من يخلف أنطونيو غوتيريش؟ بدء إجراءات اختيار الأمين العام الجديد للأمم المتحدة

 

المحرر السياسي: (ديسمبر)

في الخامس والعشرين من نوفمبر الجاري، أصدر رئيسا الجمعية العامة للأمم المتحدة ومجلس الأمن رسالة مشتركة إيذاناً ببدء إجراءات اختيار الأمين العام القادم للأمم المتحدة، خلفاً للأمين العام الحالي أنطونيو غوتيريش.

ودعت الرسالة المشتركة (A/80/544-S/2025/765) الدول الأعضاء إلى تقديم مرشحيها لهذا المنصب، وتحدد الإجراءات المتعلقة بتقديم الترشيحات والنظر فيها، وتُشير إلى “أهمية التنوع الإقليمي في اختيار الأمناء العامين”، دون تحديد منطقة جغرافية بعينها، كما تُشجع الدول الأعضاء على “النظر بجدية في ترشيح النساء كمرشحات”. وفي هذا الصدد، كانت الجمعية العامة قد ذكرت في قرار سابق في سبتمبر الماضي أنها تلاحظ “مع الأسف أن امرأة لم تتولَّ قط منصب الأمين العام”، وشجعت الدول على “النظر الجاد في ترشيح النساء كمرشحات لهذا المنصب”.

 

اختيار امرأة لمنصب الأمين العام

 

تسود حالياً حملة متزايدة من أجل أن تختار الأمم المتحدة أول امرأة لمنصب الأمين العام. فالتناقض في منظمة تدعو إلى المساواة بين الجنسين على المستوى العالمي، بينما تبدو غير راغبة في تجسيد هذا المبدأ في تعييناتها العليا، أصبح من الصعب تجاهله. كذلك ومع مرور الزمن، اتسعت دائرة النساء اللواتي يمتلكن الخبرة اللازمة في المناصب العليا في الحكومات والأمم المتحدة والمنظمات الدولية الأخرى.

وقد بدأت بالفعل في الظهور قائمة تضم مجموعة متميزة من المرشحات المؤهلات للمنصب، والقادرات على تحدي الصورة النمطية لاحتكار الرجال للمنصب. لذلك، يُتوقع أن يكون هذا الجانب عاملاً رئيسياً في سباق اختيار الأمين العام الجديد.

 

قواعد الاختيار

 

القواعد الرسمية لاختيار الأمين العام واضحة إلى حد كبير. حيث تنص المادة 97 من ميثاق الأمم المتحدة على أنه: “يُعيَّن الأمين العام من قبل الجمعية العامة بناءً على توصية مجلس الأمن”. ويجب أن يحصل المرشح الناجح على أصوات تسعة أعضاء من أصل خمسة عشر عضواً في مجلس الأمن، بما في ذلك جميع أعضائه الدائمين الخمسة (الدول الخمس الكبرى) الذين يملكون حق النقض (الفيتو). ثم تُعرض توصية مجلس الأمن على الجمعية العامة لإجازتها.

وبالإضافة إلى القواعد الرسمية، يخضع اختيار الأمين العام لمجموعة من الأعراف غير الرسمية والقرارات غير الملزمة التي تطورت وتراكمت على مر الزمن. فوفقاً للممارسة المعمول بها، ينبغي ألا يكون الأمين العام من بين الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، وهي روسيا والمملكة المتحدة والصين والولايات المتحدة وفرنسا.

ومن ناحية أخرى، هنالك مبدأ غير رسمي ولكنه معمول به، يقوم على تدوير منصب الأمين العام بين المجموعات الإقليمية (مجموعة الدول الأفريقية (54 دولة) – مجموعة دول آسيا والمحيط الهادئ (53 دولة) – مجموعة دول أوروبا الشرقية (23 دولة) – مجموعة دول أمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي (33 دولة) – مجموعة دول أوروبا الغربية ودول أخرى (28 دولة). وبناء على هذا المبدأ، يُفترض أن يكون الأمين العام القادم من أوروبا الشرقية، لأنها لم تتولَّ هذا المنصب من قبل.

والجدير بالذكر أنه وحتى عام 2015، كان الأعضاء الخمسة الدائمون في مجلس الأمن يتحكمون بصورة مطلقة في عملية اختيار الأمين العام بإجراء اقتراعات سرية غير شفافة وعبر المساومات القائمة على حق النقض، وكانت العملية بمجملها محصورة في مجلس الأمن تدار في غرف مغلقة بين القوى الكبرى (الدائمة العضوية) دون معايير معلنة، وبدون عملية ترشيح رسمية أو تدقيق علني للمرشحين، فكانت بذلك عبارة عن صفقات سياسية بامتياز. وفي السنوات الأولى للأمم المتحدة، كانت هذه الصفقات محصورة بين الأعضاء الدائمين الخمسة.

 

دور أكبر للجمعية العامة

 

ولكن تغير ذلك الوضع بالقرار التاريخي للجمعية العامة (رقم 69/321) في سبتمبر 2015، الذي أوكل دوراً أكبر للجمعية العامة، وجعل العملية برمتها أكثر شفافية وعلنية، وفتحها أمام الرقابة العامة، وأدخل جلسات استماع للمرشحين، وأنشأ دور قيادة مشترك لرئيس الجمعية العامة ورئيس مجلس الأمن. كما أكد القرار على ضرورة أن يستند الاختيار إلى “الكفاءة والجدارة والنزاهة والخبرة، بالإضافة إلى “القدرات القيادية والإدارية المثبتة، والخبرة الواسعة في العلاقات الدولية، والمهارات الدبلوماسية والتواصلية واللغوية القوية”. هذا مع “أهمية اعتبار التمثيل الجغرافي وتمثيل المرأة”.

وفي العام 2025 وفي إطار مبادرة إصلاح الأمم المتحدة الثمانين، تم اعتماد العديد من إجراءات الشفافية والتي تتضمن مشاركة أكثر فاعلية وانخراطًا من الجمعية العامة و”إحياء” لدورها، ذلك “لأن اختيار الأمين العام مسألة مهمة للغاية بحيث لا يجوز تركها للدول الخمس الدائمة العضوية وحدها”. ولكن لم يتم الإجماع على إجراءات كانت تقتضي أن تكون ولاية الأمين العام واحدة (5 سنوات) غير قابلة للتجديد، وأن يختار مجلس الأمن عدة مرشحين، وهذا من شأنه أن يمنح الجمعية العامة دوراً أكبر وخياراً أوسع في عملية اختيار الأمين العام، كما لم يتم التوافق على تقنين التناوب الإقليمي لمنصب الأمين العام.

 

تقديم الترشيحات

 

والآن بعد صدور الرسالة المشتركة، يُتوقع أن تبدأ الدول الأعضاء في تقديم ترشيحاتها من خلال رسائل إلى رؤساء مجلس الأمن والجمعية العامة، ويكون كل ترشيح مصحوب برؤية المرشح حول كيفية معالجة أكثر الأسئلة إلحاحاً في الأمم المتحدة، بالإضافة إلى إفصاح مالي يوضح أوضاع المرشح المالية.

ولضمان شفافية عملية الترشيح، سيتم تعميم أسماء جميع المرشحين على جميع الدول الأعضاء، وتحديث قائمة عامة للمرشحين بانتظام على موقع إلكتروني مخصص للأمم المتحدة.

وفي المرحلة الثالثة، يشارك جميع المرشحين في جلسات حوار يُشار إليها باسم “الجلسات الاستماعية”، في الجمعية العامة، حيث يمثُل كل مرشح في جلسة علنية أمام الجمعية العامة، ويعرض رؤيته ويجيب على الأسئلة من الدول الأعضاء، ومن المجتمع المدني. وتوفر هذه الجلسات نظرة ثاقبة على توقعات الدول الأعضاء من الأمين العام القادم، كما تتيح الفرصة لتقييم نهج كل مرشح تجاه التحديات التي تواجه الأمم المتحدة.

 

“الصندوق الأسود”

 

وفي المرحلة الرابعة، وهي المرحلة الأكثر حساسية، وتُسمى بمرحلة (الصندوق الأسود) يعقد مجلس الأمن جلسات مغلقة مع كل مرشح منفرداً، ويجوز للأعضاء الدائمين (الدول الخمس: الولايات المتحدة، المملكة المتحدة، فرنسا، روسيا، الصين) استخدام حق الفيتو في هذه المرحلة. ويقدم كلٌ من أعضاء مجلس الأمن تقييمه للمرشح بصورة سرية، وبالتركيز على صفات النزاهة والمقدرات القيادية. ويواصل المجلس إجراء عدة جولات حتى يتم التوافق على أحد المرشحين والذي يتحصل على 9 أصوات، على أقل تقدير، ولا يواجه معارَضة بالفيتو من الدول الخمس الدائمة العضوية.

وعقب ذلك، في المرحلة الخامسة، وفي يوليو 2026، سيرفع مجلس الأمن توصياته الى الجمعية العامة، حيث يتم التداول واتخاذ القرار في جلسة مفتوحة بالتأكيد على مرشح مجلس الأمن، والذي يتم عادة بالإجماع وبدون تصويت رسمي، إذ لم يسبق للجمعية العامة رفض مرشح مجلس الأمن. ومن ثم يؤدي الأمين العام الجديد القسم أمام الجمعية العامة، وتبدأ ولايته التي تمتد لخمس سنوات في الأول من يناير من العام 2027.

وخلاصة القول إن الإجراءات قد بدأت للشروع في مسيرة ستتوَج باتخاذ قرار سيُشكل مستقبل الأمم المتحدة، في وقت يشهد تغييرات كبرى في المنظمة والنظام العالمي. وقد اختارت سلوفينيا، بصفتها رئيس المجلس في شهر ديسمبر، تنظيم مناقشة مفتوحة حول “القيادة من أجل السلام” تتيح للأعضاء فرصة التركيز على الصفات المطلوبة للأمين العام القادم لقيادة الأمم المتحدة في مواجهة التحديات العالمية الراهنة وقيادتها نحو المستقبل.

فالأمين العام الحالي يشرف على أكثر من ثلاثين ألف موظف مدني وإحدى عشرة عملية حفظ سلام تضم نحو ستين ألف جندي وشرطي. وتبلغ الميزانية السنوية الأساسية للأمم المتحدة 3.7 مليار دولار أمريكي، بينما تبلغ ميزانية عمليات حفظ السلام 5.6 مليار دولار أمريكي.

ومن المرجح أن يكون اختيار الأمين العام من بين أكثر القرارات مصيرية التي ستتخذها المنظومة الأممية في العام المقبل، ذلك لأن منصب الأمين العام هو من المناصب ذات الأهمية البالغة التي تتطلب أعلى معايير الكفاءة والجدارة والنزاهة، والتزاماً راسخاً بأهداف ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة.

هذا وقد برزت حتى الآن بعض الأسماء التي يُرجَّح أن تكون من بين المرشحين لمنصب الأمين العام القادم للأمم المتحدة، وهم الرئيسة التشيلية السابقة ميشيل باشليت، ونائبة رئيس كوستاريكا السابقة ريبيكا غرينسبان، والمدير العام الحالي للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي من الأرجنتين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *