هندسة الاحتيال: السودان من اقتصاد النفوذ إلى اقتصاد الجريمة المنظمة

الذهب والسيادة والذكاء الاصطناعي في دولة تتنازعها سلطات الأمر الواقع

وضّاح شَرَف الدِّين

 

ليست أخطر صور الاحتيال تلك التي يُزوَّر فيها توقيع، أو تُختلس فيها أموال، أو تُستخدم فيها التكنولوجيا لخداع الضحايا. الأخطر أن تتحول البيئة السياسية والإدارية والاجتماعية نفسها إلى منظومة تسمح بإنتاج الاحتيال، وحمايته، وإعادة تدوير عائداته، حتى يصبح الاستثناء قاعدة، والنفوذ بديلاً عن القانون، والعلاقة الشخصية أقوى من المؤسسة.

في السودان، لا يمكن فهم المخاطر الجديدة للجريمة الاقتصادية دون العودة إلى هذه الحقيقة القديمة.

فما يُعرف اليوم في الأدبيات التقنية والمالية بمفهوم «الاحتيال كخدمة (Fraud-as-a-Service)»، حيث تُباع أدوات الاحتيال وخدماته في أسواق منظمة، يجد ما يشبه منطقه الاقتصادي والتنظيمي، وإن اختلفت الوسائل، في ممارسات اجتماعية وإدارية عرفتها المجتمعات التي ضعفت فيها المؤسسات وتداخلت فيها السلطة بالمصلحة الخاصة.

غير أن الحالة السودانية تطرح سؤالاً أبعد من ذلك: ماذا لو انتقلت هذه الممارسات من الاعتماد على المنصب والقرابة والوساطة وانتحال النفوذ إلى استخدام الذكاء الاصطناعي والهويات الرقمية والأدوات المالية الحديثة؟.

هنا أقترح مفهوماً أوسع أسميه «هندسة الاحتيال (Fraud Engineering)»، وأقصد به التصميم المنهجي للظروف والعلاقات والإجراءات والمظاهر المؤسسية التي تجعل الاحتيال ممكناً، وتُضعف فرص اكتشافه، وتتيح للمستفيدين منه تحويل المكاسب غير المشروعة إلى نفوذ اقتصادي أو اجتماعي أو سياسي.

هذا المفهوم ليس بديلاً عن التعريفات القانونية للاحتيال أو الفساد أو غسل الأموال، وإنما إطار تحليلي مقترح لفهم كيفية تفاعل هذه الظواهر داخل منظومة واحدة.

 

أولاً: الاحتيال قبل التكنولوجيا.. حين تصبح العلاقة بديلاً عن القانون

في المجتمعات التي تتمتع بمؤسسات مستقرة، يُفترض أن تستمد المعاملة العامة مشروعيتها من القانون، وأن تستمد السلطة الإدارية صلاحياتها من الاختصاص، وأن تخضع القرارات المالية لمعايير واضحة للمساءلة والمراجعة.

أما عندما تتآكل هذه الأسس، فقد تنشأ منظومة موازية تستمد فيها المعاملاتُ قوتَها من العلاقات الشخصية، والمكانة الاجتماعية، والقرب من أصحاب النفوذ، والقدرة على الوصول إلى مراكز القرار.

في هذه البيئة، لا يحتاج الاحتيال دائماً إلى وثيقة مزورة أو برنامج إلكتروني معقد. قد يكفي أن يدّعي شخص امتلاكه صلة بجهة نافذة، أو قدرته على تجاوز إجراء رسمي، أو الحصول على ترخيص، أو تسهيل صفقة، أو توفير حماية لنشاط تجاري.

وهنا تعمل الهندسة الاجتماعية بصورتها التقليدية: استثمار الثقة والخوف والطموح والحاجة إلى الحماية أو الحصول على منفعة.

لكن ينبغي التمييز بين العلاقات الاجتماعية المشروعة، التي تمثل جزءاً طبيعياً من الحياة الاقتصادية، وبين استغلال هذه العلاقات للحصول على منافع غير مستحقة أو تجاوز القانون.

فالمشكلة ليست في المعرفة الشخصية، بل في تحويلها إلى مصدر لسلطة لا يجيزها القانون.

وعندما تصبح هذه الممارسات متكررة ومحمية بشبكات المصالح، فإنها تتجاوز الاحتيال الفردي إلى ما يمكن وصفه باختطاف الإجراءات المؤسسية.

وبذلك لا تعود المشكلة في شخص يحتال على مؤسسة، بل في إمكانية إعادة تشكيل المؤسسة أو تعطيل ضوابطها لخدمة مصالح محددة.

 

ثانياً: من سلطة الدولة إلى سلطة الأمر الواقع

شهد السودان في 25 أكتوبر 2021 انقطاعاً حاداً في مسار الانتقال الدستوري، إثر استيلاء العسكريين على السلطة وتعطيل الترتيبات الانتقالية. وقد أدانت الأمم المتحدة تلك الإجراءات ودعت إلى استعادة النظام الدستوري.

ومنذ ذلك التاريخ، أصبحت مسألة الشرعية السياسية والدستورية موضع نزاع عميق، تفاقم بصورة كارثية مع اندلاع الحرب في أبريل 2023.

ولذلك، فإن وصف السلطات القائمة بأنها «حكومة» بالمعنى المؤسسي التقليدي قد يحجب التمييز الضروري بين السلطة الفعلية والشرعية الدستورية.

فوجود جهاز إداري أو قيادة عسكرية أو سلطة تمارس الاختصاص بحكم السيطرة لا يحسم بذاته سؤال الشرعية، كما أن غياب الشرعية المتفق عليها لا يعني انعدام جميع الالتزامات القانونية تجاه المواطنين.

والمشكلة الاقتصادية هنا تتجاوز الجدل السياسي. فحين تتراجع الرقابة البرلمانية، وتضعف استقلالية المؤسسات، وتتداخل المصالح التجارية مع مراكز القوة، يصبح خطر توظيف السلطة لتحقيق مكاسب خاصة أكبر، خصوصاً في ظل غياب الشفافية واستقلال أجهزة التحقيق والمحاسبة. وهذا لا يعني أن كل صاحب منصب أو نفوذ متورط في الفساد، وإنما أن النظام المؤسسي الذي يفتقر إلى الضوابط يخلق فرصاً موضوعية لإساءة استخدام السلطة.

وتزداد الخطورة عندما تتحول هذه الفرص إلى شبكات مستقرة، تستفيد من استمرار الغموض الإداري والسياسي. فالسلطة التي لا تخضع للمساءلة قد لا تحتاج إلى إلغاء القانون؛ يكفي أحياناً أن تتحكم في توقيت تطبيقه، وعلى من يُطبَّق، وعلى من يُستثنى منه. وهذه إحدى أخطر صور هندسة الاحتيال المؤسسي.

 

ثالثاً: الذهب.. حين يصبح المورد الوطني جزءاً من اقتصاد النفوذ

يقدم الذهب السوداني مثالاً بالغ الدلالة على العلاقة بين الموارد الطبيعية والسلطة الاقتصادية.

فقد وثقت تقارير أممية وبحثية دور الذهب في تمويل أطراف الحرب، واتساع شبكات تهريبه، وتداخل التجارة الإقليمية مع اقتصاد النزاع.

لكن المشكلة الأعمق لا تقتصر على خروج الذهب من السودان بطرق غير مشروعة، وإنما تشمل فقدان القدرة المؤسسية على معرفة من يملك حق استخراجه، ومن يمول إنتاجه، ومن يتحكم في نقله وتسويقه، ومن يحصل على عائداته النهائية.

إن السيادة على الموارد لا تتحقق بمجرد وجودها داخل الحدود الجغرافية، بل بوجود مؤسسات تستطيع تنظيم استغلالها وضمان عودة منافعها إلى الاقتصاد الوطني.

وفي غياب هذه المؤسسات، يمكن أن تنشأ سلاسل اقتصادية يملك فيها العامل البسيط أدوات التعدين، بينما يملك آخرون القدرة على التمويل والتسعير والنقل والحماية والوصول إلى الأسواق الخارجية.

وهنا تتجلى مفارقة قاسية: فقد يتحمل المُعدِّن المخاطر الصحية والأمنية والاقتصادية المباشرة، بينما تستقر القيمة الأكبر لدى حلقات أخرى في سلسلة التجارة.

وليس كل وسيط مستغلاً، ولا كل تجارة عابرة للحدود تهريباً، ولكن غياب الشفافية يجعل التمييز بين النشاط المشروع وغير المشروع أكثر صعوبة.

 

رابعاً: قصف المعدّنين.. سؤال السيادة الذي يتجاوز الحدود

أعادت الغارات الجوية التي استهدفت مواقع تعدين قرب الحدود السودانية المصرية في 10 أكتوبر 2026 قضية الذهب إلى واجهة النقاش العام، ولكن من زاوية أكثر إيلاماً.

