في الرد والتعليق على “الحوري” بخصوص شؤوم ثورة ديسمبر !!

 

بقلم: محمد ممدوح شورة

 

طالعت ما كتبه رئيس تحرير صحيفة “القوات المسلحة السابق” العقيد معاش إبراهيم الحوري في بوست على صفحته كتب فيه الآتي نصاً، وأقوم بإيراده بالأخطاء الإملائية التي وردت فيه. إذ قال المذكور في ذلك المنشور: “وقبرت الثورة المشؤومة الي غير رجعة”.

 

بغضّ النظر، مؤقتاً، عن الركاكة اللغوية التي لا تُغتفر من شخص تقلد موقع رئيس تحرير صحيفة وباتت جزءاً من سيرته وتعريفه، فإن السؤال الجوهري يفرض نفسه بحدة لا تحتمل التمييع: ما الذي يجعل ثورة ديسمبر المجيدة “مشؤومة” في نظر العقيد معاش الحوري؟ وأي منطق وطني أو سياسي أو أخلاقي يسمح بتوصيف ثورة شعبية سلمية بهذا القدر من الخفة؟

 

نترحم أولاً على شهداء ثورة ديسمبر، الذين لا تقل تضحياتهم عظمة ولا قيمة عن شهداء القوات المسلحة وضحايا الحروب، مع فارق جوهري لا يجوز القفز فوقه: شهداء ديسمبر سقطوا عُزّلاً في مواجهة سلطة قمعية، دفاعاً عن وطن مختطف، لا عن نظام أو امتياز أو موقع نفوذ. ومن هذه الحقيقة الصلبة ننطلق، لا من مناكفات خطابية، للعودة إلى مطالب الثورة نفسها، لنسأل بوضوح: أين يكمن “الشؤم”؟

 

انطلقت ثورة ديسمبر بشعارات (حرية، سلام، عدالة، مدنية خيار الشعب). فالحرية ظلت حقاً مسلوباً لعقود، قُتل وسُحل وعُذب من طالب به على يد نظام الإخوان المسلمين، النظام الذي لا يحتاج الحوري إلى تعريفه، لأنه يعرفه من الداخل، ممارسة لا سماعاً، وانتماءً لا ادعاءً.

 

أما السلام، الذي جعلته ديسمبر الثورة شعاراً لها، فهو ليس سلام الصفقات، ولا موائد التفاوض العقيمة، بقدر ما هو مطلب شعب أنهكته أكثر من خمسة وخمسين عاماً من الحروب المتناسلة، سلام الدولة الواحدة، لا سلام الجماعات المسلحة، ولا سلام المراكز المتنفذة.

 

بالنسبة للعدالة فهي جوهر الصراع الحقيقي، ومربط الفرس الذي يفسر كل هذا الهلع من ديسمبر، لأنها تعني المحاسبة، والمحاسبة خطر وجودي على كل من بنى سلطته وثروته ونفوذه خارج إطار القانون، أو ارتكب انتهاكات كبيرها وصغيرها فلا مجال بعدها من الإفلات من العقاب.

 

بجانب هذه الشعارات تصدرت ثورة ديسمبر مطالب سياسية واضحة لا لبس فيها ولا تناقض، ولذلك فإن ديسمبر “مشؤومة” فقط على أصحاب المصالح، لا على الوطن إذ تنادي وتتمسك وتقوم فعلياً بتفكيك نظام 30 يونيو، تدفع العسكر صوب الثكنات، وتشرع في حل الجنجويد، وجميعها مطالب منسجمة تماماً مع أبسط قواعد بناء الدولة الحديثة: سلطة مدنية، جيش قومي مهني واحد، وسلاح محكوم بالقانون وتحت يد الدولة، لا فوقها ولا خارجها.

 

المفارقة الكاشفة، التي لا تحتمل المواربة أو إعادة الصياغة، أن الحوري نفسه، بينما كانت الثورة تطالب بتحييد الجيش عن السياسة حماية له لا استهدافاً، كان قائده العام يتغزل في الدعم السريع، ويعزِّز من وضعه، ويقف حائط صد ضد أي محاولة لتفكيكه ويعتبر ذلك “تهديداً للقوات النظامية التي توفر الأمن للمدنيين النائمين”. ويومها عوضاً عن توجيه النقد لقائده المتماهي مع الدعم السريع سخَّر قلمه وصحيفته، وباعترافه هو شخصياً، في التحريض على القوى المدنية والانتقال المدني منادياً بالانقلاب الذي تم في 25 أكتوبر 2021م، والمسعى معلوم ومكشوف، وهو الاستمرار في تسييس المؤسسة العسكرية وتحويلها إلى أداة صراع جماهيري، وهو الدور الذي لم يحمِ جيشاً في أي تجربة، بل دمّر جيوشاً ودول معاً.

 

لذلك يشكّل هذا الخطاب خطراً مباشراً على الجيش نفسه، حين يُدفع إلى معارك الشارع، ويُستدرج إلى منطق التعبئة والعاطفة، لا منطق الاحتراف والانضباط والعقيدة الوطنية. فالجيش الذي يُستعمل سياسياً يفقد صفته القومية بالضرورة، ويتحوّل من مؤسسة جامعة إلى طرف في صراع، ومن صمام أمان إلى وقود أزمة.

 

والحقيقة التي يحاول الحوري القفز فوقها أن الذي قُبِر فعلاً ليس ثورة ديسمبر، بل مهنيةُ الجيش حين جرى ربطه بمشروعٍ أيديولوجي وتنظيمي ضيّق. فديسمبر لم تكن ثورة ضد الجيش، بل ثورة لإنقاذه من هذا المصير، ثورة تطالب بجيش قومي مهني واحد، محرر من قبضة الإخوان المسلمين ومن شبكات التمكين التي شوَّهت صورته، وأضعفت عقيدته الوطنية، وأقحمته في صراعات لا تشبه دوره ولا تاريخه.

 

وأبعد من ذلك، فإن ديسمبر لم تكن “مشؤومة” على السودان، ديسمبر كانت لحظة تصحيح تاريخي أعادت البلاد من عزلة الإرهاب والوصاية، وأرجعتها إلى موقعها الطبيعي في الإقليم والعالم، دولة ذات سيادة ومؤسسات بحق، لا حظيرة أيديولوجية ولا ثكنة مؤدلجة.

 

فبالتالي، ليس مستغرباً أن يرى من تربى في كنف الوحشية والشمولية في ديسمبر لعنة لا فرصة. لكن ما يجب أن يُقال بوضوح لا يحتمل المجاملة، إن الثورة لم تُقبر، ولن تُقبر. الذي يُقبر هو وهم إخضاع الشعب بالرواية الكاذبة، ووهم حماية الجيش بتوريطه في السياسة، ووهم إعادة كتابة التاريخ بمنشور مرتبك على فيسبوك.

 

وديسمبر المجيدة، مهما طال الطريق وتعقّد، ليست “مشؤومة” بل كاشفة لزيف الخطاب، ولمشاريع الهيمنة، ولكل من حاول الاحتماء بالمؤسسة العسكرية هروباً من العدالة، أو استخدام اسمها ستاراً لفشل سياسي وأخلاقي لا يُدارى، ويسعى عبرها ومن خلالها من الانفراد بالحكم والسلطة ولو كان الثمن إسالة دماء السودانيين وتشريدهم ونهب ممتلكاتهم وتعريضهم للخطر وتخريب الوطن.

عليه، فإن على الحوري وأمثاله أن يعلموا الحقيقة التي يهربون منها على الدوام وتفزعهم في المنام وبعد الاستيقاظ، وهي أن ” ثورة ديسمبر لم تُقبر، ولن تُقبر، وما تم قبره هو أحلام ترسيخ سلطة شمولية يحكم بها الجيش أو يسيطر عبرها على الحكم”، ومهما طال الزمن فإن مصير السودان حكم مدني مستدام، وتأسيس جيش مهني قومي احترافي خاضع للسلطة المدنية، ولا مجال لإعادة ساعات الزمان للوراء وإنتاج أنظمة حكم قال الشعب السوداني كلمته حولها بأنها “لن تعود”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *