ميثاق القاهرة: حين فرضت النقاشات لغتها على النص السياسي

ميثاق القاهرة: حين فرضت النقاشات لغتها على النص السياسي

كيف تحوّلت الخلافات داخل القاعة إلى نص توافقي وسّع دائرة الإجماع المدني؟

القاهرة – (ديسمبر)

لم يكن الإعلان عن ميثاق القاهرة لحظة احتفالية عابرة، ولا بيانًا سياسيًا تقليديًا في زمن الحرب، بل جاء خلاصة لمسار طويل من النقاشات المكثفة، عكست عمق الأزمة التي تواجهها القوى المدنية السودانية، وهي تحاول إعادة تنظيم صفوفها في واحدة من أكثر اللحظات خطورة منذ استقلال البلاد.

الميثاق، الذي خرج في 4 يناير 2026، بوصفه وثيقة جامعة لوقف الحرب واستعادة المسار المدني الديمقراطي، لم يُكتب بمعزل عن السياق العام، ولم يُصَغ كمنتج نهائي مغلق، بل تشكّل عبر حوار مفتوح شارك فيه ممثلون لأحزاب سياسية، وأجسام نقابية ومهنية، وكيانات شبابية ونسوية، ومنظمات مجتمع مدني ومجموعات ضغط، في محاولة واعية لإدارة الخلافات بدل إنكارها، وتحويل التباينات إلى مدخل للتوافق لا سببًا للانقسام.

صحيفة (ديسمبر) كانت حاضرة جلسات النقاش التي سبقت الإعلان عن الميثاق بالقاهرة، والتي دعت إليها القيادة المركزية العليا للضباط وضباط الصف والجنود المتقاعدين (تضامن)، ووقفت على تفاصيل الجدل الذي دار حول المسودة الأولية، قبل أن تخرج الصيغة النهائية التي حملت بوضوح بصمات تلك النقاشات.

 

من القطيعة إلى البداية الجديدة

أدار الجلسات الخبير القانوني الطيب العباسي، الذي حرص منذ البداية على وضع إطار إجرائي للنقاش، مؤكدًا أن الميثاق لا يهدف إلى تصفية الحسابات بين الأجسام المدنية، ولا إلى إعادة إنتاج خلافات ما قبل الحرب، بل يسعى إلى طيّ صفحة الماضي وإعلان بداية جديدة بين كل القوى الوطنية المؤمنة بأهداف ثورة ديسمبر والرافضة لاستمرار الحرب.

هذا التحديد المسبق للغرض من الميثاق أسهم في توجيه النقاش نحو البحث عن المشترك، لا الغرق في سرديات الفشل، وفتح المجال أمام مراجعة اللغة السياسية السائدة، التي رأى كثيرون أنها أسهمت في تعميق الانقسام داخل المعسكر المدني.

 

الدولة بين السند الدستوري وخطاب الحرب

شكَّل الشق القانوني أحد أعمدة النقاش الأساسية. فقد استحضر أحد المشاركين السند التشريعي الأصلي للدولة السودانية الصادر عام 1956، والذي أقر أن يكون مجلس سيادة الدولة مدنيًا خالصًا، مشيرًا إلى أن حالات فراغ السلطة – كما هي الحال بعد اندلاع الحرب – تُدار عبر أجهزة الخدمة العامة ذات الطبيعة المستدامة.

وشدد المتحدث على أن ابتداع أسانيد دستورية جديدة مرفوض، معتبرًا أن أي محاولة للالتفاف على الأساس الذي تأسست عليه الدولة لا تؤدي إلا إلى تعميق الأزمة، وأن العودة إلى المرجعيات الأصلية تمثل شرطًا ضروريًا لاستعادة المسار المدني.

في السياق ذاته، طُرح سؤال العلاقة بين القانون والسياسة في زمن الحرب، حيث رأى مشاركون أن وقف القتال لا ينفصل عن هزيمة خطاب الحرب نفسه. وأكد أحد المشاركين، أن توحيد القوى المدنية حول خطاب سلام واضح ومشترك يمثل الخطوة الأولى على طريق إنهاء الصراع، وهو ما دفع إلى تقديم أولوية وقف الحرب وحماية المدنيين على سائر القضايا.

ومن جانبه عبّر القيادي بحزب الأمة القومي، عبد الجليل الباشا، عن تقديره لمبادرة (تضامن) التي قادت مسار توحيد القوى المدنية، معتبرًا أن استمرار الحروب الداخلية بعد أكثر من سبعين عامًا على الاستقلال يعكس فشلًا مزمنًا في الإجابة على الأسئلة الوجودية للدولة السودانية.

وأشار إلى أن ميثاق القاهرة يمثل حدًا أدنى للتوافق بين القوى الوطنية، لكنه شدد على أن قيمة الوثيقة لا تُقاس بنصها وحده، بل بقدرتها على التحول إلى برنامج عمل، محذرًا من الاكتفاء بإنتاج البيانات دون ترجمتها إلى أنشطة سياسية منظمة، لا سيما في ما يتعلق بوقف الحرب.

 

اللغة بوصفها ساحة صراع

إحدى أكثر النقاط التي أثّرت على إعادة صياغة الميثاق تمثلت في الجدل حول اللغة والمفاهيم.

فقد رأى عدد من المشاركين أن مصطلح “القوى المدنية” جاء فضفاضًا، واقترحوا ضبطه ليشمل صراحة القوى المؤمنة بثورة ديسمبر والرافضة للحرب منذ اندلاعها.

الصادق علي حسن، ممثل المجموعة السودانية للدفاع عن الحقوق والحريات، انتقد المسودة الأولية لإغفالها توصيف الواقع الإنساني الكارثي، داعيًا إلى تضمين فقرة واضحة عن الدماء التي تسيل، والنازحين واللاجئين، والمسحوقين، باعتبار ذلك ضرورة سياسية وأخلاقية في آن واحد.

كما طالب بضبط العبارات ذات الطابع الاقصائي، مثل “قوى الظلام”، عبر تحديد المقصود بها، واقترح استبدال تعبير “استعادة الحكم الديمقراطي” بعبارات أكثر دقة قانونيًا مثل “استعادة الوضع الدستوري” أو “المسار المدني الديمقراطي”، وهي ملاحظات تركت أثرًا مباشرًا في الصيغة النهائية.

وطالب رئيس حزب المؤتمر السوداني يوسف الدقير بضرورة ضبط المفاهيم وإعادة صياغة الوثيقة بما يضمن تعبيرها عن كافة وجهات النظر وشمولها على كل الملاحظات بالشكل الذي يضمن وضعها كوثيقة تاريخية تضاف إلى سفر الأدب السياسي للدولة السودانية كما أشار إلى ضرورة مراجعة البند الذي احتوى على تأييد إعلان نيروبي على اعتبار عن بعض الملاحظات طالبت بحذف الفقرة على أن تشمل الصياغة كافة المبادرات التي تصب في وحدة القوى الوطنية.

 

الالتزام الأخلاقي وسؤال التجديد

كمال بولاد، القيادي بحزب البعث، رأى أن الميثاق ينبغي قراءته بوصفه التزامًا أخلاقيًا قبل أن يكون وثيقة قانونية، مؤكدًا أن الوصول إلى هذا الحد الأدنى من التوافق تطلّب جهودًا كبيرة في ظل المسافات الواسعة التي كانت تفصل بين الأحزاب السياسية فيما بينها، والأجسام النقابية والمهنية فيما بينها ومن ثم إدارة خلافات كل هذه المكونات بين بعضها البعض.

وفي المقابل، عبّر الحضور الشبابي عن مواقف أكثر نقدية. فقد أعلن ممثل الشبكة الشبابية السودانية لإنهاء الحرب والتحول المدني الديمقراطي، تأجيل توقيعهم على الميثاق، مبررًا ذلك بالحاجة إلى مزيد من المشاورات، في ظل شعور قطاعات شبابية بتكرار الخطاب والوجوه والمبادرات خلال السنوات الأخيرة.

وأكد المتحدث أن فتح باب التوقيع في أي وقت يمنح الميثاق فرصة لاستيعاب مجموعات جديدة، مشددًا على أن الشباب يظلون عنصرًا حاسمًا في أي مسار تغيير، شرط أن يكونوا جزءًا من الصياغة والتنفيذ معًا.

 

وثيقة إدارة الخلاف

في محصلته، يكشف ميثاق القاهرة، من خلال مقارنة مسودته الأولى وما انطوت عليه من تفاصيل، بصيغتها النهائية التي طُرحت إلى الملأ في نص تشكّل عبر إدارة الخلاف وتسويته وليس إنكاره.

فقد خفّت حدة اللغة، واتسعت دائرة المخاطَبين، وأُدرجت قضايا الإعلام والنساء والشباب، وتحولت نقاط التباين من عائق إلى عنصر مُدار داخل وثيقة واحدة.

الميثاق بالضرورة لا يقدّم نفسه كحل نهائي لأزمة السودان، بل كأرضية مشتركة يمكن البناء عليها. فهو في جوهره عبارة عن وثيقة تاريخية تعترف بثقل اللحظة وعمق التباينات، لكنها تراهن على أن وحدة الحد الأدنى قد تكون الممر الأخير والآمن لإيقاف الحرب واستعادة المسار المدني، في بلد يقف على حافة التفكك والانهيار.

 

النص الكامل

ميثاق القاهرة

لوقف الحرب وتحقيق مقاصد الثورة واستعادة المسار الدستوري المدني الديمقراطي

 

ديباجة:

  • استلهاماً لأهداف ثورة ديسمبر المجيدة ومبادئها في الحرية والسلام والعدالة، والتزاماً بأن الشرعية للشعب السوداني عبر إرادة حرة وشفافة؛
  • وعياً بحساسية اللحظة التاريخية التي يمر بها السودان، حيث تقف البلاد على حافة التفكك والتمزق والانهيار المؤسسي الشامل، وتواجه أخطر تهديد لوحدتها منذ الاستقلال، فلا مناص إلا بعودة الحكم الدستوري المدني الديمقراطي؛
  • إدراكاً بأن الحرب الحالية كشفت حجم الدمار والفساد والاستبداد الذي قاد مؤسسات الدولة للتفكك، مما يجعل العمل على إيقافها قضية مركزية ومقدمة على غيرها منعاً لسيناريوهات التفتيت والتشظي الشاخصة، ومن ثم بناء دولة مدنية ديمقراطية تعبر عن جميع السودانيين/ات؛
  • إصراراً على محاسبة من تسبب في الحرب وانتهاكاتها، ومنعا لعودة الفساد والاستبداد بأي صيغة؛
  • اعترافاً بأهمية تكامل الدور الوطني مع الجهود والمبادرات الإقليمية والدولية وتوجيهها لمصلحة السودانيين/ات، وعلى رأسها الآلية الرباعية، من دعوة لوقف الحرب، وتوصيل المساعدات الإنسانية، وبناء السلطة المدنية، وإصلاح المنظومة العسكرية والأمنية؛
  • استكمالا للجهود والحوارات التي انتظمت لتوحيد القوى المدنية الرافضة للانقلاب والحرب وتعمل من أجل إنهائها وتحقيق مقاصد الثورة واستعادة الحكم الدستوري المدني الديمقراطي؛

نعلن التزامنا بالتالي:

  1. التمسك بوحدة السودان أرضاً وشعباً باعتبارها قضية لا مساومة عليها.
  2. الأولوية القصوى للقوى المدنية تتمثل في وقف الحرب وحماية المدنيين ومجابهة الكارثة الإنسانية وتخفيف معاناة شعبنا.
  3. الالتزام بمبدأ العدالة وعدم الإفلات من العقاب وجبر الضرر.
  4. الالتزام الكامل قولاً وفعلاً بوحدة الصوت المدني، كخطوة لا تقبل التأجيل لوحدة المركز المدني من أجل إيقاف الحرب وإعادة بناء الدولة ومؤسساتها.
  5. الالتزام بضمان مشاركة عادلة وفاعلة للنساء والشباب في كافة عمليات صنع السلام والعملية السياسية والحكم الانتقالي.
  6. دعم أي جهود لوقف الحرب وحق السودانيين/ات في استعادة المؤسسات الدستورية وعلى رأسها الآلية الرباعية، ومساعيها لوقف الحرب ومجابهة الكارثة الإنسانية ودعم حكومة مدنية ديمقراطية.
  7. التأكيد على أن وحدة القوى المدنية على أسس جديدة للعمل الوطني هدف نسعى له، وأن الحوار الجاد آلية لبناء مركز مدني موحد، وأن التنسيق وسيلة لتطوير أنماط التفكير وتجسير الهُوَّة وصولاً إلى رؤية سياسية موحدة وبرنامج عمل مشترك. وعليه نعمل على استمرار عملية حوار شفاف بين القوى المدنية، بكل مكوناتها الحزبية والنقابية والشبابية والنسوية والمجتمع التقليدي والمجتمع المدني، يقوم على نقد التجارب السابقة، وترسيخ القواسم المشتركة، وإدارة التباينات بروح وطنية خالصة، تتجنب الاستقطاب والانقسامات، وتعزز الثقة وثقافة التسامح والتعاون.
  8. الامتناع عن استخدام أي لغة تحريضية أو استقطابية، ونبذ خطاب الكراهية والعنصرية، والدعوة الصادقة للسلام والتماسك الوطني.
  9. الاستخدام المسئول لوسائل الإعلام والتواصل والعمل المشترك وفق رسالة إعلامية موحدة ضد الحرب ومشعليها، ووقف التراشق الإعلامي، وتبني خطاب سياسي للحفاظ على وحدة البلاد ورفض الحرب ودعم السلام والاستقرار.
  10. توحيد الرسالة السياسية الدبلوماسية التي تؤكد على دور المجتمع الإقليمي والدولي وجهوده لوقف الحرب واستعادة الحكم الدستوري المدني الديمقراطي وفق إرادة وطنية خالصة.
  11. تطوير إعلان المبادئ السوداني الموقَّع في نيروبي كخطوة مهمة في توحيد الصوت المدني.
  12. التنسيق المشترك على مستوى الأهداف والأنشطة، وفق ما ورد في هذا الميثاق، كلٌّ من موقعه في التحالفات السياسية الراهنة، بما يعزِّز بناء مركز موحد لعودة الحياة المدنية والأمان والاستقرار وإسكات صوت الرصاص.

 

القاهرة – الرابع من يناير 2026

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *