المحرر السياسي – (ديسمبر)
خلال الشهور الأخيرة، أو بالأحرى منذ خروج قوات الدعم السريع من ولاية الخرطوم والجزيرة، انتظمت استراتجية قتالية وحيدة خلال المعارك، على الأقل من جانب الدعم السريع، وهي مهاجمة البلدات والقرى المحيطة بالمدن الكبرى وقطع طرق إمدادها، ثم إطباق الحصار عليها بعد أن تتهاوى من داخلها ويصعب على قوات الجيش فك الحصار من الخارج بسبب قطع الطرق وتحييد المناطق المجاورة. كذلك تعجز قوات الجيش من فك الحصار من الداخل بسبب تناقص العتاد الحربي يومياً لانقطاع الإمداد، بعد كل ذلك تجتاح قوات الدعم السريع المدينة، بقوات وتسليح لا يكافئ ما لدى المدافعين عنها من قوات الجيش وتبسط سيطرتها عليها بسهولة وتفعل ما تريد.
النموذج الأبرز لهذه الإستراتيجية كان في مدينة الفاشر، العاصمة السياسية لدارفور الكبرى، ورأيناه كذلك في مدينة بابنوسة التي تضم إحدى أكبر الفرق العسكرية للجيش (الفرقة 22 مشاة)، وأخيراً نفذت الإستراتيجية في منطقة هجليج الغنية بالنفط وتضم أكبر حقول الإنتاج. فالمعارك الدائرة اليوم، في إقليم كردفان وفي ولاية النيل الأزرق، تطبيق دقيق لإستراتيجية الدعم السريع القائمة على حصار المدن الكبرى من أطرافها تمهيداً لاجتياحها. تعيش كادقلي والدلنج في جنوب كردفان في حصار بعد قطع طرق الإمداد والاستيلاء على القرى المجاورة، وكذلك مدينة الأبيض والرهد وأم روابة في شمال كردفان.
وما حدث في مدينة الفاشر من فظائع كادت تمنع وقوع الهدنة الإنسانية التي طرحت من الولايات المتحدة الأمريكية قبيل اجتياح الفاشر بأيام معدودة، إلا أن وفد الجيش الذي كان وقتها في واشنطن رفض القبول بالهدنة، وفي صبيحة الرفض اجتاحت الدعم السريع الفاشر، وكان ذلك بمثابة بسط السيطرة على دارفور بالكامل، وتبعتها بابنوسة بغرب كردفان وهجليج في جنوب كردفان.
مؤخراً شرعت قوات الدعم السريع في تطبيق استراتيجية الحصار على مدينة الأبيض في شمال كردفان وعلى مدينة الدمازين عاصمة ولاية النيل الأزرق المتاخمة لإثيوبيا، وفي الأفق محاولات لإنجاح الهدنة الإنسانية بعد زيارة الفريق أول البرهان المملكة العربية السعودية قبل عشرة أيام، لذا فإن السؤال المطروح هو: هل تنجح الهدنة الإنسانية في تجنيب شمال كردفان وجنوبها وولاية النيل الأزرق مصير الفاشر ومدن غرب كردفان؟.. أم سيتكرر السيناريو؟
النيل الأزرق مظاهر حصار
مصادر متطابقة أكدت لـ(ديسمبر) أن قوات الدعم السريع كثفت وجودها بشكل لافت خلال الشهر الأخير في المناطق المجاورة لمدينة الدمازين. وقال مصدر محلي: “في المناطق التي تسيطر عليها الحركة الشعبية وما حولها انتشرت قوات الدعم السريع بشكل كثيف”، وزاد بأن القوات التي دخلت إلى المناطق المسيطر عليها من قبل قوات الحركة تقدر بأكثر من (6) آلاف مقاتل”.
وتسيطر الحركة على عدد من مناطق محلية الكرمك جنوب النيل الأزرق منذ يونيو 2023، ولا تزال تحت سيطرتها، وهي (خور البودي -ديم منصور- جرط غرب) واستولت في نوفمبر 2024 على عدد من مناطق محلية باو وهي (مغجة – بالدقو – مِدِل). ساعد وجود قوات الحركة التاريخي في المنطقة على تمدد الدعم السريع عقب التنسيق العسكري المشترك بين قوات الحركة الشعبية التي يقودها في إقليم النيل الأزرق الجنرال جوزيف توكا وقوات الدعم السريع، والتي تجلت في توقيع تحالف مشترك في نيروبي عرف باسم “تحالف تأسيس”.
من المؤكد أن الإعداد المنظور للقوات المشتركة بين الحركة الشعبية وقوات الدعم السريع يستهدف في المقام الأول مدينة الدمازين، بعد سيطرة القوات على الحدود الجنوبية للنيل الأزرق ومنطقة الكرمك الرابطة بين الحدود مع جنوب السودان والأراضي الإثيوبية. وشهد الأسبوع الأول من ديسمبر الجاري هجوماً مكثفاً من الدعم السريع على الدمازين استهدف محطات الكهرباء عبر المسيرات، غير أنه خلق حالة هلع بالغة وسط السكان، خاصة مع تواتر أنباء عن تحشيد قوات الحركة الشعبية والدعم السريع على تخوم مدينة الدمازين، وبعد الانتهاكات التي صاحبت سيطرة الدعم السريع على الفاشر.
وفي مطابقة لسيناريو الحصار بدأ المدنيون في النزوح من القرى المجاورة إلى داخل مدينة الدمازين بحثاً عن الأمن والمساعدات الإنسانية. وجاء في تقرير للأمم المتحدة أن تقديرات السلطات المحلية تشير إلى أن أربعة آلاف نازح من منطقة أولو وبلدات أخرى في منطقة باو يتجهون نحو مدينة الدمازين، عاصمة الولاية، التي تبعد عنها حوالي 230 كيلومتر.
وقال المتحدث باسم الأمم المتحدة ستيفان دوجاريك إن حوالي 600 شخص وصلوا إلى مدينة الدمازين حتى الآن، وإنهم يقيمون في موقع للنازحين. وفي ذات الوقت تستمر محاولات الاختراق الاستخباراتي من قبل الدعم السريع استعداداً لتطبيق استراتيجية الحصار القائمة على قطع الإمداد. وقال مصدر من سكان المدينة لـ(ديسمبر) إن “الدمازين المدينة باتت مزدحمة بالنازحين من سكان القرى المجاورة وسط مخاوف من اختراقات استخباراتية في ظل هشاشة أمنية”.
الجيوسياسي للنيل الأزرق
أهمية ولاية النيل الأزرق الجغرافية في هذه اللحظة من عمر المعركة تتفوق على غيرها من المناطق، وبالذات بعد تحكم الدعم السريع في حدود السودان الغربية بالكامل عقب السيطرة على دارفور، إلى جانب سيطرته على أجزاء من الحدود الجنوبية، وولاية النيل الأزرق تربط السودان بدولة إثيوبيا، ومعلوم أن علاقة الأخيرة بحكومة بورتسودان ليست في أفضل حالتها، وبسط الدعم السريع سيطرته عليها يوفر له عمقاً جغرافياً وإستراتيجياً جديد، كما أن ذلك يعني السيطرة على منطقة مائية بالغة الأهمية للسودان وللإقليم، وهي منطقة دخول نهر النيل الأزرق إلى البلاد وخزان الروصيرص الذي يعد أهم من مصادر إنتاج الكهرباء في السودان. ويرى كثير من المحللين أن الخطوط الحمراء التي أعلنت عنها جمهورية مصر العربية لها ارتباط مباشر مع تحركات قوات الدعم السريع في النيل الأزرق. لا شك أن المخاوف المصرية مبررة بعد انسحاب قوات الجيش من منطقة هجليج لصالح الدعم السريع، على الرغم من أهمية المنطقة اقتصادياً، والأكثر أهمية ارتباط ولاية النيل الأزرق مع الولايات الشرقية في القضارف وكسلا وبورتسودان، وهي ولايات تعد آمنة وبعيدة من المعارك المباشرة، وفي حالة السيطرة على الدمازين تصبح أقرب إلى مخاطر الحرب.

شمال كردفان.. ابتدأ الحصار
تمسك الدعم السريع بالسيطرة على مدينة بارا ومناطق أم صميمة والعيارة وأبو قعود، ومنطقة أم دم حاج أحمد، وسيطرته مؤخراً على منطقة علوب المجاورة لمدينة الرهد. تمسك الدعم السريع بهذه المناطق ما هو إلا تمهيد لاجتياح مدينة الأبيض، أكبر مدن شمال كردفان، وتنفيذ الإستراتيجية في معركة الأبيض أمر معلن ومصرح به من الدعم السريع.
كما أن السيطرة على القرى والبلدات الصغيرة، التي تتمركز فيها قوات ضاربة للجيش، أصاب بها الدعم السريع أكثر من فائدة؛ أولها تأمين مناطق سيطرته في دارفور، إذ تعد مناطق غرب وشمال كردفان منطقة عازلة تعمد الدعم السريع التمترس فيها وجعلها منطقة ملتهبة حتى يقطع الطريق أمام محاولات تحرك الجيش نحو دارفور. كما أن نزوح المواطنين من القرى إلى داخل المدن يسبب ضغطاً كبيراً على الجيش وحكومة الأمر الواقع، والأهم أنه يوفر فرصة للحصار وقطع الطريق.
ويرى خبراء سياسيون أن مدينة الأبيض والرهد وأم روابة لن تصمد طويلاً حال واصل الدعم السريع السيطرة على القرى وقطع طرق الإمداد المؤدية إليها. وتعتمد الأبيض على الطريق الشمالي الرابط بيها وولاية النيل الأبيض، ومن ثمة أم درمان والعاصمة الخرطوم.
جنوب كردفان: حرب التاريخ
في وضع مشابه لمنطقة النيل الأزرق، تدور المعارك في جنوب كردفان. وقد سهل الوجود التاريخي للحركة الشعبية بقيادة عبد العزيز آدم الحلو مهمة الدعم السريع بعد التحالف بينهما. تسيطر الحركة الشعبية على مناطق واسعة في جنوب كردفان وخاصة مناطق كاودا وهيبان، وتدير تلك المناطق بمعزل عن الحكومة المركزية منذ سنوات. وظلت الحركة الشعبية حريصة على السيطرة على مدينة كادقلي التي تعد عاصمة الإقليم غير أن قوتها لم تكن توفر لها هذه الفرصة مع وجود دفاعات قوية من الجيش، إضافة إلى وجود حاميات عسكرية كبيرة فيها وفي مدينة الدلنج التي تقع في الطريق إلى الأبيض شمالاً. وتعد كادقلي والدلنج من المدن الكبرى في جنوب كردفان، والسيطرة عليهما تعني السيطرة على جنوب كردفان لحد كبير. وفي الأسابيع الأخيرة سيطرت القوات المشتركة على مناطق عديدة حول مدينة كادقلي والدلنج.
ووفق مصادر ميدانية، سيطرت قوات الدعم السريع على بلدة برنو التابعة لكادقلي ثم على مدينة أم عروق المجاورة، وأدى ذلك إلى إجلاء موظفي المنظمات الإنسانية من كادقلي، التي تتعرض لقصف مدفعي وهجمات بطائرات مسيّرة تنفذها قوات الدعم السريع بالتنسيق مع الحركة الشعبية. وقالت مصادر محلية إن المنظمات نقلت موظفيها إلى خارج المدينة بعد تهديدات باجتياحها، فيما تزايدت حركة نزوح المدنيين نحو مناطق مختلفة، خصوصاً باتجاه مناطق الحركة الشعبية في كاودا، وأعلنت بعثة الأمم المتحدة المؤقتة في أبيي إخلاء قاعدتها اللوجيستية في كادقلي الجمعة بعد هجوم جوي استهدف المدينة وأسفر عن سقوط قتلى وجرحى من عناصرها.
وينظر الخبراء العسكريون إلى أن حصار كادقلي والدلنج حصاراً كاملاً واجتياح الدعم السريع للمدينتين بات سهلاً وفقاً للتطورات الميدانية، وتنشط مبادرات أهلية لتحاشي الهجوم، في محاولة لفرض حلول أهلية ومجتمعية تجنب المدنيين الانتهاكات والعنف المحتمل.
هل تنقذ الهدنة الإنسانية المدنيين؟
سبق هجوم الدعم السريع على مدينة الفاشر، مباحثات غير مباشرة في واشنطن لفرض هدنة إنسانية، وافق عليها الدعم السريع بينما رفضها الجيش، وفي صبيحة فشل المفاوضات اجتاح الدعم السريع المدينة. والأسبوع الماضي زار القائد العام للجيش الفريق أول عبد الفتاح البرهان المملكة العربية السعودية، والتقى خلال الزيارة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، في وجود كبير مستشاري دونالد ترمب مسعد بولس، وعرضت الهدنة الإنسانية مرة أخرى على البرهان، وينتظر أن يعلن موقفه منها خلال أيام. وفي حال موافقة الجيش عليها سيؤدي ذلك إلى تغيير السيناريوهات المتوقعة في كردفان والنيل الأزرق، وعندها ستكون الهدنة بمثابة منقذ للمدنيين من مصائر مؤلمة، وفي حال رفضت الهدنة فلسنا بعيدين من مصير الفاشر وبابنوسة وغيرهما من المدن.