لـ(ديسمبر) كلمة
الحل في “الرباعية”
من المؤكد أن زيارة رئيس وزراء حكومة بورتسودان، كامل إدريس، ومخاطبته جلسة المجلس المخصصة لمناقشة الأزمة السودانية وبطلب من مندوبية حكومة بورتسودان في الأمم المتحدة، لم ولن تحقق النتائج التي يسعى قائد الجيش، الفريق عبد الفتاح البرهان، لتحقيقها.
من حيث الشكل أولاً، ليس كافياً أن تعبئ خمراً رديئة في قنانٍ جديدة ليصبح أكثر استساغة، أي أن يعيد رئيس وزراء حكومة بورتسودان تلاوة نص المبادرة التي فصَّلها البرهان في خطابه للأمين العام للأمم المتحدة في 11 مارس الماضي لن يوفر للمبادرة قَبولاً لم تجده في وقتها.
كما أن اختيار التوقيت لعقد الجلسة في فترة أعياد نهاية العام وغياب كبار المسؤولين كان خياراً “دبلوماسياً” يفتقر للحكمة البروتوكولية، الأمر الذي انعكس على حضور الجلسة التي غاب عنها الأمين العام أنطونيو غوتيرش، وغالب المندوبين الدائمين الذين أنابوا مساعديهم لحضورها. مشاركة مسؤول بدرجة رئيس وزراء في الجلسة كان يتطلب تمثيلاً دبلوماسياً رفيعاً من الدول الأعضاء، كما جرت عليه التقاليد الأممية، وهو ما لم يحدث.
أكثر من ذلك، فشل كامل إدريس في ترتيب المؤتمر الصحفي الدولي الذي كان يسعى إليه، واكتفى بتصريحات محدودة في ممرات الأمم المتحدة، لأنه لم يأخذ في الاعتبار، وهو صاحب الخبرة في العمل في المنظمات الدولية، أن المنظمة الدولية بكافة مؤسساتها وأنشطتها تعمل بالحد الأدنى في فترة أعياد نهاية العام.
أما من حيث المضمون، فإن ما سمي بـ”مبادرة السودان” لوقف الحرب لم تأتِ بجديد، غير أنها أعادت تكرار المواقف التي ظل يرددها قائد الجيش ومساعدوه ليحققوا بها انتصاراً سياسياً لم ينجحوا في تحقيقه عسكرياً، حتى الآن.
وبدا الغرض منذ البداية واضحاً: التهرب من تنفيذ مبادرة الرباعية، والذي أكده حديث كامل إدريس عن أن مبادرة بورتسودان تتكامل مع المبادرة الأمريكية-السعودية-المصرية، وهذه الأخيرة لم يتم الإعلان عنها حتى الآن من أيٍّ من الأطراف المعنية.
وبدلاً من أن تربط “مبادرة السودان” ما بين الهدنة وإيصال المساعدات الإنسانية، كما هو الحال في “الرباعية”، طلبت أن يكون وقف إطلاق النار مرتبطاً بتجميع قوات الدعم السريع في مناطق معلومة وبرقابة أممية-إفريقية-عربية وتجريدها من السلاح وتسليم قادتها للعدالة. وهو الأمر الذي يبدو مستحيلاً في ظل توازنات القوى الحالية، ما يدفع للتشكيك في نوايا حكومة بورتسودان، وهو أمر يدعمه سلوكها في جدة والمنامة وجنيف والإيقاد وغيرها من المبادرات الدولية والإقليمية لوقف الحرب.
أما بقية بنود المبادرة فهي إجراءات فنية وسياسية لا خلاف بشأنها، ويفترض أن تتم بمشاركة القوى المدنية لتكون جزءًا من ترتيبات الانتقال إلى الحكم المدني، مثل إجراءات الدمج والتسريح للمقاتلين، الحوار السوداني-السوداني، المصالحات والسلم الاجتماعي، الحق في الحصول على الأوراق الثبوتية، إلخ. وهي ترتيبات يتم التفاوض على تفاصيلها بعد وقف إطلاق النار، ولا تُفرَض كشروط تسبق إنهاء العمليات العسكرية.
إن محاولة الالتفاف على مبادرة الرباعية لن تنجح، وقد تبدّى ذلك في كلمات غالب المتحدثين في جلسة مجلس الأمن الذين أمّنوا عليها كطريق وحيد لإحلال السلام ينبني على الهدنة الإنسانية، إيصال المساعدات للمتضررين وعودة النازحين واللاجئين، إدانة الانتهاكات من طرفي الحرب، والدعوة لعدم الإفلات من العقاب، واستبعاد الحركة الإسلامية وواجهاتها من المشاركة في تحديد مستقبل السودان.
وعلى العكس مما سعت له حكومة بورتسودان، أظهرت جلسة مجلس الأمن وجود إرادة دولية حقيقية لتحقيق السلام في السودان عبر بوابة الرباعية. إن إضاعة المزيد من الوقت تعني فقدان المزيد من الأرواح، وإطالة معاناة السودانيين، وتدميراً أوسع لقدرات البلاد ومقدراتها.
الحل هو في أن تسارع حكومة بورتسودان إلى القبول علناً، وبدون تحفظات، بمبادرة الرباعية حتى تضع الطرف الآخر؛ قوات الدعم السريع، أمام امتحان المصداقية وحتى نضع حداً لمعاناة السودانيين.
لا للحرب.