الدولة السودانية: قراءة سياسية في الجذور لا في الأحداث (1)
لماذا لم تُحسم فكرة الدولة في السودان؟
بقلم: صفاء الزين
تُفسَّر الأزمات السياسية في السودان عادةً باعتبارها صراعًا على السلطة. غير أن هذا التفسير يتجاوز سؤالًا أعمق يتعلق باستقرار الدولة نفسها منذ نشأتها، فما يتكرر اليوم يعكس بنية دولة لم تُحسم فكرتها، وظلّت السلطة فيها أقوى من العقد السياسي.
هذه المقالة تناقش سؤالًا ظل مؤجّلًا منذ الاستقلال: كيف تشكّلت الدولة السودانية؟، ولماذا بقيت فكرة الدولة نفسها محل نزاع؟.
أولًا: ما الذي نعنيه بـ”الدولة»”
قبل الحديث عن إخفاق الدولة السودانية، يقتضي الأمر التمييز بين مفهومين يُخلط بينهما كثيرًا: السلطة والدولة. في الفكر السياسي الحديث تُعرَّف الدولة، وفق ماكس فيبر، بأنها الكيان الذي يحتكر العنف المشروع داخل إقليم محدد. ويستقر هذا الاحتكار حين يستند إلى شرعية معترف بها اجتماعيًا. فالدولة جهاز سياسي يقوم على فكرة جامعة: عقد سياسي يربط الحاكم بالمحكوم، ويحوّل القوة إلى سلطة مقبولة.
أما السلطة، فتظهر في أشكال متعددة، دون أن تبلغ بالضرورة مرتبة الدولة المكتملة. وقد تحكم جماعة أو مؤسسة أو قائد دون اتفاق واضح على مصدر الشرعية وحدود الحكم. وعند هذه النقطة تبدأ أزمة الدولة في السودان.
ثانيًا: دولة وُلدت إداريًا لا فكريًا
نشأت الدولة السودانية الحديثة في سياق استعماري، حيث انصبّ الاهتمام على الإدارة والسيطرة، مع غياب تصور لبناء عقد سياسي جامع. الدولة التي ورثها السودان عند الاستقلال جاءت نتيجة ترتيبات إدارية جاهزة: حدود مرسومة، مؤسسات قائمة، ونخب وسيطة.
هذا النمط من الدول، كما تصفه أدبيات ما بعد الاستعمار، يمتلك الشكل المؤسسي ويفتقر إلى الأساس الفكري، فلم يُطرح سؤال الدولة بوصفه سؤالًا سياسيًا جامعًا: هل الدولة مركزية أم تعددية؟ ما طبيعة العلاقة بين المركز والأطراف؟ وما مصدر الشرعية: الأمة، الدين، الثورة، أم القوة؟ وفي ظل غياب هذه الأسئلة، تشكّلت تصورات متعددة للدولة داخل كيان واحد، دون توافق على فكرة جامعة تحكم الجميع.
ثالثًا: الشرعية المؤجّلة
منذ الاستقلال تعاقبت في السودان سلطات متعددة دون أن ينجح أيٌّ منها في الوصول إلى شرعية مستقرة. فالحكومات المدنية اتسمت بقصر العمر، بينما حكمت الأنظمة العسكرية تحت مسميات مثل “الضرورة” أو “الإنقاذ” أو “تصحيح المسار”، دون عقد سياسي واضح.
في قراءة فلسفية لهذا الوضع، يرى توماس هوبز أن الدولة تنشأ حين يتنازل الأفراد عن جزء من حريتهم مقابل الأمن. وفي الحالة السودانية، لم يتشكّل هذا التنازل كفعل جماعي واعٍ، وفرضت السلطة غالبًا بالقوة، دون أن تتحول إلى شرعية متوافق عليها. وبهذا الشكل ظلت الدولة في حالة تعليق دائم بين أنماط حكم متعاقبة، دون استقرار مؤسسي طويل الأمد.
رابعًا: العصبية بدل العقد
تُظهر قراءة السياسة السودانية من منظور ابن خلدون أن السلطة قامت في كثير من مراحلها على أشكال مختلفة من العصبية: عسكرية، أيديولوجية، أو جهوية، بدل قيامها على عقد سياسي جامع. فالعصبية تنتج سلطة قوية مؤقتة، وتُحكم السيطرة دون القدرة على بناء دولة مستقرة. ومع تآكل العصبية الحاكمة، تبدأ دورة جديدة من الصراع. وبهذا، تشكّلت الدولة في السودان كساحة للصراع أكثر من كونها إطارًا يعلو فوقه.
خامسًا: لماذا يتكرر الفشل؟
يتكرر الفشل السياسي في السودان لأن الأزمة ذات طبيعة بنيوية. فالتغيير المتكرر في الحكّام أو الدساتير أو الاتفاقات لا يعالج أصل المشكلة ما دام سؤال الدولة نفسه معلقًا. وكل مرحلة انتقالية تبدأ بوصفها لحظة تحوّل مفترضة، لكنها تنتهي قبل أن تبلغ غايتها. ومع كل إخفاق، تتآكل الثقة في السياسة، وتعود القوة لتكون أداة الحسم الأساسية. وبهذا المعنى، يعيش السودان أزمة واحدة طويلة تتخذ أشكالًا مختلفة عبر الزمن.
ختامًا: الدولة التي لم تُفكَّر
ارتبط إخفاق الدولة السودانية بغياب تصورها كمشروع سياسي جامع. فقد ظلت دولة تُدار، لا دولة تُتخيَّل ويُتوافق عليها. لذلك يظل أي حديث عن الاستقرار أو الانتقال أو الإصلاح ناقصًا ما لم يبدأ من إعادة طرح سؤال الدولة نفسه، بدل الاكتفاء بإدارة نتائج غيابه.
فالدولة التي لا تُحسم فكرتها، يظل تاريخها مفتوحًا على احتمالات الصراع أكثر من احتمالات الاستقرار.