فقد تحدثت تقارير حقوقية وطبية عن سقوط قتلى وجرحى بين المُعدِّنين، مع اختلاف كبير في أعداد الضحايا. واتهمت مجموعة «محامو الطوارئ» القوات المصرية بتنفيذ الهجمات، بينما لم تتوافر أدلة مستقلة حاسمة تثبت هوية الطائرات المنفذة، ولم يصدر في التغطيات الأولية تأكيد مصري للمسؤولية.

والواجب هنا ألا تُختزل المأساة في صراع الروايات. فبصرف النظر عن هوية الجهة المنفذة، تثير الواقعة أسئلة قانونية وسيادية خطيرة تتعلق بموقع الضربات، وطبيعة الأهداف، وحماية المدنيين، والاختصاص الإقليمي، والحدود بين إجراءات مكافحة التهريب واستخدام القوة المسلحة.

وحتى إذا ثبت أن بعض الأشخاص كانوا يمارسون التعدين أو العبور بصورة غير قانونية، فإن ذلك لا يجعلهم تلقائياً أهدافاً عسكرية مشروعة. فالمسؤولية عن مخالفة قوانين التعدين أو الحدود لا تُسقط الحق في الحياة، ولا تلغي متطلبات الضرورة والتناسب والضمانات القانونية.

وإذا ثبت وقوع هجوم داخل الأراضي السودانية بواسطة قوة أجنبية دون أساس قانوني معتبر، فإن ذلك يثير مسائل تتعلق بحظر استخدام القوة واحترام السيادة الإقليمية. أما التوصيف النهائي لأي انتهاك، فيتوقف على الأدلة والوقائع والظروف القانونية المحددة.

لكن الحادثة تكشف، من منظور الاقتصاد السياسي، مأزقاً أشمل. فالمناطق الغنية بالموارد التي تضعف فيها سلطة المؤسسات قد تتحول إلى فضاءات تتنافس فيها المصالح الاقتصادية والسلطات المسلحة وأجهزة أمن الحدود وشبكات التجارة غير الرسمية. وبذلك يصبح المواطن الذي يبحث عن رزقه في التعدين الأهلي الطرف الأكثر تعرضاً للمخاطر، والأقل قدرة على حماية حقوقه.

ولا يجوز الاستنتاج من الغارات وحدها أن جهة خارجية تسعى إلى الاستيلاء على الذهب السوداني؛ فذلك اتهام يحتاج إلى أدلة مستقلة. غير أن الحادثة تجعل السؤال مشروعاً وملحاً: كيف يمكن الحديث عن السيادة على الثروة الوطنية إذا كان المواطن العامل في استخراجها يفتقر إلى الحماية القانونية والمؤسسية الفعالة؟.

 

خامساً: هندسة الاحتيال.. من صناعة النفوذ إلى صناعة الخداع

تتناول دراسة Sumsub عن «الاحتيال كخدمة» تحوُّل الجريمة الرقمية إلى نشاط منظم، تتوزع فيه الأدوار بين من يصمم أدوات الخداع، ومن يوفر البيانات، ومن ينتحل الهويات، ومن ينفذ العمليات، ومن يحاول إخفاء العائدات.

وإذا نقلنا هذا المنطق إلى السياق السوداني، مع مراعاة اختلاف البيئة والوسائل، فإننا نستطيع تصور تطور خطير في بنية الاحتيال. فالشبكات التي تعتمد تقليدياً على النفوذ الشخصي أو ادعاء الصلة بمراكز السلطة قد تجد في التكنولوجيا وسائل لمضاعفة قدرتها على الوصول إلى الضحايا وإقناعهم.

قد يُستخدم اسم مؤسسة رسمية في مراسلات مزيفة، أو تُنتحل شخصية مسؤول باستخدام صوت اصطناعي، أو تُنشأ واجهات رقمية توهم الجمهور بوجود تراخيص أو استثمارات أو خدمات مالية معتمدة. وقد تُستغل حاجة المواطنين إلى التحويلات المالية أو الوثائق أو الخدمات الأساسية في بناء عمليات احتيال تبدو في ظاهرها معاملات طبيعية.

هذه سيناريوهات محتملة، وليست اتهامات بوقوع عمليات محددة أو بضلوع جهات بعينها. والخطورة الحقيقية لا تكمن في الوسائل التقنية منفردة، بل في إمكانية اجتماع ثلاثة عناصر:

شبكة نفوذ تمنح الاحتيال مظهراً من المصداقية، وبيئة مؤسسية ضعيفة تعجز عن التحقق والمساءلة، وتكنولوجيا تسمح بتوسيع نطاق الخداع بسرعة وتكلفة منخفضة.

وهنا يتجاوز الاحتيال مفهوم الجريمة الفردية إلى بنية تشغيلية قابلة للتوسع.

 

سادساً: من الهندسة الاجتماعية إلى هندسة الاحتيال

الهندسة الاجتماعية، في معناها المعروف في الأمن السيبراني، تستهدف التأثير على سلوك الإنسان لدفعه إلى الإفصاح عن معلومات أو اتخاذ إجراءات تخدم المحتال. أما «هندسة الاحتيال» بالمفهوم الذي أقترحه، فهي أوسع من ذلك. إنها لا تقتصر على خداع الفرد، بل تشمل تصميم الظروف التي تجعل الخداع ممكناً ومقبولاً، وربما محمياً. ويمكن تحليلها عبر خمسة أبعاد مترابطة:

هندسة الثقة: استغلال الألقاب والمناصب والرموز والعلاقات لإضفاء المصداقية على معاملات أو ادعاءات غير مشروعة.

هندسة الإجراءات: استغلال الغموض الإداري والثغرات التنظيمية وتعطيل الرقابة أو تجاوز تسلسل الصلاحيات.

هندسة النفوذ: توظيف العلاقات مع أصحاب السلطة الفعلية للحصول على حماية أو امتيازات أو فرص يصعب الوصول إليها بالوسائل القانونية المعتادة.

هندسة التدفقات المالية: بناء مسارات معقَّدة لتحريك الأموال أو إخفاء المستفيدين الحقيقيين أو فصل العائدات عن مصادرها.

الهندسة الرقمية: استخدام الأدوات التقنية والذكاء الاصطناعي وانتحال الهوية لتوسيع نطاق الاحتيال وتعقيد اكتشافه.

ولا يعني اجتماع هذه الأبعاد أن كل شبكة نفوذ شبكة إجرامية، أو أن كل خلل مؤسسي ناتج عن قصد احتيالي.

لكن هذا الإطار يساعد على فهم كيفية تحوُّل ضعف الحوكمة من مجرد مشكلة إدارية إلى عامل يرفع احتمالات الاحتيال المنظم.

 

سابعاً: ماذا لو التقت شبكات النفوذ بالذكاء الاصطناعي؟

هنا تكمن المخاطرة المستقبلية الأكثر إثارة للقلق. ففي الدولة المستقرة، يمكن مواجهة الاحتيال الرقمي عبر أنظمة التحقق من الهوية، والرقابة المصرفية، وأجهزة التحقيق، والقضاء، وحماية البيانات، والتعاون بين المؤسسات.

أما في بيئة تتنازعها سلطات الأمر الواقع، وتتضرر فيها البنية المصرفية، وتضعف فيها قواعد البيانات الرسمية وآليات الشكاوى، فقد يصبح التحقق من صحة الهوية أو الصلاحية أو المعاملة أكثر صعوبة.

ولنتصور أن جهة احتيالية استطاعت الجمع بين معرفة اجتماعية دقيقة بالضحايا، وادعاء النفوذ الرسمي، ووثائق إلكترونية مزيفة، وأصوات مولدة بالذكاء الاصطناعي، وقنوات لتحويل الأموال.

إن اجتماع هذه العناصر قد يرفع مستوى الإقناع، ويزيد عدد الضحايا المحتملين، ويعقِّد عمليات التتبع والتحقيق. لكن ذلك ليس قدراً محتوماً؛ فالتكنولوجيا نفسها يمكن استخدامها للتحقق والكشف والتحليل وحماية المستخدمين.

المسألة الحاسمة هي طبيعة المؤسسات التي تديرها، والضوابط التي تحكم استخدامها. فحين تتقدم قدرات الاحتيال أسرع من قدرات الرقابة، تتسع فجوة الثقة في الاقتصاد. وحين تصبح تلك الفجوة واسعة، لا يتضرر ضحايا الاحتيال وحدهم، بل تتضرر أيضاً الشركات المشروعة والمستثمرون والمواطنون الذين يحتاجون إلى خدمات مالية آمنة.

 

ثامناً: تفكيك اقتصاد الأمر الواقع لا يعني استبدال الأشخاص وحدهم

إن مواجهة هذه المخاطر تتطلب أكثر من تغيير القيادات أو إصدار تشريعات جديدة. فالمؤسسات قد تستمر في إعادة إنتاج الممارسات ذاتها إذا بقيت قواعد توزيع السلطة والموارد والامتيازات دون إصلاح.

ولذلك، فإن تفكيك اقتصاد النفوذ يجب أن يعني، في جوهره، إعادة إخضاع القرار العام للقانون، والفصل بين السلطات والأنشطة التجارية، وإزالة الامتيازات غير الخاضعة للمساءلة، وإعادة بناء استقلال القضاء والرقابة المالية.

ويقتضي ذلك كذلك مراجعة شبكات الملكية والمصالح في القطاعات الاستراتيجية، خصوصاً الموارد الطبيعية، وفق إجراءات قانونية تحمي الحقوق وتمنع المصادرة التعسفية. كما ينبغي أن يشمل الإصلاح توسيع فرص الاقتصاد الرسمي، حتى لا تتحول مكافحة التهريب والأنشطة غير المنظمة إلى عبء إضافي على الفقراء والعاملين في التعدين الأهلي. فالعدالة الاقتصادية لا تتحقق بمجرد ملاحقة المخالفين، بل بتوفير قواعد واضحة وفرص مشروعة يستطيع الجميع العمل في ظلها.

ومن الضروري أيضاً بناء نظام مالي ورقمي حديث يستطيع التحقق من الهويات، وحماية التحويلات، ورصد الأنماط غير الطبيعية، مع احترام الخصوصية وضمان حق الأفراد في الاعتراض والمراجعة.

 

خاتمة: حين يصبح الاحتيال نظاماً لا حادثة

إن الخطر الذي يواجه السودان لا يقتصر على تهريب الذهب أو الاحتيال الإلكتروني أو استغلال النفوذ، كلٌّ على حدة. الخطر الأعمق هو إمكانية تفاعل هذه الظواهر داخل بيئة واحدة، بحيث يصبح النفوذ وسيلة لتجاوز القانون، والموارد مصدراً لتمويل شبكات غير خاضعة للمساءلة، والتكنولوجيا أداة لتوسيع دائرة الخداع. ومن هنا تأتي أهمية مفهوم «هندسة الاحتيال».

فهو يدعونا إلى تجاوز النظر إلى الاحتيال بوصفه واقعة منفردة، والنظر إليه باعتباره عملية قد تبدأ بتصميم الثقة الزائفة، ثم التحكم في الإجراءات، واستغلال النفوذ، وإخفاء العائدات، وصولاً إلى إعادة إنتاج الظروف التي تسمح باستمراره.

وفي السودان، حيث تتزامن أزمة الشرعية الدستورية مع الحرب وتفكك مؤسسات الرقابة، تصبح إعادة بناء الحوكمة ضرورة تتعلق بالأمن الاقتصادي والسيادة الوطنية، لا مجرد مطلب إداري.

فالدولة لا تستعيد سيادتها بمجرد رفع علمها فوق الأرض، وإنما حين تستعيد قدرة مؤسساتها على حماية الإنسان والموارد، وإخضاع القوة للقانون، وضمان ألا يتحول المنصب إلى امتياز خاص، أو العلاقة إلى سلطة موازية، أو الثروة العامة إلى مصدر لتمويل شبكات لا تخضع للمساءلة.

ولعل السؤال الذي ينبغي أن يشغل السودانيين ليس فقط: من يحكم السودان اليوم؟ بل: ما المنظومة التي تسمح بتحويل السلطة إلى ثروة، والثروة إلى نفوذ، والنفوذ إلى حصانة من المحاسبة؟.

ذلك أن تفكيك هذه المنظومة، أياً كان المستفيدون منها، يمثل أحد الشروط الأساسية لقيام دولة القانون. فقد تنتهي الحرب باتفاق سياسي، لكن اقتصاد النفوذ قد يواصل عمله ما لم تُفكك القواعد التي أنتجته. وقد تتغير الوجوه والمناصب، بينما تظل آليات الاستغلال قائمة.

وهنا تكمن المعركة الأعمق: ألا نكتفي بإعادة بناء الدولة التي انهارت، بل أن نبني مؤسسات تمنع تحويل الدولة نفسها إلى أداة للاحتيال.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *