولى أحد. البرهان ومستشاروه ورئيس وزراء الحكومة استخدموا الوصفة القديمة: لجنة تحقيق وبيان عن حادث. إلا أن الجديد في الواقعة الأخيرة موجة الغضب العاتية التي انفجرت في وجه قائد الجيش وحكومته ومستشاريه، والتي لم تفلح السياسة القديمة في إلهاء الرأي العام. والجديد أيضًا أن موجة الغضب والسخط شملت حتى من كانوا يؤيدونه في حربه وفي استمراره قائدًا، من أعضاء النظام القديم.

 

الارتباك

المفاجأة التي لم تكن متوقعة أن تدخل حكومة البرهان في ارتباك يلزمها الصمت الطويل. لأكثر من يومين، ظل الشعب في انتظار تعليق أو بيان. بعد أن انتشر خبر مقتل عشرات السودانيين بضربات طيران أجنبي، اتخذ البرهان وحكومته سياسة التجاهل. وما زاد من دهشة المواطن أن جهات عديدة أصدرت بيانات إدانة، عدا مجلس السيادة، وأصبح السؤال حول صمت البرهان وحكومته وتجاهلهما لما جرى مقرونًا بالتعليقات على المجزرة.

ثم صدر بيان صامت مكرر لم يقل شيئًا سوى أن لجنة تحقيق ستُشكَّل، دونما أن يشرح مهام اللجنة وفي أي شيء ستحقق، خاصة بعد أن أعلنت مصر أنها وراء حملة ضد وجود المعدّنين في تلك المناطق، وبأنها دخلت في شراكات مع شركات تعدين كبرى. وأكثر من ذلك، قالت إنها حذّرت المعدّنين عبر إسقاط منشورات تأمرهم فيها بمغادرة مناجم التعدين.

وأكثر من ذلك، فإن التوجيه بتشكيل لجنة في واقعة شديدة الخطورة والتعقيد، كما هي الحال في واقعة مقتل سودانيين في منطقة شمال الوادي، يعني، في عرف السودانيين، تسويف القضية وإلهاء الرأي العام عنها مع الوقت. والبيان «الساكت» الذي صدر عن مجلس السيادة الانتقالي زاد من غضب الشارع السوداني، الذي كان يتوقع، عقب الصمت، أن يصدر رد فعل أو موقف قوي مساوٍ للكارثة، من شاكلة استدعاء السفير أو مخاطبة جمهورية مصر العربية مباشرة. ولم يكن متوقعًا أن يصدر بيان «تشكيل لجنة تحقيق»، وهذا ما دفع الكثيرين إلى التعليق بنبرة سخط في صفحة مجلس السيادة: «يا برهان، بيان تشكيل لجنة تحقيق كان يحتاج إلى كل هذا الوقت والتأخير؟»

 

شعبية البرهان.. شعبية الحرب

في إطار استطلاع «ديسمبر» عن رأي السودانيين حول تعاطي حكومة البرهان مع كارثة قتل المعدّنين، ومن خلال رصدها مواقع التواصل الاجتماعي، اتضح أمر مهم يتعلق بتأييد استمرار الحرب ودعم الجيش؛ إذ إن كثيرًا ممن يؤيدون استمرار الحرب ويدعمون الجيش في ذلك باتوا ساخطين على الجيش، وبالذات بعد أن كان تأييدهم له مرتبطًا بالدعاية المتعلقة بأن حرب (15 أبريل) حرب كرامة السودانيين. وأطلق عليها الإسلاميون الداعمون لها «حرب الكرامة».

وبطبيعة الحال، شمل السخط البرهان، قائد الجيش، وانتبه الكثيرون إلى أنه تأخر في نصرة شباب سودانيين تقتلهم دولة مجاورة بطريقة بشعة، ولم يهتم لحياتهم، دعك عن كرامتهم. وأكثر من ذلك، فتح الغضب أعين الرأي العام السوداني على أن الحرب الطويلة فرضت على الجيش قبول تنازلات وتسويات عديدة لصالح الحفاظ على تأمين الدعم السياسي والعسكري من قبل الحكومة المصرية، وأنها أدت إلى ضعف الدولة وزيادة الأطماع فيها، دون طائل نصر على الدعم السريع، بعد أن كانت حربًا سريعة وخاطفة وفق الخطاب الذي يصدره الجيش كل صباح للشعب السوداني.

 

شعبية البرهان.. شعبية الحكومة

لا خلاف أن البرهان هو من يسيطر على السلطة في السودان منذ انقلاب 25 أكتوبر 2021، وزادت قبضته على السلطة بعد اندلاع الحرب، وهو من عيّن كامل إدريس رئيسًا للوزراء وعددًا من وزراء حكومة كامل. ولا خلاف كذلك في فشل حكومة «الأمل» برئاسة كامل، ولكن دعاية البرهان واستخبارات الجيش تصنع دعاية مفادها أن كامل إدريس فاشل، وفي المقابل، البرهان بطل حرب ومنقذ للسودانيين.

غير أن تفاقم الأزمة وتآكل الثقة في كامل إدريس، وفقًا لأدائه وشخصيته واهتماماته، دفع الرأي العام للانتباه إلى أن البرهان هو من جاء بكامل، وأنه من يتحمل مسؤولية تردي الأوضاع الاقتصادية والخدمية في المناطق التي لم يبلغها عنف الحرب، والمناطق التي سيطر عليها الجيش، وخاصة في العاصمة الخرطوم.

وفي أجواء ارتفاع كلفة المعيشة وتدهور قيمة العملة المحلية وندرة السلع الأساسية وارتفاع أسعارها، وقعت كارثة مقتل المعدّنين السودانيين. وفي هذه الأجواء والظروف، إلى جانب الطريقة المرتبكة التي تعامل بها البرهان، دفع ذلك كثيرين للانتباه إلى تراكم الفشل في الحرب، وفي إدارة الحياة، وفي الحفاظ على سيادة السودان وسلامة أهله من العدوان الخارجي. لذلك اتخذ كثير من السودانيين موقفًا جديدًا من البرهان، خلافًا لما كان في السابق، حينما كان توجيه النقد اللاذع محصورًا فقط في كامل إدريس وحكومته. وبحسب كثيرين، فإن كارثة مقتل السودانيين عبر طيران مصري في أرض سودانية كانت أولى تداعياتها الداخلية انعكاسًا على شعبية البرهان وحكومته، التي باتت في الحضيض.

 

السيادة والكرامة والوصاية

كثيرًا ما وقف البرهان أمام السودانيين ملوّحًا بقبضة اليد اليمنى أحيانًا، وبإصبع السبابة أحيانًا أخرى، قائلًا بطريقة دراماتيكية: «نحنا أوصياء على البلد دي»، أي أوصياء على شعبها الذي قتلت وشرّدت الحرب أعدادًا غفيرة منه، وصعّبت حياته. ويردد دائمًا: «ما بنساوم في كرامة السودانيين».

السودانيون انتُهكت أرواح شبابهم العُزّل بطريقة وحشية ومهينة في شمال الوادي، ويردد أنه «لن نقبل المساس بسيادة السودان». وسيادة السودان تنتهك من دول الجوار بشكل متكرر، والبرهان لا يحرك ساكنًا، وأقصى ردة فعله أن يوجّه بتشكيل لجنة تحقيق لا تخلص إلى شيء. هذا هو لسان حال الشارع السوداني الذي لم يعد ينظر إلى البرهان إلا كقائد فاشل وعد ولم يفِ بوعده، خاصة بعد أن أصبحت السيادة والكرامة والوصاية في مهب الريح.

 

اعتداء في وضع السلم

من ضمن تعبئة الحرب من قبل الحركة الإسلامية والاستخبارات العسكرية تصوير ما يجري منذ 15 أبريل على أنه عدوان خارجي، ويُزجّ منذ الأشهر الأولى للمعارك باسم دولة الإمارات على أنها الداعم الرئيسي لقوات الدعم السريع، ملحقًا معها دولة تشاد. مؤخرًا، أُدرجت دولة إثيوبيا على أنها دولة عدوان، وانطلقت التعبئة وفق هذه التصورات، مقابل إنكار مشاركة أي دولة في الحرب إلى جانب الجيش، مع أن الدعم السريع ومحللين عسكريين أشاروا أكثر من مرة إلى دعم المملكة العربية السعودية وجمهورية مصر للجيش، دعم شبيه بالدعم الذي يحصل عليه الدعم السريع من دولة الإمارات.

وكثيرًا ما تُوجَّه أصابع الاتهام إلى مصر على أنها تشارك فعليًا في المعارك إلى جانب الجيش، وخاصة عبر الطيران والطيران المسيّر الذي ينطلق من قاعدة في جنوب مصر بالقرب من الحدود المصرية الليبية السودانية. وعلى الرغم من قلة الأدلة، فإن كارثة الاعتداء على المعدّنين السودانيين في شمال الوادي أكدت تدخل مصر في الحرب، وبالذات بعد تفسير ردة فعل البرهان والجيش إزاء الاعتداء الذي مثّل انتهاكًا للأجواء والسيادة، فضلًا عن قتل المعدّنين. ومما يجعل الأمر أكثر تعقيدًا أن الاعتداء وقع في مناطق لا علاقة مباشرة لها بالحرب، ولا تدور فيها معارك.

 

وماذا بعد تضعضع شعبية القائد؟

منذ وقت، والبرهان يسعى إلى خلق شعبية جماهيرية، وكثيرًا ما تضع الاستخبارات العسكرية والغرف الإعلامية المساندة موضوع ترشيح البرهان ضمن أجندة الإعلام والرأي العام. ولكن الرياح تجري بما لا تشتهي سفن البرهان، وأعتى الرياح التي بعثرت أحلام البرهان في الاستمرار هي الرياح التي هبّت من شمال الوادي. ولا أحد من المراقبين يستطيع إنكار تضعضع شعبية البرهان بعد ما جرى.

وأكثر من ذلك، تحولت الشعبية من التأييد إلى الضد، وهذا ما يضع الجيش في موقف حرج، ومن قبله الحركة الإسلامية والنظام القديم، لجهة أن كليهما يعوّل على استمرار البرهان قائدًا مسيطرًا على السلطة أطول فترة ممكنة، أو خمس سنوات على الأقل، كما صرّح أحمد هارون، القيادي في حزب المؤتمر الوطني المحلول، وكما جاء في تسريبات محمد عثمان يوسف كبر، القيادي بالحزب المحلول ذاته.

ولكن المأزق الأكبر سيواجهه الجيش، ومعلوم أنه ربط وجوده إلى حد كبير بالسيطرة على السلطة وتبعاتها السياسية والاقتصادية. وما يواجهه البرهان من تآكل الشعبية المتحولة إلى سخط وغضب لا يسمح له بالاستمرار؛ عليه تدبير قائد بديل أو قيادة بديلة، مع الوضع في الاعتبار تعقيدات الوضع الدستوري في غياب البرهان، الذي دُبّر جلوسه في المقعد وفقًا للترتيبات الدستورية المتعلقة بالثورة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *