ضجيج يشبه اليقين
أماني أبو سليم
أول موجة تعليقات، على عمل فني أو قضية عامة، غالباً ما تشكل ما يليها من تعليقات، لأن المشاركين اللاحقين سيتأثرون لاشعورياً. في الغالب لا تكون الآراء مبنية على مشاهدة العمل أو سماع التصريح مثلاً، وإنما فقط على الآراء التي سبقت، ويعاد تدويرها، وتضخيمها لتبدو وكأنها الحقيقة.
لكن لماذا تنتشر الآراء السالبة أكثر؟
السوشيال ميديا بيئة التفكير السريع. للإنسان نوعان من التفكير؛ متعجل وعاطفي، والآخر أبطأ ويتطلب جهداً ومراجعة. المنصات والربح منها يتطلب تحقيق تفاعل عالٍ. الغضب والسخرية يتماشيان مع التفكير العاطفي والمتعجل، فيحققان التفاعل السريع. أما التفكير الأبطأ، فيتطلب التريث والشك والسؤال، فغالباً لا يجد مكاناً في الزحام، لتنتشر الفكرة القابلة للتداول أكثر، كانتشار العدوى، وإن افتقرت للدقة.
معرفة هذا كسلوك بشري يجعل الكثيرين يستثمرونه لمصلحتهم، سواءً على المستوى البسيط كالتربح من المشاهدات العالية، أو على مستوى صناعة رأي عام.
الكثيرون يعلمون أن المعلومة ناقصة مثلاً، أو أن الاتهام مبالغ فيه، أو حتى ملفق، أو أن السخرية تجاوزت الحد، لكنهم يؤثرون الصمت، لأنه سيكلفهم عزلة عن الآخرين، أو هجوماً مضاداً، أو ببساطة قد تعبوا من الجدال.
مع الوقت وارتفاع صوت الضجيج السالب والسخرية، وإيثار البعض للصمت، سيبدو الصوت المسموع وكأنه إجماع رأي أو يقين، ، يُتَّهم من يخالفه، ويشعر من يكررونه أنهم في الموقف الصحيح.
الانتماء حاجة ملحة للإنسان، حتى لو كان إلى مزاجٍ غاضب أو سخرية أو معلومة ناقصة أو مفبركة. الانضمام للسائد يمنح شعوراً باليقين وإحساساً بالقوة، والأهم راحة من التفكير وما يتبعه من البحث عن أدلة.
ما يسود في السوشيال ميديا في كثير من القضايا لا يمكن تسميته بالرأي العام، وإنما هو مزاج عام، صنعه التكرار والتداول دون روية وتفكير.
هذا المزاج العام قد يبدو واثقاً ومتماسكاً، يظن أصحابه أنه نهائي، وأن الأمر قد ثبت في عقول الناس. لكن سيأتي حينٌ يفقد فيه قوته، حين يكتشف الناس أن تكراره لم يعد يجيب على أسئلتهم، وأنه هشٌ من الداخل، وحين يبحث صانعوه عن سردياتٍ جديدة فيكون قد بدأ في التآكل.
الأصوات التي سكتت طويلاً ستقوى عندما يكبر الشك، وتبدأ التناقضات في الحكاية بالظهور. عندما تتراكم الأسئلة التي لم يعد التهكُّم قادراً على إخفائها. حينها ربما يكفي تعليق واحد متزن أو قراءة مختلفة لتظهر أصوات مثل: “كنت شايف كدا من زمان”، “الكلام دا أصلاً ما كان مقنع”.
ليبدأ الصامتون اكتشاف بعضهم بعضاً، وأن ما سكتوا عليه أصبح يشكل عبئاً أخلاقياً عليهم.
ما نراه على السوشيال ميديا وكانعكاس للمشهد في الواقع، ليس دائماً رأياً عاماً، إنما مزاج عام يتضخم بالتكرار. الصوت الغالب ليس بالضرورة الأصدق، بل الأكثر انتشاراً.
السؤال الذي يستحق أن نطرحه على أنفسنا: كم مرة تبنينا رأياً، لا لأننا بحثنا وراءه ثم اقتنعنا به، بل لأن الجميع قاله؟.