منى الرشيد نايل
من التأبين إلى المعرفة.. ومن استعادة السيرة إلى مواصلة الحوار مع الأفكار
لا تكمن أهمية الدكتور حيدر إبراهيم علي، من وجهة نظري، في كونه عالم اجتماع ومفكراً ومحللاً سياسياً سودانياً فحسب، بل في إسهامه في فهم المجتمع السوداني وتحولاته، وما طرحه من أسئلة حول الدين والسياسة، والديمقراطية، والتنوير، وطبيعة الدولة والمجتمع.
لقد تجاوز حيدر حدود التخصص الأكاديمي إلى الاشتباك مع قضايا الواقع السوداني، ساعياً إلى تحليل جذور أزماته واستشراف إمكانات التغيير. ولذلك، فإن التعريف به لا ينبغي أن يقتصر على استعراض سيرته وإسهاماته، بل أن يمتد إلى قراءة كتبه ومناقشة أطروحاته، والتعرف على منهجه في التفكير والنقد.
وتبرز أهمية ذلك بصورة خاصة بالنسبة إلى الشباب السوداني، الذين يواجهون واقعاً بالغ التعقيد، ويحتاجون إلى فهم تاريخ مجتمعهم وتطور أفكاره، والاستفادة من تجارب مفكريه في تفسير الحاضر وطرح أسئلة المستقبل. فقراءة حيدر إبراهيم علي تفتح نافذة على جانب مهم من تطور الفكر السوداني الحديث، وتعرّف الأجيال الجديدة على قضايا ظلت حاضرة في النقاش حول الدولة والهوية والديمقراطية والتغيير.
ولا تعني الدعوة إلى قراءته التسليم بأفكاره أو تبني مواقفه جميعها، بل التعامل معها بعقل نقدي يفحص الحجج ويناقش الاستنتاجات ويتيح الاختلاف. فالفكر لا يكتسب قيمته من اتفاق الجميع معه، وإنما من قدرته على تحفيز التفكير وتوسيع آفاق الحوار.
ومن هنا، تأتي أهمية الاحتفائية التأبينية المرتقبة بمناسبة أربعينية رحيل الدكتور حيدر إبراهيم علي، والمقرر إقامتها في منتصف نوفمبر. فهي ليست مجرد مناسبة لاستذكار الراحل وتكريم إسهاماته، بل فرصة لفتح حوار حول مشروعه الفكري، والتعريف بإنتاجه، واستعادة الأسئلة التي شغلت تجربته، بما يجعل الاحتفاء به مدخلاً للتواصل مع الأجيال الجديدة، لا حدثاً ينتهي بانتهاء المناسبة.
وفي هذا السياق، تجدر الإشارة إلى أن لجنة تأبين وتخليد ذكرى الراحل الدكتور حيدر إبراهيم علي انبثقت عن الجمعية العمومية التي تشكّلت لهذا الغرض، وتعمل اللجنة حالياً على قدم وساق للإعداد للأربعينية وإخراجها بالصورة التي تليق بمكانته الفكرية والثقافية. وتمثل هذه المناسبة انطلاقة لسلسلة من البرامج والفعاليات المصاحبة، التي يجري التحضير لها، وصولاً إلى الليلة الختامية الكبرى. وقد توافقت اللجنة على شعار «حيدر إبراهيم علي.. إرث فكري وحوار مستمر» ليكون الشعار المعتمد والثابت لهذه الفعاليات، تعبيراً عن التوجه نحو تجاوز التأبين التقليدي إلى التعريف بمشروع الراحل الفكري وإبقاء الحوار حوله حياً ومتجدداً.
إنني أدعو إلى أن تكون هذه الاحتفائية بداية لاهتمام أوسع بفكر حيدر إبراهيم علي، وأن تمتد الدعوة إلى الشباب على وجه الخصوص، لحضور الفعالية والاطلاع على كتبه وقراءة أعماله ومناقشة أفكاره. فالتعريف بالمفكرين السودانيين وإسهاماتهم مسؤولية ثقافية ومعرفية، تتجاوز حدود التأبين إلى بناء صلة حية بين الأجيال وتاريخها الفكري.
وأجدها مناسبة لأعبّر عن اعتزازي وشعوري بالشرف لاختياري عضواً في اللجنة المعنية بتأبين وتخليد ذكرى الراحل الدكتور حيدر إبراهيم علي. وهو اختيار أعتز به، وأراه مسؤولية ثقافية ومعرفية للمساهمة في الوفاء لقامة فكرية سودانية تركت أثراً مهماً في مسيرة الفكر والثقافة في بلادنا.
إن أفضل وفاء لحيدر إبراهيم علي هو أن نقرأه ونناقش أفكاره، وأن نتيح للأجيال الجديدة فرصة اكتشافها ونقدها والبناء عليها. ولتكن أربعينيته في منتصف نوفمبر مناسبة لتجديد الحوار مع مشروعه الفكري، ودعوة مفتوحة للشباب كي يقتربوا من كتبه، ويتعرفوا على تجربته، ويشاركوا في مواصلة الأسئلة التي تظل ضرورية لفهم السودان والتفكير في مستقبله.