من الكنداكة إلى صناعة السلام: هل تُبنى العدالة دون إنصاف النساء؟
د.العبيد أحمد العبيد
كانت «الكنداكة» واحدة من أكثر صور ثورة ديسمبر السودانية إلهاماً. لم تكن مجرد لقب استُعيد من تاريخ السودان القديم، وإنما أصبحت رمزاً لنساء شابات وقفن في الصفوف الأولى، وهتفن ونظَّمن المواكب وواجهن القمع جنباً إلى جنب مع الرجال. وقدمت الثورة، ولا سيما في أوساط الشباب، صورة متقدمة لما يمكن أن تكون عليه المشاركة المتساوية في الحياة العامة. لكن صورة الكنداكة المرفوعة على الأكتاف أخفت أحياناً تناقضاً قديماً في مجتمعنا: نحتفي بالمرأة المناضلة في الشارع، ثم نتحفظ على مساواتها في البيت أو الحزب أو المؤسسة. ونتغنى بشجاعتها حين تواجه السلطة، ثم نختلف حول حقها في اقتسام السلطة نفسها.
ولذلك لم يكن مستغرباً تماماً أن تتراجع قضايا النساء وتمثيلهن إلى الصفوف الخلفية مع بدء ترتيبات الانتقال السياسي بعد سقوط عمر البشير. فقد كان حضورهن في الثورة أكبر من نصيبهن في صناعة القرارات التي أعقبتها. ثم جاءت حرب أبريل 2023 لتدفع السودان إلى واقع أشد قتامة، أصبحت فيه أجساد النساء وحياتهن وسبل عيشهن وأمن أسرهن من أبرز ميادين الانتهاك. ومع ذلك، فإنني لا أرى في المرأة السودانية مجرد ضحية لهذه المأساة. فتاريخها الطويل في مقاومة الاستبداد، وما تقدمه اليوم من جهود للإغاثة والتنظيم المجتمعي وحماية النازحين، يمنحني ثقة عميقة في قدرتها على المساهمة في بناء سودان مختلف. لكن الثقة في صمود النساء لا تعفينا من السؤال الأصعب: كيف نضمن ألا تتحول العدالة الانتقالية، مثل الانتقال السياسي السابق، إلى مشروع تُرفع فيه شعارات المساواة بينما يحتفظ الرجال بسلطة تحديد أولوياته؟
تاريخ أطول من صورة الكنداكة
لم تبدأ الحركة النسائية السودانية بثورة ديسمبر. فقد ساهمت النساء في العمل الوطني والاجتماعي منذ النصف الأول من القرن العشرين، وبرزت تنظيماتهن في مقاومة الاستعمار والمطالبة بالتعليم والعمل والحقوق السياسية. وكان تأسيس الاتحاد النسائي السوداني عام 1952 محطة مهمة في هذا التاريخ. وأسهمت رائدات مثل فاطمة أحمد إبراهيم وخالدة زاهر ونفيسة أحمد الأمين وغيرهن في بناء حركة جمعت بين المطالب الاجتماعية والنضال الديمقراطي. وفي عام 1965، أصبحت فاطمة أحمد إبراهيم أول امرأة تُنتخب للبرلمان السوداني.
كما لعبت النساء أدواراً بارزة في ثورتي أكتوبر 1964 وأبريل 1985، وفي النقابات والجامعات والعمل الأهلي. غير أن المكاسب لم تكن مستقرة. فقد تعرضت الحركة النسائية للقمع في عهود عسكرية مختلفة، ثم تلقت ضربات قاسية بعد انقلاب يونيو 1989. سعى نظام البشير والحركة الإسلامية إلى إعادة تشكيل المجال العام وفق تصوراتهما السياسية والاجتماعية، مستخدمين التشريعات والأجهزة الأمنية والرقابة الأخلاقية. وأصبحت قوانين النظام العام وسيلة للتدخل في لباس النساء وحركتهن وعملهن وحياتهن الشخصية، بينما تعرضت ناشطات للاعتقال والإهانة والتهديد بالعنف الجنسي.
وكان التناقض صارخاً: فالنظام الذي تحدث عن تكريم المرأة سمح بممارسات جعلت كرامتها وخصوصيتها رهينتين بتقديرات رجال السلطة. ومع ذلك، لم تتوقف المقاومة النسائية. فقد واصلت النساء العمل داخل السودان وخارجه، وأسهمن في تكوين المبادرات الحقوقية ومقاومة القوانين التمييزية، وصولاً إلى ثورة ديسمبر. وهذا التاريخ يذكرنا بأن حقوق النساء ليست منحة تقدمها سلطة جديدة، وإنما ثمرة نضال طويل ينبغي ألا تضيع مكاسبه كلما تغير الحاكم.
المساواة في الشارع، لا في البيت؟
ثمة مسألة يصعب تجاوزها: كثيرون منا يتبنون المساواة في النقاشات العامة، لكنهم لا يطبقونها بالقدر نفسه في حياتهم الخاصة. قد يدافع الرجل عن حق المرأة في العمل السياسي، لكنه يتوقع أن تتحمل وحدها أعباء المنزل ورعاية الأطفال. وقد يطالب الحزب بالديمقراطية، بينما تظل اجتماعاته وقياداته وآليات اختياره مصممة حول احتياجات الرجال.
وقد تُشجَّع المرأة على التضحية من أجل الثورة، لكن يُنظر إلى مطالبتها بنصيب عادل من القيادة باعتبارها إثارة لقضايا ثانوية. هذه الازدواجية ليست مسألة أخلاقية فردية فحسب، بل لها نتائج سياسية مباشرة؛ فهي تحدد من يملك الوقت والموارد والعلاقات اللازمة للوصول إلى مواقع القرار. ومن هنا، فإن تمثيل النساء في العدالة الانتقالية لا يبدأ بتعيين عدد منهن في اللجان، وإنما بإزالة العوائق التي تمنعهن من المشاركة الفعلية داخل الأسرة والمؤسسات والمجتمع.
لماذا تضاعف الحرب والنزوح مخاطر العنف؟
لا تؤدي الحرب والنزوح تلقائياً إلى العنف القائم على النوع الاجتماعي في كل حالة، لكنهما يخلقان ظروفاً تزيد احتمالاته وتضعف قدرة المتضررين على طلب الحماية. فحين تفقد الأسرة منزلها ودخلها وشبكات الدعم التي كانت تعتمد عليها، تصبح أكثر تعرضاً للاستغلال. وقد تضطر النساء والفتيات إلى التنقل لمسافات طويلة للحصول على الماء أو الغذاء أو العمل، أو الإقامة في مراكز إيواء تفتقر إلى الخصوصية والأمن. وتزيد نقاط التفتيش والطرق غير الآمنة والاعتماد على المساعدات من اختلال موازين القوة بين المدنيين والمسلحين أو أصحاب الموارد. كما قد تؤدي الضائقة الاقتصادية وانقطاع الدراسة إلى زيادة الزواج المبكر أو القسري، بينما يفاقم انهيار المؤسسات الصحية والقضائية صعوبة الحصول على العلاج والحماية والمساءلة.
ولا يقتصر العنف على ما يرتكبه المسلحون. فقد يتصاعد أيضاً العنف داخل الأسرة، والتحرش والاستغلال الاقتصادي، خصوصاً عندما تتراكم الضغوط وينهار الدعم الاجتماعي. لكن علينا ألا نخلط بين تفسير الظروف وتبرير الجريمة. فالفقر والنزوح لا يجعلان العنف أمراً حتمياً، ولا يعفيان مرتكبه من المسؤولية. وتشير تقارير صندوق الأمم المتحدة للسكان إلى أن المخاطر أصبحت أكثر حدة بالنسبة إلى النازحات، والأسر التي تعيلها نساء، والفتيات، والنساء ذوات الإعاقة، في ظل انهيار الخدمات وصعوبة الإبلاغ عن الانتهاكات.
حرب على النساء، وتاريخ لم يبدأ في 2023
تكشف التقارير الدولية عن اتساع العنف الجنسي المرتبط بالحرب الحالية على نحو بالغ الخطورة. ففي تقرير صدر في يونيو 2026، وثّقت مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان 546 حادثة عنف جنسي مرتبطة بالنزاع، وقعت منذ أبريل 2023 وحتى منتصف أبريل 2026، وطالت ما لا يقل عن 838 ضحية، بينهم 539 امرأة و284 فتاة و15 رجلاً وفتى. وأكدت المفوضية أن هذه الأرقام لا تمثل سوى جزء محدود من الواقع، بسبب الخوف والوصمة الاجتماعية وانقطاع الاتصالات وصعوبة الوصول إلى المناطق المتضررة. ونُسبت الغالبية الكبرى من الحوادث التي أمكن التحقق من مرتكبيها إلى أفراد من قوات الدعم السريع والقوات المرتبطة بها وميليشيات متحالفة معها. ووثقت الأمم المتحدة أيضاً انتهاكات منسوبة إلى القوات المسلحة السودانية وقوات وأطراف مسلحة أخرى.
وتشمل أنماط العنف الموثقة الاغتصاب، والاعتداءات الجنسية الجماعية، والاختطاف، والاستعباد والاستغلال الجنسي، والزواج القسري، والعنف الجنسي في أماكن الاحتجاز، والتحرش والإكراه والتهديدات الجنسية. لكن النظر إلى هذه الجرائم بوصفها ظاهرة بدأت مع الحرب الحالية سيكون تجاهلاً لتاريخ مؤلم. ففي دارفور، وثقت منظمات حقوقية منذ سنوات طويلة استخدام العنف الجنسي ضد النساء والفتيات خلال الهجمات على القرى والنزوح والعمليات العسكرية. وفي بلدة تابت عام 2014، وثقت هيومن رايتس ووتش شهادات مباشرة عن اعتداءات جنسية جماعية نُسبت إلى جنود من الجيش السوداني، بينما أنكرت الحكومة وقوع الجرائم وعرقلت التحقيق المستقل.
كما وثقت المنظمة انتهاكات واسعة ارتكبتها قوات الدعم السريع عندما كانت جزءاً من أجهزة الدولة في عهد البشير. وفي قمع احتجاجات ديسمبر وفض اعتصام القيادة العامة عام 2019، سجلت منظمات حقوقية اعتداءات جنسية طالت نساءً ورجالاً. وهذه نقطة مهمة: العنف الجنسي ليس جريمة تقع على النساء وحدهن. فقد استُخدم أيضاً ضد رجال وفتيان بغرض الإذلال والتعذيب وإسكات المعارضين، ووثقت تقارير حقوقية أشكالاً من الاعتداء الجنسي أثناء الاحتجاز وفي سياق العمليات العسكرية. ولا ينبغي أن نخفي ضحايا هذه الانتهاكات من الرجال بسبب التصورات الاجتماعية عن الرجولة، مثلما لا يجوز أن يؤدي الاعتراف بهم إلى التقليل من النطاق الواسع للعنف الموجّه إلى النساء والفتيات. والدرس الأساسي أن الإفلات من العقاب في الحروب السابقة ساعد على ترسيخ بيئة يمكن أن تتكرر فيها الجرائم.
لماذا يصعب على الناجيات الكلام؟
للعنف الجنسي خصوصية شديدة الحساسية في المجتمع السوداني. فكثيراً ما تُحمَّل الناجية عبء «العار» بدلاً من تحميل المعتدي المسؤولية عن جريمته. وقد تخشى المرأة أن يؤدي الإفصاح عما تعرضت له إلى نبذها أو تهديد زواجها أو علاقتها بأسرتها أو مستقبل أطفالها. وقد يخشى الرجل الناجي السخرية أو التشكيك في رجولته. وتزداد هذه المخاوف عندما ترتبط الجريمة بانتماء إثني أو سياسي، أو عندما يظل الجناة مسلحين وقادرين على الانتقام.
