ثلاثة أيام من الرعب بلا ملاذ آمن”
تقرير أممي يوثق انتهاكات الدعم السريع في معسكر زمزم
جنيف: (ديسمبر)
تحت عنوان: “ثلاثة أيام من الرعب بلا ملاذ آمن” نشرت المفوضية العليا لحقوق الإنسان، يوم الخميس الماضي 18 ديسمبر 2025، تقريراً حول الانتهاكات التي ارتكبتها قوات الدعم السريع عند هجومها واستيلائها على معسكر “زمزم” للنازحين في شمال دارفور، في الفترة من 11 إلى 13 أبريل 2025، وشملت عمليات قتل واغتصاب وأنواع أخرى من العنف الجنسي والتعذيب والاختطاف.
ويشير تقرير المفوضية إلى أن قوات الدعم السريع، وبدعم من الميليشيات العربية المتحالفة، شنت “هجوماً واسع النطاق” يشمل قصفاً بالمدفعية الثقيلة واقتحامات برية. وفي حين بررت قوات الدعم السريع الهجمات بوجود مقاتلين من القوات المعارضة في المخيم، خلُص تحقيق الأمم المتحدة إلى أنه “لم يكن هناك وجود واضح” لمثل هذه القوات في معظم المناطق التي تعرضت للهجوم. كما أكد التقرير أن هجمات الدعم السريع قد أصابت أهدافاً عسكرية وأعياناً مدنية دون تمييز، وأن الهجمات ضد مخيم زمزم للنازحين قد تواصلت حتى بعد الانسحاب المعلن للقوات المشتركة.
ويُعتبر معسكر “زمزم” أحد أكبر معسكرات النزوح في السودان، ويؤوي مدنيين سبق أن نزحوا إليه قسراً نتيجة موجات متكررة من العنف. وقد تضخم عدد سكانه ليصل إلى نحو نصف مليون نسمة، بينهم الآلاف الذين فروا إليه كملاذ أخير من حصار قوات الدعم السريع لمدينة الفاشر.
ويستند هذا التقرير إلى رصد وتحقيقات أجرتها مفوضية حقوق الإنسان، بما في ذلك مقابلات أُجريت في يوليو 2025 مع 155 ناجياً وشاهداً في معسكرات اللاجئين في شرق تشاد. ويسلط التقرير الضوء على الاتجاهات والأنماط المتعلقة بالانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي الإنساني والانتهاكات الفادحة للقانون الدولي لحقوق الإنسان التي ارتُكبت قبل وأثناء وبعد الهجوم الذي شنته قوات الدعم السريع على مخيم زمزم للنازحين.
ويركز التقرير، بوجه خاص، على الضحايا من النساء والفتيات وأفراد الجماعات العرقية المستهدفة. ويقدم التقرير توصيات تهدف إلى توجيه مشاركة الأمم المتحدة والمجتمع الدولي في ضوء المخاوف الجدية بشأن تكرار أنماط الانتهاكات الجسيمة التي تم توثيقها خلال وبعد الهجوم على مخيم زمزم للنازحين في أبريل 2025.
إعدام جماعي واستهداف عرقي
ويسرد التقرير تفاصيل مجزرة معسكر زمزم للنازحين، والتي استمرت ثلاثة أيام، وراح ضحيتها ما لا يقل عن 1013 مدنياً قتلوا خلال الهجوم، ووصفه بأنه “نمط ثابت من الانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي الإنساني والتجاوزات الفادحة للقانون الدولي لحقوق الإنسان”. وذكر التقرير أنه في الحادي عشر من أبريل، دخل مئات من مقاتلي قوات الدعم السريع إلى المخيم، وأطلقوا النار في الهواء وعلى المدنيين مباشرة، ونهبوا السوق والإمدادات الطبية والوقود، وأحرقوا المنازل والسوق الرئيسي، وقاموا بتفتيش المنازل بحثاً عن أفراد القوات المسلحة السودانية والقوات المشتركة، وكذلك زوجاتهم والمقاتلات من النساء، وخلال ذلك أعدموا الرجال بإجراءات موجزة، واغتصبوا النساء، وأمروا الناجين بمغادرة المخيم دون السماح لهم بأخذ ممتلكاتهم.
وقد صاحب الهجوم أعمال عنف جنسي وممنهج وتجاهل صارخ للقانون الدولي أجبرت ما يقرب من نصف المليون شخص على الفرار. وأضاف التقرير أنه تم إعدام 319 شخصاً من بين القتلى الذين لقوا حتفهم إما داخل المخيم أو أثناء محاولتهم الفرار، إذ قُتل بعضهم في منازلهم خلال عمليات تفتيش من منزل إلى منزل نفذتها قوات الدعم السريع، بينما قتل آخرون في السوق الرئيسي والمدارس والمرافق الصحية والمساجد، ونزح أكثر من 400 ألف من سكان المخيم مرة أخرى جراء الهجوم.
وبحسب التقرير، فإن مقاتلي قوات الدعم السريع قتلوا العديد من الرجال عندما قاوموا محاولات اغتصاب زوجاتهم أو أخواتهم أو بناتهم أمام أعينهم. وروت إحدى الضحايا أن أفراداً من الدعم السريع قتلوا زوجها وقاموا باغتصابها بجوار جثته وعلى مرأى من أخواتها وبنتها.
عنف جنسي ممنهج
وفصَّل التقرير كذلك أنماطاً من العنف الجنسي المرتبط بالنزاعات، إذ تعرض ما لا يقل عن 104 ناجين، من بينهم 75 امرأة و26 فتاة و3 فتيان، معظمهم من قبيلة الزغاوة، لعنف جنسي مروع، بما في ذلك الاغتصاب والاغتصاب الجماعي والاسترقاق الجنسي، سواء أثناء الهجوم على المخيم أو على طول الطرق للخروج من المخيم. وأورد التقرير شهادات العديد من الناجيات واللائي تعرضن للاغتصاب والعنف الجنسي وخلُص التقرير إلى أنه يبدو أن العنف الجنسي استُخدم عمداً لبث الرعب في نفوس السكان.
وذكر التقرير أن عمليات القتل استندت بصورة أساسية إلى انتماء الأفراد القبلي أو تعاونهم المزعوم مع القوات المسلحة السودانية قبل قتلهم، وأن أعداداً كبيرة من القتلى كانوا من الزغاوة الذين يُنظر إليهم على أنهم أقارب لأعضاء القوات المشتركة. وقد قُتل عدد من الأفراد في الخنادق التي حفروها داخل منازلهم.
وكانت قوات الدعم السريع قد منعت، في الأشهر التي سبقت الهجوم، دخول جميع المواد الغذائية والمياه والوقود وغيرها من السلع الأساسية التي لا غنى عنها لبقاء السكان المدنيين في المخيم على قيد الحياة، وشنت هجمات ممنهجة على كل من حاول إدخال الإمدادات. وألقى الدعم السريع القبض على نحو 26 شخصاً، وأُعدِموا على ما يبدو على الطريق بين مخيم زمزم ومدينة طويلة، فيما يبدو أنه تحذير من أي محاولة لإدخال الطعام إلى المخيم. وللبقاء على قيد الحياة، لجأت العديد من العائلات إلى إطعام أطفالها علفاً حيوانياً، مثل قشور الفول السوداني.
ولاية المحكمة الجنائية الدولية
وشدد التقرير على أن السودان ليس طرفاً في نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، ومع ذلك فإن المحكمة الجنائية الدولية تملك الولاية القضائية على الجرائم المنصوص عليها في نظام روما الأساسي والتي ارتُكبت في دارفور، وذلك بموجب قرار مجلس الأمن رقم 1593 الصادر في 31 مارس 2005 والذي أحال الوضع السائد في دارفور منذ 1 يوليو 2002 إلى المحكمة الجنائية الدولية. وذكَّر التقرير أن المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية قد صرح في يوليو 2024 بأن المحكمة لا تزال تمارس اختصاصاتها بموجب مجلس الأمن رقم 1593، وأن هذا التفويض لا يزال قائماً فيما يتعلق بالجرائم المرتكبة في دارفور منذ 15 أبريل 2023.
“لا يجوز للعالم أن يقف مكتوف الأيدي”
وعقب صدور هذا التقرير، دعا مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، فولكر تورك، إلى ضرورة إجراء تحقيق نزيه وشامل في الهجوم على مخيم زمزم للنازحين في دارفور، مشدداً على ضرورة معاقبة المسؤولين عن الانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي. وقال تورك: “إن القتل المتعمد للمدنيين أو الأشخاص غير المشاركين في القتال قد يُشكل جريمة حرب تتمثل في القتل العمد”.
وقال المفوض السامي: “تتطابق هذه الأنماط المروعة من الانتهاكات التي ارتكبت في ظل إفلات من العقاب مع ما وثقه مكتبي مراراً وتكراراً، بما في ذلك خلال استيلاء قوات الدعم السريع على الفاشر في أواخر أكتوبر”.
وأوضح أن هذه النتائج الواردة في التقرير تُذكّر مجدداً بضرورة التحرك الفوري لإنهاء دوامة الفظائع والعنف، وضمان المساءلة والتعويضات للضحايا. وقال تورك: “لا يجوز للعالم أن يقف مكتوف الأيدي بينما تتجذر هذه القسوة يوماً بعد يوم في السودان. ويجب على جميع الدول، لا سيما تلك التي لها نفوذ على الوضع الراهن، بذل قصارى جهدها لمنع ارتكاب الفظائع”.
وجدد تورك دعوته لجميع الدول إلى التحرك العاجل لمنع ارتكاب الانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي، من قبل أطراف النزاع، وتكثيف الضغط عليها لإنهاء العنف في دارفور وكردفان والمناطق الأخرى، بما في ذلك اتخاذ خطوات لوقف توريد أو بيع أو نقل الأسلحة التي لا تزال تغذي النزاع. كما دعا إلى مواصلة بذل الجهود الدبلوماسية لوقف الأعمال العدائية والتوصل إلى حل دائم للنزاع.
“شهادات تهز ضمائرنا”
بدوره، صرح مستشار الأمم المتحدة الخاص المعني بمنع الإبادة الجماعية، تشالوكا بياني، بأن قوات الدعم السريع والقوات المسلحة السودانية، بالإضافة إلى المليشيات المتحالفة معهما، ارتكبت انتهاكات خطيرة ومنهجية لقانون حقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني، مصحوبة بخطاب الكراهية. وقال شالوكا: “استمعت إلى قصص الذين عانوا ونجوا من العنف المروع. شهاداتهم تهز ضمائرنا. لقد عانوا من أضرار نفسية وجسدية”. وأضاف إن صراع دارفور، الذي حققت فيه لجنة تابعة للأمم المتحدة لأول مرة في تسعينيات القرن الماضي، لا يزال يتفاقم بعد عقود، وأنه “لم يتغير شيء. ولم يؤدِ سقوط الحكومة المدنية إلا إلى تفاقم الأزمة”.
تزايد الاحتياجات الإنسانية
ومن جهة أخرى، حذر مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية من تزايد الاحتياجات الإنسانية في السودان مع استمرار فرار آلاف العائلات من الاشتباكات العنيفة في جميع أنحاء منطقة كردفان. ففي ولاية جنوب كردفان، نزح أكثر من ألف شخص من كادقلي والدلنج، وفقاً للمنظمة الدولية للهجرة.
وأفاد المكتب بأن أكثر من ثلاثة آلاف شخص عبروا من منطقة كردفان إلى جنوب السودان في الأيام الأخيرة، فيما وصل حوالي 2,500 شخص إلى منطقة الفاو في ولاية القضارف من منطقتي كردفان ودارفور، مضيفاً أنه من المتوقع حدوث المزيد من النزوح في الفترة المقبلة. كما أشار إلى استمرار تزايد النزوح في بلدة الدبة في الولاية الشمالية، حيث يؤوي مخيم العفاض أكثر من 15 ألف شخص. وقال إنه على الرغم من تكثيف المساعدات، فإن جهود دعم الأمن الغذائي وسبل العيش وتقديم المساعدة النقدية “لا تزال تعاني من نقص حاد في التمويل”.
وتقدّر المنظمة الدولية للهجرة أن أكثر من 9.3 مليون شخص ما زالوا نازحين داخلياً، في جميع ولايات السودان الثماني عشرة، إلى جانب أكثر من 3 ملايين من العائدين في تسع ولايات – أكثر من نصفهم من الأطفال.
وفي سياقٍ متصل، دقت منظمة الصحة العالمية ناقوس الخطر بشأن تقارير من ولاية جنوب دارفور تفيد باحتجاز أكثر من 70 عاملاً في مجال الصحة ونحو خمسة آلاف مدني قسراً في عاصمة الولاية نيالا، “في ظروف مزرية ومكتظة، ومعرضين لخطر تفشي الأمراض”.