نقابة الصحفيين… (شمعة) وسط الظلام
مثّل إعلان انضمام نقابة الصحفيين السودانيين إلى الاتحاد الدولي للصحفيين لحظة فارقة في تاريخ مهنة الصحافة والعمل النقابي السوداني، لا سيما في ظل ظروف الحرب والأوضاع الاستثنائية والمعقدة التي يواجهها الصحفيون داخل السودان وخارجه.
لم يكن غريباً أن تحظى هذه الخطوة بترحيب واسع من الوسط الصحفي والقوى السياسية والنقابية والمدنية، لكونها لا تمثل مجرد إجراء أو إضافة اسم إلى سجلات المنظمات الدولية، وإنما اعتراف دولي صريح بشرعية النقابة كصوت مهني مستقل يمثل الصحفيين السودانيين، ودورها في الدفاع عن حرية الإعلام والكلمة والعاملين، ورفض الحرب، وتعزيزاً لاعتراف منظمة العمل الدولية ومنظمة اليونسكو بالنقابة، وتتويجاً لجهود مضنية بذلها الصحفيون لاستعادة كيانهم النقابي بعيداً عن هيمنة السلطة، ودفعوا من أجل ذلك ثمناً باهظاً.
تعد هذه الخطوة ضربة قاصمة لمحاولات «اتحاد السلطة» احتكار تمثيل الصحفيين السودانيين، متكئاً على بندقية السلطة وشرعية مطعون فيها، بعد إعادته للواجهة بقرار من سلطة انقلاب 25 أكتوبر 2021، وتعبيره عن جمعية عمومية جمعت أكثرية غير ممارسة للمهنة، بما في ذلك ضباط الأمن المسؤولون عن رقابة الصحف، وهو ما جعل من ذلك الاتحاد «لا معبّراً عن الصحفيين الممارسين للمهنة ولا مدافعاً عن حقوقهم».
تواترت إنجازات نقابة الصحفيين السودانيين رغم ظروف الحرب، حيث ساهمت في تقديم المساعدة وتأمين خروج المئات من الصحفيين، ونظمت، بالتعاون مع شركائها داخل البلاد وخارجها، العشرات من الدورات التدريبية من أجل المحافظة على مهنية واستقلالية الصحافة وسلامة الصحفيين وحمايتهم، وتوجت هذه الإنجازات باختيار «منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة» نقابة الصحفيين السودانيين لنيل جائزة «اليونسكو/غييرمو كانو» العالمية لحرية الصحافة للعام 2026.
يحمل الانضمام إلى الاتحاد الدولي للصحفيين أبعاداً استراتيجية مهمة لنقابة الصحفيين السودانيين، نجملها في الآتي:
أولاً، تعزز هذه العضوية الحماية الدولية للصحفيين السودانيين. ففي وقت يواجه فيه الصحفيون مخاطر غير مسبوقة أثناء تغطيتهم للنزاعات والانتهاكات، يمنحهم الاتحاد الدولي مظلة قانونية وحقوقية تمكنهم من ممارسة عملهم تحت معايير السلامة المهنية الدولية. كما تتيح لهم الحصول على بطاقة الصحافة الدولية (IPJ)، التي تعد وثيقة تعريفية مهمة تزيد من فرص سلامتهم وتسهل حركتهم في الميدان.
ثانياً، يفتح الانضمام أبواباً واسعة للتدريب وبناء القدرات. فالصحفي السوداني اليوم في أمسّ الحاجة إلى اكتساب مهارات جديدة للتعامل مع «صحافة الحروب» والأزمات، وضمان دقة المعلومات ومكافحة الأخبار الكاذبة، وهو ما توفره برامج التدريب المتخصصة التي يديرها الاتحاد الدولي للصحفيين.
ثالثاً، وهذا هو الأهم، يكسر هذا الانضمام حالة العزلة الطويلة التي فُرضت على الصحفيين والصحافة السودانية، وبالتالي يجعل صوت الصحفي السوداني جزءاً من الأصوات المدافعة عن حرية الصحافة في العالم، وهو ما يضع القضية السودانية ومأساة الحرب وما ينتج عنها، وما يعانيه الصحفيون في السودان من انتهاكات، على طاولة الرأي العام الدولي بشكل دائم وفاعل.
إننا في مؤسسة صحيفة (ديسمبر) نتقدم بالتهنئة لنقابة الصحفيين السودانيين بهذا الإنجاز المستحق، ونؤكد، في ذات الوقت، أن هذه الخطوة تلقي أعباءً ومسؤوليات إضافية على عاتق النقابة وأعضائها، وتفرض عليهم التزاماً صارماً بمواثيق الشرف المهني الدولية، وتدفعهم للعمل الجاد لتحويل هذه المكتسبات إلى أدوات ملموسة تحمي الصحفي وتطور المهنة، وتجعله قادراً على أداء رسالته في أحلك الظروف.
يكتسب هذا القرار أهميته لكونه خطوة صوب استعادة الكرامة المهنية، وضمان ألا يظل الصحفي السوداني وحيداً في مواجهة القمع أو التحديات المهنية القاسية، ويعد شمعة أمل توقد لوطننا إبان الحرب، لغرس مدني ديمقراطي يستوي غرسه وينمو زرعه في حقبة المحنة، يقيناً بأن ظله سيظلل كل أرجاء السودان في يوم قريب من ذات الأيام.