البرهان.. جنرال على حافة الهاوية

بقلم: م/ الطيب أبوكروك

 

يشبه المشهد السياسي السوداني اليوم إحدى روايات غابرييل غارسيا ماركيز؛ حيث يترنح الجنرال عبد الفتاح البرهان داخل متاهة معقدة صنعها بيديه، باحثاً عن مخرج بين جدران السلطة المتهالكة. فوحدهم القادة الذين يدمنون السير على حافة الهاوية يُتقنون فن “الرمادية الكبرى”؛ إذ تقف خطوات البرهان دائماً في تلك المنطقة الضبابية الفاصلة بين الحزم والانكفاء، حيث تُصاغ الوعود لتُنقض، وتُبرم العهود لتعلَّق على حبال التكتيك اليومي. إنه عرّاب “الرقص على رؤوس الأفاعي” بامتياز، يتحرك بخطى حذرة وسط بيئة لا ترحم المترددين.

 

ولم يكن أدلّ على هذا الاضطراب من مسارعته الأخيرة إلى منصة “تويتر” مرحباً بالمقترح الأمريكي لإحلال السلام؛ ذلك المقترح الذي يضع النقاط على الحروف بفرضه هدنة إنسانية ووقفاً شاملاً لإطلاق النار، تليهما مفاوضات سياسية جادة تفضي إلى إبعاد الجيش، والحركات المسلحة، والدعم السريع من المشهد السياسي إلى الأبد، لتعود هذه المؤسسات إلى مهامها الطبيعية التي وُجِدت من أجلها في حماية الدستور والحدود وأمن المواطن، وذلك بمشاركة القوى المدنية وأصدقاء السودان.

 

لقد جاء ترحيب البرهان بهذا الطرح الواسع بعدما أدرك متأخراً شبح العقوبات المُصلت على رقبته قبل نهاية العام، فأراد أن يخطب ود واشنطن ريثما يجد له منفذاً، ليعاود هوايته القديمة في الرقص من جديد. غير أن هذا الترحيب التكتيكي يصطدم بجوهر مشروعه السلطوي؛ فهو يرحب بالشعار خوفاً من السوط الأمريكي، بينما يخشى المضمون الذي يجتث العسكر من السياسة كلياً.

 

إن نقطة التماس الذهنية في عقيدة البرهان تكمن في قناعته الراسخة بأن القوات المسلحة هي الصخرة الأخيرة التي تمنع الانهيار الشامل، وأن من حقه هندسة المشهد بما يضمن بقاءه. ومن هذا المنطلق، تتنزل مبادرته الداخلية لـ”الحوار السوداني-السوداني” لتلعب دور المحرّك التكتيكي؛ فهي تسعى لكبح جماح القوى الراديكالية وقوى التغيير السريع، والاستعاضة عنها بتحالفات مرنة تُبنى تحت مظلة الحوار مع التكنوقراط، والإدارات الأهلية، والحركات المسلحة، والأحزاب التقليدية.

 

لكن العبرة الحقيقية تكمن في أن هذه المناورات تحاصرها عقبات واضحة؛ فأولى العقبات أمام البرهان تكمن في طبيعة “المؤسسة” نفسها؛ إذ تعاني البيئة السودانية من ظاهرة “تعدد الجيوش” والتكوينات المسلحة والانقسام المجتمعي الحاد. إن حالة التجييش الشعبي واستقطاب الميليشيات والمجموعات المسلحة تجعل من تركيز السلطة المطلقة في يد رجل واحد أمراً شبه مستحيل، بل ومهدداً باشتعال صراعات جانبية داخل معسكر الجيش وحلفائه أنفسهم.

 

أما التباين الثاني، فيتجلى في جغرافية السلطة وطبيعة “المركز والأطراف”؛ إذ إن هشاشة المركز والتوزيع الديموغرافي المعقد وتعدُّد مراكز النفوذ الإقليمية والمناطقية تمنع المركز السياسي في بورتسودان أو الخرطوم من استغلال الحوار أو المناورات الدولية لبسط هيمنة أحادية دون المرور عبر بوابة التنازلات اليومية والمساومات المستمرة مع القوى الميدانية والمجتمعية التي تنظر للعملية بريبة وتطالب بضمانات ومحاصصات حقيقية.

 

وفي المحصلة، فإن البرهان يدرك جلياً أن مناورات تويتر ومبادرات الحوار والخطابات الأممية لن تمنحه تفويضاً لإقامة نظام حكم مغلق، بقدر ما يراها أداة مؤقتة لهندسة “نظام حكم هجين”؛ تكون فيه للجيش اليد العليا والكلمة الأخيرة في ملفات الأمن والسيادة والعلاقات الخارجية، مع إلقاء أعباء السلطة التنفيذية والواجهة السياسية على عاتق الشركاء المدنيين. هو لا يبحث عن حل جذري للأزمة، بل يتوسل المناورة لتأمين معادلة “بقاء وتوازنات” تضمن له وللمؤسسة العسكرية موقع التوجيه، وسط متاهة لا ترحم من يترددون على حافة الهاوية.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *