خطاب البرهان وقرار منع محامين.. البحث عن وجه الشبه!!
تقرير: المحرر السياسي

– افتراض أن البرهان والفلول وعلي كرتي تجمعهم علاقة منفعة توصيف خاطئ فالشواهد بعد الحرب أكدت أنهم “وجهان لعملة واحدة يتكاملان لا يتعارضان على الإطلاق”
– أثبت التحليل الأولي للقائمة أن (4) من الأسماء الواردة فيها تبنوا موقفاً سياسياً مناهضاً لتوجهات الدعم السريع خاصة قراره تكوين سلطة في مناطق سيطرته ورغم ذلك اتهموا بأنهم منخرطون مع الدعم السريع!!
وجَّه قائد الجيش الفريق أول عبد الفتاح البرهان في مستهل بداية العام الجديد، ومن داخل فناء القصر الجمهوري بوسط الخرطوم، رسالة للشعب السوداني في إطار إحياء الذكرى السبعين لاستقلال السودان على مقربة من سارية علم القصر التي شهدت في ذات المكان قبل سبعة عقود رفع علم الاستقلال، ويومها احتشد خطاب البرهان بكثير من الإشارات المتناقضة خاصة حينما تحدث عن “المصالحة” ليجنح بعدها لتوصيف قوى سياسية بـ”الخيانة والهرولة خلف سراب الخارج”، وهو ما جعل البعض يجزم أن الحوار الذي يعنيه فعلياً “مفصل على مقاس مجموعة معينة تناصره وتسانده”، أما آخرون فاختاروا أن يغضوا الطرف عن هذا التناقض ويعدوا ما ذكر بباحة القصر الجمهوري أمراً يستحق التفاعل الإيجابي معه والترحيب به والاستفادة منه.
بالتوزاي مع ذلك الخطاب فإن ما يطلق عليها لجنة التسجيل بنقابة المحامين المحلولة قامت بإصدار قرار نص على حرمان (31) محامياً ومحامية من تجديد رخصهم ومنعهم من مزاولة مهنة المحاماة باعتبارهم ارتكبوا مخالفة لشرف المهنة بالانضمام ومساندة الدعم السريع، وهو ما جعل البعض ينظر للمشهد وكأنه تناقض مع دعوة البرهان للحوار والمصالحة، باعتباره منحىً تصعيدياً وهو ما يطرح بوضوح سؤالاً مفاده: “إلى أي مدى يبدو خطاب البرهان بالقصر الجمهوري متناقضاً مع قرار تلك اللجنة التي قررت منع محامين من ممارسة مهنتهم لموقفهم السياسي المساند للدعم السريع”؟.
تصعيد متناقض؟ أم متسق؟
لعل بعض الذين أحسنوا الظن في ما ذكره قائد الجيش في مستهل هذا العام من القصر الجمهوري وترحيبهم أو تعويلهم على رغبة الرجل في مد يد التصالح أصيبوا بالصدمة جراء الموقف الصادر عن لجنة تسجيل نقابة المحامين التابعة لفلول الحزب المحلول، باعتبار أن الإجراء يسمم الأجواء العامة والنبرة “التصالحية” لخطاب قائد الجيش.
لكن عند النظر في الأمر جيداً في السياق الكلي نجد أن ذات خطاب البرهان حمل جوهره نبرة تصعيدية واضحة من خلال التمييز بين القوى السياسية والمدنية. صحيح لم يذكر الأمر مباشرة لكن السياق العام فُهم منه حديثه عن نوعين من القوى السياسية؛ الأولى وطنية مشمولة بدعوته إلى الحوار والتوافق والمصالحة، والثانية لم يجد الرجل حرجاً في أن ينعتها بلسان مبين قائلاً: “نطمئن أهلنا في كل مكان أن النصر قادم، وإن النصر حليف الشعب السوداني، وإن كل من خان وطنه وباعه لن ينتصر، وإن كل من جرى وراء سراب الدول التي تتحدث عن أوهام لن تتحقق في هذه الأرض”. وفي جزئية ثانية أشار البرهان في خطابه لمسألة المصالحة التي ربطها بالانضمام لصوت الوطن والحق.
إذن المصالحة التي يدعو لها البرهان هي فعلياً مفصلة على مقاس ما يعتبرها “قوى سياسية مؤمنة بقضية الوطن تقف إلي جانب الجيش والشعب” هي التي توازي قوى سياسية أخرى “خائنة وباعت الوطن وتجري وراء سراب دول تتحدث عن أوهام لن تحقق في الأرض السودانية”، يضاف إليها الشرط والإجراء الخاص بالمصالحة ومفهومها وهو “الانضمام والاصطفاف مع الجيش في هذه الحرب”.
عند تجميع مكونات المشهد الكلي نجد أن البرهان لا يتحدث عن “مصالحة” تقوم على الاعتراف بوجود تعدد في وجهات النظر والمواقف، لكن يشير إلى “الاصطفاف” القائم على التماهي الكامل مع موقفه. لذلك فإن رفض هذا التماهي يقابله بشكل فوري “تهم الخيانة والعمالة الواردة في خطابه”.
وجهان لعملة واحدة
تعتبر أبرز الأخطاء التي تجنح لها الكثير من التحليلات، هو الفصل في المواقف ما بين قائد الجيش والحزب المحلول، حاصة في الفترة التي تلت اندلاع الحرب في أبريل 2023م. فعلى عكس حجج ومنطق وتبريرات كثيرين بأن الرجل تجمعه علاقة منفعة ومصالح مع تنظيم الإسلاميين عموماً والأمين العام لحركتهم الإسلامية ومسؤول الجناح العسكري علي أحمد كرتي، فإن الشواهد خلال هذه الحرب خاصة بعد خروجه من القيادة العامة عززت الحقيقة الواضحة للعيان أن “البرهان وكرتي وتنظيم الإسلاميين هم وجهان عملة واحدة يتكاملان ولا يتعارضان على الإطلاق”.
بالاستناد لذلك فإن قرارات إعادة عناصر ومنسوبي ومؤسسات الحزب المحلول النقابية والمالية في كل المستويات ليست إجراءً فردياً يقوم به كادر الإسلاميين الفريق بحري إبراهيم جابر دون رضا وقبول قائده العام، حيث تمت كل هذه الإجراءات التي بدأت منذ إعاقة وعرقلة لجنة استئنافات لجنة التفكيك ثم بتقويض التفكيك بعد انقلاب 25 أكتوبر 2021م وبعد اندلاع الحرب بعلم وموافقة البرهان شخصياً.
تصعيد الفلول
يقودنا هذا للنظر في الإجراءات الأخيرة التي اتخذتها ما تعرف باسم لجنة القبول بنقابة محاميي الفلول المحلولة بقرار، والتي رفضت المحاكم قبول طعونها حتى مستوى المحكمة العليا في الأسبوع الحالي والقاضي بمنع (31) محامياً من ممارسة مهنة المحاماة باعتبارهم منخرطين في مساندة الدعم السريع.
عند مطالعة هذه القائمة بشكل أوليٍّ فقد وجدنا أن من بين الأسماء المدرجة فيها بتهمة التماهي والانخراط والمساندة للدعم السريع توجد (4) أسماء اتخذوا، بناء على ارتباطهم بمؤسسات وجهات سياسية ونقابي، موقفاً مناهضاً لتوجه الدعم السريع وتحالف تأسيس في تشكيل مؤسسات حكم موازية.
هنا نشير إلى أن هذه نتيجة التحليل الأولي، ومن المؤكد أن التحليل المعمق سيكشف وقائع مخالفة لما ذهب إليه القرار المذكور الذي وضح أنه استند على معلومة خاطئة، أما الأكثر وضوحاً فهو أن “الخطأ مقصود” لكون المواقف السياسية معلنة ومعروفة وليست محل تجاذب أو تضارب أو تحمل تفسيرات متعارضة.

حصة قانونية
يستحق أن يطلق على البيان الصادر عن اللجنة التسييرية لنقابة المحامين الشرعية في معرض تعليقه وتفنيده وإبطاله لقرار لجنة قبول محاميي الفلول بوقف التراخيص بأنه “درس وحصة ومحاضرة قانونية” لكونه لم يكتفِ بإظهار مناطق الخلل الإجرائي والقانوني ولكنه شخَّص حالة “جهل كامل بالقانون والإجراءات”.
أوضحت النقابة الشرعية أن لجنة القبول المذكورة –مع استصحاب أن ما يسمى بنقابة المحامين محلولة وغير شرعية- ينعدم اختصاصها في الجزاءات، ويقتصر دورها على القيد وإعادة القيد وهو ما يجعلها قرارها باطلاً بطلاناً مطلقاً، مبيناً أن هذه اللجنة اغتصبت سلطة مجلس التأديب وهو ما يجعل قرارها منعدم الأثر، كما أصدرت قراراً دون حكم قضائي باتٍّ وهو ما يجعل الجزاء السابق لحكم القانون مخالفه له.
أشارت اللجنة التسييرية أن الإجراء المذكور تم دون إخطار أو تحقيق أو سماع للدفاع، وهو ما يجعله باطلاً كما استند إلى ادعاءات عامة وغير محددة، الأمر الذي جعله “عديم المشروعية”، كما خالف مبدأ التدرج في العقوبات بتوقيع أقصى العقوبات والذي يعد “تعسفاً ومخالفة صريحة للقانون”، كما تضمن مساساً باستقلال المهنة.
وأشارت النقابة الشرعية إلى أن غياب الجهة المختصة باتخاذ قرار الوقف أو الشطب جعل القرار منعدماً، كما أن مخالفته لقانون ولوائح المحاماة بحصر المساءلة على مجلس التأديب جعله قراراً باطلاً، وعدم اختصاص لجنة الشكاوى في الفصل واقتصار دورها على استلام الشكاوى وغياب النقابة لكون الجهة التي مارست هذا الإجراء محلولة بمرسوم دستوري، إضافة إلى عدم مشروعية نشر أسماء دون حكم باتٍّ بشكل يجعلها منعدمة الأثر.
أوضح البيان أن القرار خلا من التسبيب القانوني الأمر الذي جعله باطلاً شكلاً وموضوعاً وعدم انطباق أحكام المادة 25/ 1 / هـ أو أي نص آخر يجيز الإجراءات التي تمت، وهو ما يترتب عليه انتفاء السند القانوني كلياً لهذه الإجراءات .
وخلصت تلك الحصة القانونية إلى أن ما سبقت الإشارة إليه جعل “القرار الصادر باطلاً ومنعدم الأثر قانوناً”، مع التأكيد على أن اللجنة التسييرية لنقابة المحامين السودانيين هي الجهة الشرعية المختصة بإدارة شؤون المحامين.
قرار بلا قيمة
من جهته اعتبر دكتور عبدالرحمن آدم يعقوب المحامي، في معرض تعليقه لـ(ديسمبر) عبر الهاتف على هذا القرار الصادر في مواجهته وآخرين/ أخريات، بأنه بلا قيمة أو معنى، وقال: “يبلوه ويشربوا مويته!!” –وهو مثل سوداني معروف يدل على عدم جدوى شيئ أو أثره- مشيراً إلي أن الجهة التي أصدرت القرار غير مختصة قانوناً، فما يسمى نقابة المحامين هو جسم نقابي أنشأته السلطة التي أسقطتها ثورة ديسمبر وصدر قرار رسمي بحلها وتم تشكيل لجنة تسييرية لنقابة المحامين التي يشغل فيها موقع النقيب الأستاذ علي قيلوب ولا تزال هذه اللجنة هي الرسمية المعتمدة.
وأشار يعقوب لجزئية ثانية تتعلق بالإجراء نفسه بعدم جواز فصل أي محامٍ لأسباب سياسية، وإنما بناء على حكم قضائي نهائي صادر من المحكمة في أمر يتعلق بشرف المهنة بعد تشكيل لجنة تحقيق بناء على شكوى مقدمة للجنة الشكاوى، مبيناً أن لجنة الشكاوى لا تشكل لجنة التحقيق لكن يتم تشكيلها من قبل نقابة المحامين ووزارة العدل والنائب العام، وتعقد جلسة التحقيق مع الشخص وتمنحه حق عرض الدفوعات ثم تصدر قرارها، وهو نفسه قابل للطعن لدى الجهات الأعلى، وبعدها يتم الإجراء والعقاب وفي التدرج يعد “الفصل” خياراً أخيراً ويتم اللجوء بداية للعقوبات الإدارية المخففة مثل لفت النظر أو التنبيه وإيقاف حق التوثيق ولذلك الفصل هو الخيار الأخير طبقاً لقوله.
واتفقت المحامية رحاب المبارك –وهي أيضاً ضمن المشمولين بإجراءات المنع من ممارسة المهنة- والتي أشارت بدروها في تعليق لـ(ديسمبر) بالقول إن لجنة التحقيق تتطلب أن يكون ضمن عضويتها نقيب المحامين وقاضٍ ووكيل نيابة ومحامين، واعتبرت أن صدوره من لجنة القبول –رغم عدم مشروعيتها في الأساس – تفسيره الوحيد محاولة السلطة القضائية لشرعنة وجود نقابة الحزب المحلول، مبينة أن هذا الأمر مرتبط برئيس القضاء بشكل مباشر، لكونه المسؤول عن القضاة المعنيين بإجراءات سلطة التوثيق بجانب تعيين القضاة العاملين ضمن لجنة القبول.
وأضافت قائلة: “يجب التنبيه أن ما ذكرته سابقاً ينطبق على وضعية اللجنة ذات المشروعية، أما الحالية فهذه مرتبطة بمؤسسة نقابة محلولة وغير مشروعة رفضت المحكمة العليا طعنها ضد قرار حلها، ولذلك فإن العيوب المشار إليها يسبقها أمر أساسي أن الجهة التي أصدرت القرار غير شرعية”.
أسباب الاستهداف
يقول دكتور عبدالرحمن آدم يعقوب المحامي لـ(ديسمبر) بأنه شخصياً لم يعمل مستشاراً في أي من مؤسسات الدعم السريع أو بموقع وكيل نيابة أو قاضٍ ولا زال موجوداً في مكتبه يمارس أعماله كمحامٍ في مدينة نيالا قبل الحرب وحتى اللحظة. وحينما استفسرته عن سبب استهدافه بهذا الإجراء فقد أجاب بوضوح بأنه يعود لالتزامه الكامل بثورة ديسمبر ورفضه الاصطفافات الإثنية في الحرب التي فسرتها بعض الجهات كمنسوبي القوات المشتركة بأنه تماهٍ ومساندة للدعم السريع، لذلك شرعوا في التحريض عليه وآخرين وأضاف: “ما قاموا به وجد هوىً ورغبة مسبقة من عناصرالحزب المحلول، وهنا تكامل دور الطرفين وقررا العمل معاً في هذا الأمر، ولذلك هما من يقفان خلف هذه القرارات بشكل مشترك في ما يتصل بالحالة الخاصة بدارفور عموماً وولاية جنوب دارفور على وجه الخصوص”.
وضرب يعقوب أمثلة لأشخاص تم إيقاف مرتباتهم أو فصلهم من العمل أو إغلاق حساباتهم البنكية بولاية جنوب درافور بتهمة التعاون مع الدعم السريع في مناطق سيطرتهم، في حين أنهم يوجدون خارج السودان في الأساس .
ونوه يعقوب لعمله ضمن عضوية اللجنة التي شكلها النائب العام للنظر في جرائم القتل وانتهاكات حقوق الإنسان بجنوب درافور خلال الفترة من 30 يونيو 1989م وحتى 11 أبريل 2019م والتي واصلت أعمالها لحين انقلاب أكتوبر 2021م، مبيناً أن اللجنة كشفت خلال أعمالها عن العديد من القضايا التي أزعجت فلول الحزب المحلول الذين قرروا استهدافهم ضمن عوامل أخرى بسبب هذا الأمر.
أما المحامية رحاب المبارك فاعتبرت أن الاستهداف لشخصها يعود لموقفها المساند لثورة ديسمبر وعملها على توثيق الاستهدافات والانتهاكات التي تمت تجاه المدنيين من قصف مدفعي وجوي أو تصفيات في الكنابي أو أم درمان التي شملت طرفي الحرب بما في ذلك الجيش ومليشيات البراء بن مالك، بجانب تقاريرها الموثقة لاستخدام الأسلحة الكيميائية التي اعتبرها قائد الجيش وعناصر الإسلاميين أحد أسباب فرض العقوبات علىيهم بما في ذلك البرهان. وأضافت: “للمعلومية تلك التقارير نشرت بعد إصدار العقوبات لعدم تمكني من الوصول للوثائق والشهود إلا بعدها”.
وأشارت لكشفها فساد رئيس القضاء مؤخراً ومجموعة القضاة الذين قام بتوظيفهم مؤخراً وهم من عناصر الحزب المحلول، وزادت: “قد تكون جميع تلك العوامل سبباً للاستهداف ضمن آخرين وأخريات”.
استمرار دون توقف
حينما سألنا دكتور عبدالرحمن يعقوب المحامي عن ما سيفعله اتجاه هذا القرار وكيف سيناهضه مستقبلاً؟ أوضح لـ(ديسمبر) بأن هذا القرار لا قيمة قانونية له، مؤكداً أنه سيواصل عمله ودوره كالمعتاد. وبدا متفائلاً بأن الحرب حينما تنتهي في يوم من ذات الأيام ستعود الأوضاع إلى طبيعتها.
أما المحامية رحاب المبارك فقد شاركته ذات الرأي، واعتبرت في تعليقها لـ(ديسمبر) بأن الإجراءات التي تقاوم هي الصادرة عن جهات صحيحة أما الصادرة عن جهة غير مختصة فلا يساوي قرارها الحبر الذي كتب به، لكنها استدركت قائلة: “رغم هذا سنناهض هذا القرار انطلاقاً من مفهومين؛ أولهما استخدامه كدليل على مسعى وعودة الحزب المحلول وسيطرته، وثانيهما بأن نواصل في ممارسة مهنتنا ودورنا دون توقف ولو يوماً واحداً أو حتى لحظة لأنهم يهدفون إلى إيقافنا ونحن سنرد عليهم بأن نستمر دون توقف”.