بعد تداعيات (اليمن) و(أوكرانيا) و(فنزويلا)
(الرباعية) قد تتأخر لكنها سوف تأتي!!
كتب المحرر السياسي

تطورات متصاعدة شهدتها اليمن في منطقة حضرموت شرقي البلاد وصلت إلى مرحلة الانفجار العنيف الذي قاد أبرز قادة تحالف دعم الشرعية ممثلاً في المملكة العربية السعودية ودولة الامارات العربية المتحدة للدخول في مواجهة علنية في ما بينهما، بلغت ذروتها بالغارة الجوية التي شنها الطيران السعودي على ميناء المكلا مستهدفاً شحنة من السيارات القادمة من ميناء الفجيرة الإماراتي، وما سبق ذلك من مطالبة رئيس المجلس الرئاسي اليمني رشاد العليمي القوات الإماراتية بالخروج من الأراضي اليمنية.
خرجت الأزمة الحالية للسطح وانخرطت كل من الرياض وأبوظبي خلال الأسبوع الماضي في تبادل الانتقادات الغاضبة بينهما. وتلاحظ في البيانات الصادرة عن العاصمتين تسمية مباشرة لكل طرف، دون مواربة. ورغم الحرص في البيانات بينهما على ترك الباب موارباً للوصول لحلول بشكل متراضىً عليه، فإن نبرة “غاضبة ومحبطة والعتاب” تجاه الآخر برزت في ثنايا البيانات المتبادلة بينهما جراء هذه الأزمة.
طلب سعودي
أصدر رئيس مجلس القيادة الرئاسي في اليمن رشاد العليمي مرسوماً يوم أمس الأول الثلاثاء قضى بإلغاء اتفاقية الدفاع المشترك مع الإمارات، وشددت المادة الثانية من من المرسوم على خروج القوات الإماراتية ومنسوبيها كافة من الأراضي اليمنية كافة خلال (24) ساعة، وكلّف القرار في مادته الثالثة قوات درع الوطن بالتحرك وتسلم المعسكرات كافة في محافظتي حضرموت والمهرة.
شهد ذات اليوم عقد اجتماع لمجلس الوزراء السعودي بالعاصمة الرياض ترأسه العاهل السعودي الملك سلمان بن عبدالعزيز. نقلت وكالة الأنباء السعودية (واس) عن وزير الإعلام سلمان بن يوسف الدوسري قوله إن الاجتماع أعرب عن أسفه لما آلت إليه جهود التهدئة وما تلاها من تصعيد لا ينسجم مع وعود أبوظبي، حيث أعرب المجلس عن أمله في سيادة الحكمة وتغليب مبادئ الأخوة وحسن الجوار والعلاقات الوثيقة باستجابة أبو ظبي لطلب رئيس المجلس الرئاسي بخروج القوات الإماراتية من اليمن خلال (24) ساعة، وإيقاف أي دعم عسكري أو مالي للمجلس الانتقالي أو أي طرف آخر داخل اليمن.
اللجوء للتصعيد
لم تصمت أبو ظبي، فقد أصدرت وزارة الخارجية الإماراتية في يوم الثلاثاء 30 ديسمبر بياناً تضمن رداً على البيان الصادر من المملكة العربية السعودية “الشقيقة” منتقدة ما تضمنه من “مغالطات جوهرية حول دور دولة الإمارات في الأحداث الجارية في الجمهورية اليمنية”. وفند البيان العديد من الاتهامات وفسر الوقائع خاصة المتصلة بشحنة المعدات التي تم الهجوم عليها في ميناء المكلا بواسطة الطيران الحربي السعودي، مشيرةً لوجود” تنسيق عالي المستوى بشأن هذه العربات بين دولة الإمارات والأشقاء في المملكة العربية السعودية، والاتفاق على أن المركبات لن تخرج من الميناء، إلا أن دولة الامارات فوجئت باستهدافها في ميناء المكلا”.
بالتوازي مع تلك التطورات قام (4) أعضاء من المجلس الرئاسي اليمني المكون من (8) أعضاء –وهم اللواء عيدروس الزبيدي واللواء أبو زرعة المحرمي واللواء فرج البحسني والفريق طارق صالح- بإصدار بيان اعتبروا قرار رئيس المجلس الرئاسي بإعلان حالة الطوارئ وإلغاء اتفاق الدفاع المشترك مع الإمارات “يعد مخالفة صريحة لإعلان نقل السلطة الذي ينص على اتخاذ المجلس قراراته بالتوافق أو بالأغلبية عند تعذر التوافق”، وأضافوا إن “أي قرارات تصدر خارج هذا الإطار الجماعي تفتقر إلى السند الدستوري والقانوني، ويتحمّل من أصدرها المسؤولية الكاملة عن ما يترتب عليها من تداعيات”.
لعل هذه المؤشرات بالإضافة للتحركات الشعبية المساندة للمجلس الانتقالي المنادي باستقلال جنوب اليمن من جهة، وحلف قبائل حضرموت من جهة أخرى، الذي ينادي بحكم ذاتي للمحافظة في إطار اليمن الموحد حملت في سياقها العام مؤشرات تصعيد قادم بين مختلف الأطراف إعلامي وسياسي وعسكري.
خطوات للتهدئة
في ظل تلك الأجواء التي حملت تصعيداً كبيراً قامت وزارة الدفاع الإماراتية بإصدار بيان لاحق في نفس اليوم أشار لإنهاء وجودها العسكري باليمن منذ العام 2019م بعد استكمال المهام المحددة لها ضمن إطار مشاركتها في التحالف العربي الداعم للشرعية واقتصار وجودها منذ ذلك التاريخ على فرق خاصة بمكافحة الإرهاب، حيث أعلنت وزارة الدفاع الاماراتية في البيان عن إنهاء ما تبقى من وجود فرقها الخاصة بمكافحة الإرهاب في اليمن بمحض إرادتها بما يضمن سلامة عناصر تلك الفرق بالتنسيق مع الشركاء المعنيين.
مثّل هذا الإجراء الإماراتي خطوة فُهم منها توجه نحو التهدئة وتقليل حدة التوتر الذي بات متصاعداً على المستوى الميداني، خاصة بعد الغارات على ميناء المكلا، وإعلامياً وسياسياً بالتصعيد المتزايد.
اتصالات أمريكية
كشفت مصادر إعلامية أمريكية عن إجراء وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو اتصالين هاتفيين بكل من نظيره الإماراتي عبدالله بن زايد -الذي يشغل موقع نائب رئيس الوزراء- ووزير الخارجية السعودي فيصل بن فرحان خلال يوم أمس الأول الثلاثاء، ومن سياق نشر الخبر يبدو أنه تم في ليل ذات اليوم.
وقالت وكالة أنباء الإمارات الرسمية (وام) إن الاتصال بين وزيري الخارجية الأمريكي والإماراتي بحث العلاقات الإستراتيجية الراسخة بين البلدين، إلى جانب مجمل التطورات الإقليمية، حيث تمت مناقشة الملفات ذات الاهتمام المشترك، من بينها الأوضاع في قطاع غزة والتطورات الأخيرة في اليمن”. وطبقاً لـ(وام) فإن وزير الخارجية الإماراتي أكد خلال تلك المكالمة التزام بلاده الراسخ بـ”العمل مع الولايات المتحدة الأمريكية الصديقة وكافة شركائها، من أجل بناء السلام المستدام في المنطقة وترسيخ الأمن والاستقرار لمصلحة شعوبها”.
بالنسبة لوكالة الأنباء السعودية الرسمية (واس) فقد أشارت لإجراء وزير الخارجية السعودي فيصل بن فرحان لاتصال هاتفي بنظيره الأمريكي ماركو روبيو، وأشارت (واس) لبحث هذا الاتصال تطورات الأوضاع في المنطقة والجهود المبذولة في شأنها.
تلاحظ في خبر وكالة الأنباء السعودية الرسمية (واس) أمران؛ أولهما الإشارة لإجراء المكالمة بواسطة وزير الخارجية السعودي، أما ثانيهما فالإشارة لبحث تطورات الأوضاع في المنطقة والجهود المبذولة دون الإشارة لأزمة “اليمن”.
في هذا السياق نجد أن بيان المتحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية تومي بيغوت قدم مزيداً من التفاصيل لهاتين المكالمتين من خلال إشارته لبحث هذين الاتصالين “التوترات المستمرة الحاصلة في اليمن، ومناقشة القضايا التي تؤثر على الأمن والاستقرار الإقليميين”، وأضاف: “تمت مناقشة الوضع في اليمن وقضايا أوسع نطاقاً تؤثر على الأمن والاستقرار في الشرق الأوسط”.

خفض التوتر
عند ربط الوقائع التي جرت خلال يوم أمس الأول الثلاثاء، بما في ذلك اتصال وزير الخارجية الأمريكي بنظيريه السعودي والإماراتي يمكن أن نستنتج وجود تحركات وخطوات هدفت لخفض التوتر بين الأطراف المختلفة، خاصة الرياض وأبوظبي لضمان عدم انزلاق الأوضاع إلى مواجهة ذات طابع عسكري مباشر أو بالوكالة في ما بينهما بالمنطقة، خاصة بعد عملية الهجوم على ميناء المكلا من خلال قيام أبوظبي بإعلان سحب وجودها العسكري باليمن.
من الضرورة الإشارة في ذات السياق إلى أن هذه التحركات قد تكون نجحت في تجنب تصاعد وتطور الخلافات ووصوله إلى مرحلة الصدام العسكري. لكن يتضح أن الأزمة قائمة لم تنتهِ وعادت مجدداً صوب التباين السياسي، مع تلاحظ تخفيف حدة التناول الإعلامي للملف اليمني في المنصات الإعلامية التابعة للطرفين بشكل أقل من الفترة الأخيرة.
تكتيكات “بورتسودان”
منذ بداية الأزمة وضح مسعى سلطة بورتسودان لتوظيفها، باعتبار أن معركتها الأساسية تختزلها في كل الأوقات تجاه أبوظبي. ولعل أبرز التطورات في هذا السياق قيام قائد الجيش الفريق أول ركن عبدالفتاح البرهان بتوجيه انتقادات لأبوظبي خلال لقاء عقده مع سودانيين بمقر السفارة السودانية بالعاصمة التركية أنقرة. إذ ظل خلال الفترة التي تلت اندلاع الحرب يكلف مساعده الفريق أول ياسر العطا بالقيام بهذا الدور، لكنه هذه المرة قرر التصدي للأمر بشخصه.
تراهن سلطة بورتسودان على إمكان تعميق هذا الخلاف بين أبوظبي والرياض بحيث يعود الأمر لصالحها من خلالها اعتبارها من قبل الثانية حليفاً موثوقاً للتصدي لتطلعات وطموح الأولى المتهَمة بمساندة الدعم السريع، وبالتالي معادلة الكفة من خلال دعم الجيش وحلفائه كمعركة غير مباشرة يتم خوضها تحت راية “مهمة وقف التغول والتمدد الإماراتي بالمنطقة إنابة عن السعودية”.
تتطلع سلطة بورتسودان في ذات الوقت لتأثير هذا التنازع على مسار الآلية الرباعية الذي ترفضه وتناور بصور شتى للالتفاف عليه، تارة بطلب “مهلة لتوفيق الأوضاع” أو “اقتراح التطوير والتوسعة”، أو “الاحتجاج على وجود الإمارات”، أو كما حدث مؤخراً “التمسك بطرح جوانب تفصيلية غير متفق عليها كالتي طرحها رئيس وزراء السلطة مؤخراً في نيويورك”. ورغم اختلاف أشكال هذه التكتيكات لكنها تتفق في جوهرها في كونها تهدف لتقويض وإعاقة مسار الرباعية، أو في الحد الأدنى إيقاف قوة دفعها من خلال إدخالها غرفة (الإنعاش) حتى يطويها النسيان أو تتجاوزها الأحداث.
الافتراضات الخاطئة
لعل ما تمت الإشارة إليه سابقاً تفسر أسباب تخصيص منصات إعلام مناصري معسكر بورتسودان خلال الأيام الماضية جزءًا كبيراً من منشوراتهم لتسليط الضوء والتفاعل مع تطورات الأوضاع في اليمن، وتصوير الأمر وكأنه جزء من حرب السودان، عبر تحليلات رغائبية ماثلت إظهار الشماتة على خسارة المنتخب الإماراتي لأي مباريات في البطولات المختلفة والاحتفاء به بشكل هستيري، رغم ابتعاد معطيات هذا الحدث الرياضي عن دائرة التباين والخلاف السياسي ودائرة تأثيره سلباً أو إيجاباً.
كان هذا الخلاف بين الرياض وأبوظبي سيكون ذا تأثير على مسار الحرب في السودان إذا ما كان الطرفان في ذات التصنيف المشترك في معسكر واحد مع أو ضد أو كانا ضمن النطاق الجغرافي السوداني المؤثر على مسار الحرب أسوة بتجربة الحرب الإثيوبية الإريترية الأولى (1998م) والثانية (2000م) اللتين أثرتا على المواجهات العسكرية بين قوات التجمع الوطني الديمقراطي في جبهة النيل الأزرق وشرق السودان، والتي استفاد منها نظام الإنقاذ باستعادة مناطق واسعة بالنيل الأزرق وشرق السودان بفضل تحول الموقف الإثيوبي من دعم قوات التجمع لفتح المسار للجيش السوداني لاستعادة السيطرة على تلك المناطق، وتوظيف العمليات العسكرية بعمق الأراضي الإريترية لتغول الجيش السوداني.
في ذات الوقت فإن نزع فتيل الأزمة بعدم تطورها لمواجهة مسلحة مباشرة بين الطرفين –حسب ما يمكن التوصل إليه من واقع التطورات على الأرض وتقليل حدة التناول الإعلامي والاتصال الأمريكي بالبلدين- يفهم من سياقه محاصرة الأزمة وضمان عدم انتقالها لمرحلة المواجهة المباشرة وجعلها في المرحلة الحالية في حدود الخلاف السياسي بعيداً عن أي تصعيد مسلح عسكري بينهما.
تأثر الرباعية
من المؤكد أن مسار الرباعية سيصاب ببعض التعثر والتأخر جراء هذا التنازع بين الرياض وأبوظبي. ويمكن الاستدلال في هذا السياق بأن اللقاءات الثلاثة الأخيرة التي جمعت وزيري الخارجية الأمريكي والإماراتي قبل يوم أمس الأول الثلاثاء شهدت إشارة لقضية وجهود وقف الحرب في السودان، إلا أن تداعيات الأزمة السودانية لم تحظَ بالأولوية في المكالمة الأخيرة يوم الثلاثين من ديسمبر الماضي.
في ذات الوقت فإن الاهتمامات الأمريكية لعوامل مختلفة جعلت الملف السوداني يتراجع درجات في سلم الأولويات لدى كل مكونات الرباعية، إذ شهدنا خلال الأسبوع الأخير من ديسمبر الماضي تركيز على ثلاث ملفات تتمثل في “غزة/ أوكرانيا ثم فنزويلا”، وفي ظل الانشغال بتطورات أزمة اليمن الأخيرة ثم الملف الإقليمي المستجد الخاص بالاعتراف الإسرائيلي بصومال لاند الذي يحظى باهتمام سعودي/ مصري نجد أن كل أطراف الرباعية باتوا منغمسين في ملفات تمثل أهمية طغت على التفاعل مع الملف السوداني.

يبدو التوصيف الدقيق إلى أن المعطيات الراهنة تشير لحدوث انحسار بالاهتمام بالشأن السوداني في الوقت الحالي لتطورات ملفات باتت أكثر أهمية لدى أطراف الرباعية المختلفة وهذا يعني إمكانية تراجع الاهتمام بشكل مؤقت، لكن في ذات الوقت فإن الملف السوداني لعوامل عديدة سيكون حاضراً في وقت قريب من ذات النقطة التي توقف عندها ممثلاً في بيان الرباعية في 12 سبتمبر 2025م الذي وضع خارطة ومسار الطريق لوقف الحرب انطلاقاً من نقطة أساسية مفادها أن استمرار حالة عدم الاستقرار بالسودان هو أمر مهدد للاستقرار الإقليمي والدولي، وهو أمر تتضرر عند حدوثه جميع الأطراف، وهذا ما سيترتب عليه الالتفات لهذه الحرب بالبداية من حيث توقف هذا المسعى.
وجاء رد وزارة الخارجية الامريكية على خطاب قائد الجيش الفريق البرهان في تركيا ليؤكد أن ملف السودان لن يسقط من حسابات الإدارة الامريكية. حيث أعربت الولايات المتحدة عن قلق بالغ إزاء الخطاب الصادر عن قيادة القوات المسلحة السودانية الذي يدعو إلى حلول عسكرية للأزمة ويفرض شروطًا مسبقة لأي هدنة. وقال نائب المتحدث الرسمي باسم الخارجية الامريكية تومي بيغوت في تغريدة له على منصة اكس اليوم الثلاثاء “في الوقت الذي يعاني فيه عشرات الملايين من السودانيين، كان ينبغي على القادة العسكريين في السودان السعي إلى مسار نحو السلام لا إلى استمرار الصراع”. وعبر المتحدث الرسمي باسم الخارجية الامريكية “عن قلق بلاده إزاء الخطاب الصادر عن قيادة القوات المسلحة السودانية الذي يدعو إلى حلول عسكرية للأزمة ويفرض شروطًا مسبقة لأي هدنة. واكد إن تحقيق سلام دائم ومستقر يتطلب ترتيبات يتم التوصل إليها عبر التفاوض، تُنهي العنف فورًا، وتُيسّر وصول المساعدات الإنسانية بشكل مستدام، وتضع مسارًا واضحًا نحو التوصل إلى وقف دائم لإطلاق النار وإطلاق حوار مدني”.
إذن ملف الحرب في السودان لن يسقط وسيعود إلى مقدمة الاهتمامات ولو بعض حين. وحينها لا عزاء لدعاة الحرب المتوهمين أن الأحداث الأخيرة ستعزز رؤيتهم لاستمرار الحرب، وحينما تحل تلك اللحظة سيعلمون أن ما حسبوه نهاية للرباعية ومساعيها لوقف الحرب قد اندثر أو انتهى لم يكن سوى تعثر، وبأن (الرباعية) مهما تأخرت فإنها سوف تأتي!!.