تقرير: (ديسمبر)
عقدت رابطة الأساتذة السودانيين بالجامعات الأمريكية (ASAPA) مؤتمرها السنوي يومي 24 و25 أكتوبر 2026، تحت عنوان «السودان ما بعد الحرب: خارطة طريق للحكم وإعادة الإعمار والمشاركة المدنية»، بمشاركة نخبة من الأكاديميين والباحثين والخبراء والمهنيين السودانيين. وناقش المؤتمر جذور الحرب والأزمة البنيوية للدولة السودانية، وآفاق السلام والتحول الديمقراطي، وإصلاح مؤسسات الحكم، والعدالة الانتقالية، إلى جانب قضايا الصحة والتعليم وتمكين المرأة والشباب والتعافي الاقتصادي وإعادة الإعمار. واستهدف المؤتمر توظيف الخبرات الأكاديمية والمهنية السودانية في بلورة رؤى عملية تسهم في إنهاء الحرب وبناء السلام وإعادة تأسيس الدولة على أسس ديمقراطية ومستدامة.
استهل المؤتمر أعماله بكلمة رئيس الرابطة، البروفيسور بكري عبد الماجد، الذي أكد أهمية توظيف الخبرات الأكاديمية والمهنية السودانية لإعداد خطط عملية للتعافي وإعادة الإعمار ودعم التحول الديمقراطي، مشددًا على ضرورة الاستفادة من دروس التجارب السابقة وتحويل أوراق المؤتمر ومناقشاته إلى توصيات قابلة للتنفيذ تدعم الحكومة المدنية الديمقراطية المقبلة وقاعدتها السياسية. وأكد رئيس الرابطة استعداد الرابطة للمساهمة بخبرات أعضائها ومعارفهم، وتحويل أوراق المؤتمر ومناقشاته إلى توصيات عملية تسهم في رسم ملامح سودان ما بعد الحرب.
أعقبتها الكلمة الرئيسية للدكتور عبد الله حمدوك، رئيس الوزراء السوداني السابق ورئيس التحالف المدني الديمقراطي «صمود»، بعنوان: «من الحرب إلى السلام: جهود القوى المدنية لوقف الحرب والمضي نحو مستقبل أكثر إشراقًا للسودان».
وأكد حمدوك أن الحرب التي اندلعت في 15 أبريل 2023 خلّفت كارثة إنسانية واسعة شملت القتل والنزوح وتدمير المدن والمرافق الصحية والتعليمية والبنية التحتية، وهددت تماسك الدولة والنسيج الاجتماعي. وأوضح أن جذور الأزمة تعود إلى عقود من الحكم السلطوي والعسكرة والإقصاء واختلال التنمية والفشل في بناء دولة وطنية جامعة تقوم على المواطنة المتساوية. وشدد على أنه لا يوجد حل عسكري مستدام للحرب، داعيًا إلى وقف إطلاق النار، وحماية المدنيين، وضمان وصول المساعدات الإنسانية، وتنسيق الجهود الإقليمية والدولية، ووقف الدعم العسكري الخارجي الذي يطيل أمد النزاع. كما دعا إلى توحيد القوى المدنية والديمقراطية حول برنامج وطني مشترك، وإطلاق عملية سياسية سودانية شاملة تقود إلى حكم مدني ذي شرعية.
وحدد حمدوك ملامح الطريق إلى السلام في خمسة محاور مترابطة: وقف دائم لإطلاق النار؛ وعملية سياسية شاملة بقيادة سودانية؛ وحكومة مدنية؛ وإصلاح القطاع الأمني والعسكري وصولًا إلى جيش مهني موحد يخضع للسلطة الدستورية المدنية؛ وعقد اجتماعي جديد يقوم على المواطنة المتساوية والعدالة والمشاركة الديمقراطية والتنمية المتوازنة.
كما أشاد بدور المبادرات المدنية والمجتمعية، ولا سيما غرف الطوارئ والنساء والشباب والنقابات، في تقديم المساعدات واستمرار الخدمات خلال الحرب. وأكد أهمية تعبئة خبرات السودانيين في المهجر لدعم السلام والتعافي وإعادة الإعمار. واقترح الدكتور حمدوك تنسيق هذه الجهود عبر شبكة معرفية سودانية تسهم في إعداد السياسات ودعم المؤسسات الوطنية والجامعات والبحث العلمي. واختتم بالتأكيد على أن بناء سودان ديمقراطي ومستقر يتطلب معالجة جذور الأزمة، وتجاوز الإقصاء، وبناء مؤسسات خاضعة للمساءلة وقادرة على تلبية تطلعات المواطنين.
الأوراق العلمية ومحاور النقاش
تضمن برنامج المؤتمر 16 ورقة علمية تناولت مختلف الجوانب السياسية والقانونية والاجتماعية والاقتصادية المتصلة بمستقبل السودان بعد الحرب، على النحو الآتي:
أولًا: الحرب والأزمة السياسية والحكم
– الأسباب الهيكلية والجذرية للحرب في السودان — د.خالد مصطفى مدني.
– السودان: رغم الحروب الأهلية المتكررة، يظل الأمل حيًا — د.حامد البشير إبراهيم.
– هندسة الانهيار: كيف قوضت الشراكات الدستورية مع المؤسسة العسكرية التحولات الديمقراطية في السودان — د.سامي عبد الحليم سعيد.
ثانيًا: العدالة الانتقالية والمساءلة
– نحو خارطة طريق للعدالة والمساءلة في السودان ما بعد الحرب: إقرار الدستور، والعدالة الانتقالية، والتعاون مع المحكمة الجنائية الدولية — أ.نزار عبد القادر صالح.
– من بيوت الأشباح إلى العدالة الانتقالية: البحث عن العدالة في السودان ما بعد الحرب — د.محمد إبراهيم القاضي.
ثالثًا: المرأة والمشاركة السياسية
– ما وراء طاولة المفاوضات: دور المرأة السودانية في صنع السلام وإعادة بناء الدولة — د.سعاد موسى.
– ما وراء الاحتجاج: نشاط المرأة السودانية والسعي إلى المشاركة السياسية والعدالة بين الجنسين — د.سعاد علي.
رابعًا: الصحة والتعافي الاجتماعي
– إطار لاستعادة النظام الصحي في السودان — د.ندى فضل.
– التداعيات الصحية العامة للحرب في السودان: نظرة تتجاوز الأزمات المباشرة — د.محمد جبريل.
خامسًا: الشباب وبناء الدولة
– من هامش الثورة إلى قلب الدولة: الشباب السوداني قادة لإعادة تأسيس الدولة بعد الحرب — أ.وليد علي محمد عنبور.
سادسًا: التعليم والتعليم العالي
– التعليم والنهضة الشاملة في السودان — أ.د.محمد الأمين أحمد التوم.
– من إصلاح أضرار الحرب إلى إعادة تأسيس التعليم العالي في السودان: إطار لبناء جامعة المستقبل — أ.د.سامي شريف.
سابعًا: الاقتصاد وإعادة الإعمار
– استراتيجية سودانية لإعادة الإعمار بعد النزاع وتحقيق النمو الاقتصادي التحويلي — د.إبراهيم البدوي.
– دور الجمعيات التعاونية ومساهمتها في السودان ما بعد الحرب: مدخل للتعافي الاقتصادي وإعادة الإعمار وتعزيز المشاركة المدنية وبناء سلام إيجابي ومستدام — أ.محمد الفاتح العتيبي.
– تعبئة موارد السودانيين في المهجر لإعادة إعمار السودان بعد الحرب: دور التحويلات المالية — د.إيمان زين العابدين.
– التخطيط للسودان ما بعد الحرب باعتباره منظومة متكاملة: تحسين السياسات باستخدام ديناميات النظم من أجل تعافٍ مزدهر وسلمي — د.منتصر عباس.
أبرز مخرجات المؤتمر وتوصياته
عكست الأوراق والمناقشات مجموعة من الأولويات التي يمكن أن تشكل أساسًا لخارطة طريق وطنية للسودان ما بعد الحرب، من أبرزها:
وقف الحرب وإرساء السلام: إعطاء الأولوية لوقف إطلاق النار وحماية المدنيين وضمان وصول المساعدات الإنسانية، مع تنسيق الجهود الإقليمية والدولية والحد من التدخلات الخارجية التي تطيل أمد النزاع.
الانتقال إلى حكم مدني ديمقراطي: دعم عملية سياسية سودانية شاملة تفضي إلى سلطة مدنية ذات شرعية، وتضمن مشاركة القوى المدنية ومختلف مكونات المجتمع، وتؤسس لحكم رشيد قائم على الشفافية والمساءلة.
إصلاح القطاع الأمني والعسكري: وضع مسار عملي لبناء مؤسسة عسكرية مهنية موحدة تخضع للسلطة الدستورية المدنية، وإنهاء تعدد مراكز القوة المسلحة.
العدالة الانتقالية والمساءلة: تطوير إطار وطني للتعامل مع الانتهاكات والجرائم المرتكبة خلال الحرب، وضمان حقوق الضحايا والناجين، ومكافحة الإفلات من العقاب، وتعزيز التعاون مع الآليات القضائية ذات الصلة.
إعادة بناء مؤسسات الدولة والخدمات الأساسية: إعداد خطط لإعادة تأهيل المؤسسات العامة والبنية التحتية، واستعادة الخدمات الصحية، وإصلاح التعليم وإعادة بناء الجامعات ومؤسسات البحث العلمي.
تمكين المرأة والشباب: تعزيز مشاركتهما في صنع السلام وصياغة السياسات العامة وإعادة بناء الدولة، وضمان تكافؤ الفرص والمشاركة السياسية.
التعافي الاقتصادي وإعادة الإعمار: وضع استراتيجية وطنية لإعادة بناء الأصول الإنتاجية والبنية التحتية، وتحفيز النمو الشامل، ودعم المجتمعات المحلية والجمعيات التعاونية لاستعادة سبل العيش.
تعبئة خبرات وموارد السودانيين في المهجر: الاستفادة من الكفاءات الأكاديمية والمهنية والموارد المالية والتحويلات لدعم إعادة الإعمار وتطوير السياسات وتقوية المؤسسات الوطنية.
اعتماد رؤية متكاملة للتعافي الوطني: الربط بين السلام والحكم والعدالة والاقتصاد والصحة والتعليم ضمن خطة وطنية موحدة ذات أولويات واضحة وبرامج قابلة للتنفيذ.
تحويل المعرفة إلى خطط عملية: تعزيز دور الأكاديميين والمهنيين في إعداد التوصيات والبرامج التنفيذية التي يمكن أن تستفيد منها الحكومة المدنية الديمقراطية المقبلة، مع الاستفادة من دروس التجارب الانتقالية السابقة.
وأكدت المناقشات أن نجاح التحول الديمقراطي لا يعتمد على الاتفاقات السياسية وحدها، بل يتطلب خططًا عملية محددة، ومؤسسات قادرة على التنفيذ، وقاعدة مدنية متماسكة تدعم برامج الحكومة.
دور الرابطة في متابعة مخرجات المؤتمر
أكدت الرابطة أهمية الانتقال من تشخيص الأزمات إلى تقديم حلول قابلة للتطبيق. ومن المتوقع أن يشكل تجميع الأوراق والمناقشات واستخلاص القضايا المشتركة والأولويات خطوة أساسية نحو بلورة مقترحات سياسات وخارطة طريق لدعم السلام والتعافي وإعادة الإعمار.
ويتيح هذا العمل فرصة لتنسيق مساهمات الأكاديميين والمهنيين السودانيين داخل البلاد وخارجها، وتطوير مقترحات عملية يمكن عرضها على القوى المدنية وصناع السياسات والحكومة المدنية الديمقراطية المقبلة. ويتطلب تحويل هذه المخرجات إلى أثر ملموس تحديد الأولويات والجهات المسؤولة عن التنفيذ وآليات المتابعة وتقييم التقدم.
نحو مساهمة أكاديمية مستدامة في مستقبل السودان
أكد المؤتمر أن إعادة بناء السودان بعد الحرب تتطلب جهدًا وطنيًا مستدامًا ومشاركة مجتمعية واسعة، ورؤية متكاملة تعالج جذور النزاع وتؤسس لدولة تقوم على المواطنة والعدالة والديمقراطية والمؤسسات الفاعلة. كما شدد على أهمية توظيف الخبرات الأكاديمية والمهنية السودانية في تحويل المعرفة إلى سياسات وخطط عملية تدعم السلام والتعافي وإعادة الإعمار، وتعزز الحكم المدني الديمقراطي، واستعادة الخدمات، وتحقيق العدالة والتنمية المتوازنة. وبذلك، يقدم المؤتمر أساسًا فكريًا ومجموعة من المقترحات العملية للنقاش الوطني حول مستقبل السودان، مع التأكيد على أن القيمة الحقيقية لهذه المخرجات تكمن في ترجمتها إلى برامج قابلة للتنفيذ تسهم في بناء دولة مستقرة.