لهذا، فإن مطالبة الناجيات بالتحدث علناً، مهما كانت نوايا أصحابها حسنة، قد تتحول إلى انتهاك جديد. ولا يجوز أن تكون شهادة الناجية شرطاً للحصول على الرعاية الطبية أو المساعدة النفسية أو التعويض. كما لا يجوز أن يُفرض عليها لقاء المعتدي أو الدخول في صلح أهلي أو سرد تجربتها أمام جمهور. وينبغي أن تتعامل العدالة الانتقالية مع الناجين والناجيات بوصفهم أصحاب حقوق وقرارات، لا مجرد مصادر للشهادات. وهذا يتطلب السرية والموافقة الحرة والمستنيرة، وإمكان الاستعانة بمحققات ومترجمات، وخدمات نفسية وقانونية مستقلة، وحماية حقيقية للشهود. كذلك ينبغي الاعتراف باحتياجات الأطفال المولودين نتيجة الاعتداءات الجنسية، وضمان حقوقهم في الهوية والرعاية والتعليم دون وصم أو تمييز.
اغتيال السمعة: عندما تصبح الشاشة سلاحاً
إلى جانب العنف المباشر، نشهد شكلاً آخر من الاعتداء يستهدف النساء الناشطات والصحفيات والسياسيات والعاملات في الإغاثة: حملات التشهير الرقمي. فقد أصبحت الاتهامات بالخيانة أو التعاون مع أحد أطراف الحرب، أو الخروج على الدين والأخلاق، أدوات تُستخدم لإسكات النساء وإبعادهن عن المجال العام. وتكتسب الاتهامات ذات الطابع الجنسي خطورة خاصة في مجتمع قد يؤدي فيه التشهير إلى تهديد السلامة الشخصية والعلاقات الأسرية وفرص العمل، حتى عندما تكون المزاعم ملفقة تماماً.
وثقت تقارير صحفية سودانية حديثة حملات لنشر صور النساء وبياناتهن الخاصة، وربطهن باتهامات سياسية وأخلاقية، وتوجيه التهديدات إليهن بسبب آرائهن أو عملهن الإنساني. وفي تحقيق نشرته شبكة «عاين»، تحدثت صحفيات وناشطات عن حملات اتهام بالعمالة والتشهير والتهديد، وعن حالات تحولت فيها الشكوى إلى مصدر خطر إضافي على صاحبتها. كما رصد مشروع «سوداليتيكا» التابع لـ«بيم ريبورتس» استخدام اتهامات أخلاقية ضد صحفيات وفنانات وناشطات، ونشر بيانات شخصية وصور بقصد الترهيب. وهذه ليست ممارسة جديدة تماماً. ففي عام 2021، تناولت الصحافة السودانية اتهامات ذات طابع جنسي وُجهت إلى مبادرة «لا لقهر النساء»، ونفتها الناشطة إحسان فقيري، معتبرة إياها محاولة لضرب الحركة النسوية.
والأخطر اليوم أن حملات التشهير قد تنتقل من الهاتف إلى الواقع؛ فقد تُستخدم المنشورات ذريعة للتوقيف أو التهديد أو الاعتداء. لذلك، ينبغي أن تشمل العدالة الانتقالية التحقيق في حملات التحريض المنظم، وحماية الخصوصية، وتوفير سبل إنصاف فعالة للمتضررات، مع ضمان ألا تتحول قوانين مكافحة الجرائم الإلكترونية نفسها إلى وسيلة لقمع التعبير المشروع.
ما معنى العدالة الانتقالية من منظور النوع الاجتماعي؟
كثيراً ما تُختزل العدالة الانتقالية في محاكمات المسؤولين عن القتل والتعذيب والاختفاء القسري، أو في لجان للحقيقة وتعويضات للضحايا. وهذه كلها عناصر ضرورية، لكنها قد تعجز عن إنصاف النساء إذا انطلقت من تصور ضيق لما يشكل انتهاكاً أو ضرراً. فقد تفقد امرأة زوجها في الحرب، وتصبح مسؤولة وحدها عن إعالة أطفالها، لكنها تُحرم من الأرض أو الميراث أو الوثائق التي تمكّنها من المطالبة بحقوقها. وقد تتعرض فتاة لانقطاع التعليم والزواج القسري نتيجة النزوح، دون أن تظهر تجربتها في قوائم الجرائم الكبرى. وقد تفقد امرأة مصدر رزقها بسبب الحرب، أو تتعرض للاستغلال أثناء طلب المساعدة، أو تُقصى من اتخاذ القرارات المتعلقة بعودة أسرتها وإعادة بناء مجتمعها. وهذه ليست قضايا هامشية بالنسبة إلى العدالة؛ إنها تكشف كيف تتداخل الانتهاكات المباشرة مع التمييز القانوني والاجتماعي والاقتصادي السابق للحرب.
ومن هنا، فإن إدماج منظور النوع الاجتماعي يعني طرح أسئلة مختلفة عند التحقيق في كل جريمة: من تضرر؟ وكيف اختلف الضرر باختلاف الجنس والعمر والإعاقة والموقع الاجتماعي؟ ومن مُنع من الإبلاغ؟ ومن استُبعد من التعويض أو إعادة الإعمار؟ كما يعني الاعتراف بأن النساء لسن مجموعة متجانسة. فاحتياجات النازحة في دارفور قد تختلف عن احتياجات عاملة في الخرطوم، أو مزارعة في الجزيرة، أو امرأة ذات إعاقة، أو لاجئة عائدة من دولة مجاورة. ولا يستطيع أحد أن يقرر هذه الاحتياجات نيابة عن صاحباتها.
دروس من تجارب الآخرين
قدمت تجارب دول أخرى دروساً مهمة، وإن لم تقدم نموذجاً جاهزاً يمكن نسخه في السودان. ففي سيراليون، ساهمت المحكمة الخاصة ولجنة الحقيقة والمصالحة في تطوير الاعتراف بالعنف الجنسي المرتبط بالحرب، لكن التجربة أبرزت أيضاً الحاجة إلى تعويضات وخدمات اجتماعية مستمرة، وليس الاكتفاء بالأحكام أو الاعتراف الرمزي. وفي كولومبيا، سعت مؤسسات العدالة الانتقالية إلى إدراج منظور النوع الاجتماعي والاعتراف بالأضرار المختلفة التي لحقت بالنساء والمجتمعات المتضررة. وأظهرت التجربة أهمية مشاركة التنظيمات النسائية في تحديد الأولويات، إلى جانب الصعوبات التي تواجه تحويل الالتزامات القانونية إلى نتائج ملموسة. أما في تونس، فقد كشفت أعمال هيئة الحقيقة والكرامة عن أهمية النظر إلى الانتهاكات التي تعرضت لها النساء في سياق القمع السياسي والتمييز، مع الانتباه إلى العوائق التي تمنع كثيرات من الإدلاء بشهاداتهن.
وتؤكد أدبيات المركز الدولي للعدالة الانتقالية أن نجاح العدالة المراعية للنوع الاجتماعي لا يُقاس بعدد قضايا العنف الجنسي وحده، بل بقدرتها على معالجة التمييز المؤسسي، وإصلاح القوانين، وإشراك النساء في اتخاذ القرار. والخلاصة أن الاعتراف بالعنف ضروري، لكنه لا يكفي ما لم يتغير توزيع السلطة والموارد والحقوق.
المساواة التزام ملزم، لا وعد مؤجل
إذا أردنا أن تتعلم العدالة الانتقالية السودانية من هذه التجارب، فلا بد أن نجعل المساواة بين النساء والرجال التزاماً مؤسسياً ملزماً منذ البداية، لا هدفاً عاماً يُرحّل إلى ما بعد السلام. وأقترح أن يقوم ذلك على مجموعة من التدابير المترابطة:
أولاً: النص في أي إطار دستوري وانتقالي جديد على المساواة وعدم التمييز، ومراجعة التشريعات التي تنتقص من حقوق النساء، ولا سيما في الأحوال الشخصية والعمل والملكية والحماية من العنف.
ثانياً: ضمان مشاركة متكافئة وفعالة للنساء في جميع مؤسسات العدالة الانتقالية ومفاوضات السلام ولجان الحقيقة وجبر الضرر والإصلاح الأمني، مع آليات شفافة لاختيار الممثلات ومساءلتهن. ولا ينبغي أن تصبح الحصص العددية سقفاً للمشاركة أو بديلاً عن السلطة الفعلية.
ثالثاً: إنشاء وحدات متخصصة ومستقلة للتحقيق في العنف الجنسي والعنف القائم على النوع الاجتماعي، تضم خبرات قانونية وطبية ونفسية واجتماعية، وتلتزم بمعايير حماية الناجين والناجيات.
رابعاً: توفير برامج شاملة لجبر الضرر تشمل العلاج والرعاية النفسية والتأهيل والتعليم والدعم الاقتصادي واستعادة الوثائق والحقوق في الأرض والسكن والميراث، بدلاً من حصر التعويض في مبالغ مالية.
خامساً: مراجعة أداء المؤسسات الأمنية والقضائية، ومحاسبة المتورطين في الانتهاكات، ومنع من تثبت مسؤوليتهم عن الجرائم الجسيمة من تولي مواقع تتيح لهم تكرارها.
سادساً: إدراج الحماية من العنف الرقمي والتحريض والتشهير ضمن برامج الإصلاح القانوني والمؤسسي، مع حماية حرية التعبير والحق في النقد السياسي.
سابعاً: تخصيص موارد مالية واضحة لهذه الالتزامات، وإنشاء آلية مستقلة لمراقبة تنفيذها، تنشر مؤشرات دورية عن مشاركة النساء وإمكانية وصولهن إلى العدالة والخدمات.
وأخيراً: يجب أن تكون المنظمات النسائية المحلية، بما فيها المبادرات العاملة في مناطق الحرب والنزوح، شريكة في تصميم هذه التدابير وتنفيذها وتقييمها، لا مجرد جهات تُستشار بعد اتخاذ القرارات.
فالمساواة التي لا تُترجم إلى صلاحيات وموارد وآليات للمساءلة ستظل شعاراً جميلاً لا يغير الواقع.
من ضحايا الحرب إلى قيادة السلام
قدمت النساء السودانيات عبر أجيال نماذج مدهشة من الشجاعة والتنظيم والصمود. ومن الاتحاد النسائي إلى ثورة ديسمبر، ومن مقاومة قوانين النظام العام إلى غرف الطوارئ ومبادرات الإغاثة، ظل حضورهن جزءاً أصيلاً من نضال السودان من أجل الحرية والكرامة. لكن ينبغي ألا نطالبهن بمزيد من التضحية ثم نعيد استبعادهن عندما يحين وقت اتخاذ القرار. ولا يعني الاعتراف بقدرات النساء أنهن جميعاً يتفقن سياسياً، أو أن المرأة أقدر بطبيعتها من الرجل على صنع السلام. فالمسألة ليست تفوق جنس على آخر، وإنما إنهاء احتكار تاريخي للسلطة أضر بالمجتمع كله. والحقيقة التي ينبغي ألا تغيب عنا أن النساء لم يكنّ صاحبات النصيب الأكبر من القرارات التي أشعلت الحروب وأطالت أمدها، لكنهن تحملن جانباً هائلاً من نتائجها.
ولذلك، فإن تمكين النساء من قيادة إعادة بناء السودان ليس مكافأة على صبرهن، ولا مجرد تصحيح لظلم تاريخي؛ بل ضرورة لبناء دولة ديمقراطية أكثر عدلاً وسلاماً.
فالسودان الذي أخرج الكنداكة إلى الشارع مطالب اليوم بأن يفتح لها أبواب صناعة المستقبل، لا أن يكتفي بتعليق صورتها على جدران الثورة.
حرية، سلام، وعدالة.