«صوتهن».. نساء سودانيات يسعين لتحويل تجارب الحرب إلى قرارات تصنع السلام

كمبالا: (ديسمبر)

 

من معسكرات اللجوء إلى دوائر صنع السياسات، تعمل حملة «صوتهن» على نقل مطالب النساء السودانيات من مساحات الحوار المجتمعي إلى الجهات المعنية بالسلام، في مواجهة التهميش وضعف المشاركة الفعلية في القرارات التي تحدد مستقبلهن.

 

من التأثر بالحرب إلى المشاركة في صناعة المستقبل

 

لم تعد النساء السودانيات مجرد شاهدات على آثار الحرب، بل أصبحن في صلب التجارب اليومية للنزوح واللجوء ومحاولات توفير احتياجات الأسر والمجتمعات المتضررة. ومع ذلك، لا ينعكس هذا الدور بالضرورة في مستوى مشاركتهن في عمليات السلام والتفاوض وصنع القرار. من هذه الفجوة انطلقت حملة «صوتهن»، التي تسعى إلى تعزيز مشاركة النساء السودانيات في صياغة الحلول المتعلقة بالسلام ومستقبل البلاد.

 

تقول آمنة برقو، الفاعلة المجتمعية والمدافعة عن حقوق الإنسان والمهتمة بقضايا النساء والأمن وبناء السلام، والشريكة المؤسسة لمنظمة «إنتِ» لتمكين النساء والفتيات ومنسقة حملة «صوتهن»، إن فكرة الحملة انطلقت من الإيمان بأن السودانيات لسن مجرد متأثرات بالحرب، بل صاحبات حق في المشاركة الحقيقية والمؤثرة في تحديد المستقبل وصناعة السلام.

 

وتوضح برقو أن الحملة تهدف إلى توفير مساحات آمنة وشاملة تستطيع النساء من خلالها التعبير عن تجاربهن ورؤاهن وأولوياتهن وتصوراتهن للسلام، ثم تحويل هذه الأصوات إلى مطالب واضحة تصل إلى الجهات المعنية.

 

ولا يقتصر هذا التوجه على إتاحة الفرصة للنساء للتعبير عن معاناتهن، بل يمتد إلى محاولة إشراكهن في صياغة الحلول المتعلقة بالقضايا التي تمس حياتهن وأسرهن ومجتمعاتهن.

 

مشاركة لا تعني بالضرورة التأثير

 

تواجه النساء السودانيات، وفق برقو، أشكالاً متعددة من التهميش والإقصاء في عمليات السلام والتفاوض والعملية السياسية، رغم الأدوار التي يؤدينها داخل مجتمعاتهن، بما في ذلك المبادرات المجتمعية والمساهمة في الاستجابة الإنسانية للمناطق والفئات المتضررة من الحرب.

 

وترى أن وجود امرأة في اجتماع، أو على طاولة المفاوضات، لا يكفي وحده لضمان مشاركتها؛ إذ ينبغي أن تمتلك القدرة على طرح القضايا التي تعنيها، والتأثير في مخرجات النقاشات، والمساهمة في تحديد الأجندة المطروحة.

 

وتبرز هذه الفجوة سؤالاً أساسياً حول طبيعة المشاركة النسائية: هل يكفي حضور النساء في المساحات السياسية والرسمية، أم أن المشاركة الحقيقية تتطلب أن تنعكس أولوياتهن في القرارات والسياسات؟.

 

بالنسبة إلى حملة «صوتهن»، لا تنفصل الإجابة عن واقع النساء المتأثرات بالحرب، وما يواجهنه من تحديات تتعلق بالأمان والوصول إلى الخدمات الأساسية، خصوصاً خدمات الصحة النفسية والصحة الإنجابية، فضلاً عن الضغوط الاقتصادية والاجتماعية.

 

وتسعى الحملة إلى تعزيز مشاركة اللاجئات والنساء المهمشات والشابات والفئات الأكثر تضرراً من الحرب، بحيث يكنّ جزءاً من صياغة الحلول، لا مجرد متلقيات لنتائج القرارات التي يتخذها الآخرون نيابة عنهن.

 

اللاجئات والنازحات.. تجارب مختلفة وقضايا مشتركة

 

لا تتعامل حملة «صوتهن» مع النساء السودانيات باعتبارهن مجموعة متجانسة تتطابق احتياجاتها وتجاربها، بل تنطلق من أن لكل فئة ظروفها وتحدياتها التي ينبغي أن تنعكس في الحلول المطروحة.

 

وتشير برقو إلى أن تحديات اللاجئات ترتبط بصعوبة الوصول إلى الخدمات، ومحدودية فرص كسب العيش والاندماج، بينما تواجه النازحات تحديات إضافية تتصل باستمرار العمليات العسكرية، وعدم استقرار أماكن النزوح، ومخاطر الحماية، وصعوبة تأمين مصادر الدخل والخدمات الأساسية.

 

وعلى الرغم من اختلاف هذه التجارب، توجد قضايا مشتركة تتعلق بالتعليم والاقتصاد والصحة النفسية والإنجابية، إلى جانب المشاركة في جهود السلام وصنع القرار.

 

وتؤكد برقو أن الحلول ينبغي أن تنطلق من تجارب النساء أنفسهن، مع إتاحة المجال للتنوع والاختلاف، بدلاً من افتراض أن جهة واحدة تستطيع تحديد احتياجات جميع النساء.

 

ويكتسب هذا المبدأ أهمية في سياق تتعدد فيه أوضاع النساء بين اللجوء والنزوح والتعرض المباشر لآثار الحرب، وتختلف فيه الأولويات وفقاً للظروف التي تعيشها كل امرأة ومجتمعها.

 

في معسكر اللجوء.. تجربة تكشف قدرة النساء على صنع السلام

 

من بين التجارب التي تستحضرها برقو، حديث إحدى النساء الأكبر سناً، التي عبّرت عن إيمانها بقدرة النساء على صناعة السلام داخل معسكرات اللجوء، رغم الاختلافات الاجتماعية والسياسية بينهن.

 

وتقول المرأة، بحسب ما نقلته برقو، إن النساء قادرات على تجاوز هذه الاختلافات، وإن وقوع مشكلة لإحدى النساء لا يعني بالضرورة التعامل معها وفقاً للمنطقة التي تنتمي إليها أو المعسكر الذي جاءت منه. كما أشارت إلى قدرة النساء على حل الخلافات بينهن داخل المعسكر.

 

وتكشف هذه الشهادة عن تصور للسلام يبدأ من العلاقات اليومية داخل المجتمعات، ومن قدرة النساء على معالجة الخلافات وبناء مساحات للتفاهم، بعيداً عن حصر مفهوم السلام في الاتفاقات السياسية الرسمية.

 

وتستند الحملة إلى مثل هذه التجارب في إبراز المعرفة التي تمتلكها النساء داخل مجتمعاتهن، وإلى أن مشاركتهن يمكن أن تتجاوز نقل الاحتياجات إلى المساهمة في ابتكار الحلول وبناء التوافق.

 

من الحوار المجتمعي إلى أوراق السياسات

 

تعتمد «صوتهن» على مسار يبدأ بالاستماع إلى النساء في مجتمعات اللاجئين والنازحين داخلياً، وتوثيق تجاربهن وأولوياتهن ومخاوفهن وتصوراتهن للسلام ومستقبل السودان.

 

لكن، وفق برقو، لا يتوقف العمل عند جمع الشهادات أو تنظيم جلسات الحوار، بل يستهدف تحويل التوصيات والمخرجات إلى أوراق موقف وتقارير وسياسات تُشارك مع الجهات الفاعلة وصناع القرار في عمليات السلام.

 

وتواجه الحملة تحديات متعددة في هذا المسار، من بينها صعوبة الوصول إلى بعض النساء، خصوصاً الأكثر هشاشة، وضيق المساحات المتاحة لمشاركتهن في النقاشات السياسية، ومحدودية الموارد اللوجستية.

 

كما تشير برقو إلى وجود فجوة بين المساحات المجتمعية التي تعبّر فيها النساء عن احتياجاتهن، والمساحات الرسمية التي تُتخذ فيها القرارات. فرغم تنظيم جلسات مجتمعية عديدة، لا تتوفر دائماً آليات واضحة تضمن نقل توصيات النساء إلى الجهات المعنية أو متابعة الاستجابة لها.

 

وتضيف أن بناء الثقة يمثل جانباً أساسياً من عمل الحملة، حتى تشعر النساء بالأمان عند الحديث عن تجاربهن الحساسة، دون الخوف من التعرض للمخاطر بسبب آرائهن أو ما يكشفن عنه من تجارب.

 

خطوات أولى واختبار للقدرة على التأثير

 

لا تزال حملة «صوتهن» في مراحلها الأولى، بحسب منسقتها، وقد بدأت خطواتها من خلال جلسات الحوار في معسكرات اللجوء، التي أتاحت للنساء مساحة لعرض قضاياهن وتجاربهن وتطلعاتهن.

 

وتقر برقو بأن الحملة ما زالت في مرحلة بناء مسار يربط بين الحوار المجتمعي والمناصرة وصناعة السياسات، وأن تقييم تأثيرها يتطلب متابعة القضايا التي جرى توثيقها والتوصيات التي تسعى إلى إيصالها، ورصد التغيرات التي يمكن إثبات ارتباطها بجهود الحملة.

 

وبذلك، لا تقدم الحملة مشاركتها الحالية باعتبارها قد حققت بالفعل تغييراً في السياسات أو قرارات السلام، بل باعتبارها بداية لمسار يستهدف الوصول إلى هذا التأثير.

 

وتقول برقو إن النجاح بالنسبة إلى «صوتهن» يتمثل في وصول أصوات النساء إلى الجهات القادرة على اتخاذ القرار وصنع السياسات، مؤكدة أن النساء لسن مجرد مستفيدات من الخدمات، بل صاحبات معرفة وخبرة وحقوق، وقادرات على قيادة التغيير داخل مجتمعاتهن.

 

ويمثل هذا التوجه اختباراً عملياً لقدرة الحملة على تجاوز مرحلة جمع المطالب وتوثيقها، والوصول بها إلى الجهات التي تملك سلطة الاستجابة واتخاذ القرارات.

 

السلام لا ينتظر توقف الحرب

 

بالنسبة إلى برقو، لا ينبغي أن يرتبط حق النساء في المشاركة بتوقف الحرب، أو أن يظل رهناً بموعد انطلاق مفاوضات السلام أو نجاحها.

 

وتؤكد أن الحملة ستواصل العمل، حتى إذا استمرت الحرب، على توفير مساحات آمنة للحوار المجتمعي، وتوثيق أولويات النساء، وتعزيز الروابط بين المبادرات النسوية والشبابية والمجتمعية، وإيصال المطالب إلى الجهات الإنسانية والسياسية والفاعلين في جهود السلام.

 

وتتجاوز رؤية «صوتهن» للسلام مجرد التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار؛ إذ تشمل العدالة والمساءلة والمشاركة المتساوية والاعتراف بحقوق المتأثرين بالحرب.

 

وتطمح الحملة إلى تطوير عملها لتصبح مساحة لإنتاج المعرفة المستندة إلى تجارب النساء، وتوثيق رؤاهن ومواقفهن، وتحويلها إلى أوراق سياسات ومبادرات مناصرة يمكن الاستناد إليها في النقاشات المتعلقة بمستقبل السودان.

 

وبين طموح تحويل أصوات النساء إلى قرارات، والتحديات التي تواجه إيصال مطالبهن إلى المؤسسات الرسمية، يبقى التحدي الأساسي أمام «صوتهن» هو ضمان ألا تنتهي تجارب النساء عند حدود الحكايات والشهادات، بل أن تجد طريقها إلى السياسات والحلول التي تمس حياتهن.

 

فالمشاركة التي تسعى إليها الحملة لا تتعلق فقط بمن يجلس إلى طاولة السلام، بل بمن يملك القدرة على التأثير في القرارات، وبمدى انعكاس احتياجات النساء وتصوراتهن في مستقبل البلاد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *