حينما يعتلُّ الرأي العام تسود التفاهة

حينما يعتلُّ الرأي العام تسود التفاهة

إبراهيم حمودة

صحفي وناقد

 

في ليلة الكريسماس 24 ديسمبر 1914، وهو يوم الهدنة التي دخلت بين الأطراف المتحاربة؛ ألمانيا والحلفاء، عم السكون جبهة القتال والجنود في الخنادق العميقة التي طبعت تلك الحرب.

فجأة بدأ جندي في ترديد أغنية عيد الميلاد، وسرعان ما جاوبه جندي آخر من المعسكر المعادي، وانضم ثانٍ وثالث، حتى تحول الأمر إلى كورال جماعي مشترك بين الأعداء. لم يتوقف الأمر عند ذلك الحد، بل خرج الجنود من خنادقهم وعبروا المسافة التي تفصل بينهم، كل يحمل ما توفر لديه من هدايا، فتبادلوا التهاني والهدايا، ونظموا مباراة لكرة القدم بين الطرفين، ثم تبادلوا الأنخاب وشربوا ورقصوا حتى آخر الليل.. وفي الصباح اشتعلت نيران الحرب الكبيرة من جديد، والتي لم تنطفئ إلا بمجيئ العام 1918.

حدث كل ذلك في الواقع ونحن نعرف، من كتب التاريخ، العداوة المستأصلة بين الألمان والإنجليز والفرنسيين. لكن الحرب هنا مسألة عملية باردة. تحطيم مقدرات الآخر وآلته العسكرية لإخراجه من صراع النفوذ وتحطيمه اقتصادياً. هل يمكن أن نسمي ذلك بالحرب النظيفة رغم بشاعتها ورغم ملايين الشباب في عمر الزهور الذين فقدوا أرواحهم في هذه الحرب؟. قدروا الخسائر وسط الشباب بثلاثة أرباع هذه الشريحة السكانية لكل دولة.

أقول ذلك مقارنة بفشل البرهان وحميدتي في عقد أي هدنة إنسانية تنقذ أرواح المدنيين وتمكِّن المنظمات الإنسانية من توفير الطعام والعلاج للمحتاجين. ومع ذلك لم تثُرْ ثائرة الرأي العام بالاستهتار بحياة الملايين وتركهم يتضوَّرون جوعاً ويموتون بنقص الدواء المنقذ للحياة.

وللفضيحة أقول إن المشاركين في هذه الحرب ليس لهم تاريخ عداوات مفتوحة كالتي بين الألمان والإنجليز والفرنسيين. تحاول أجهزة دعاية الجيش تصويرهم بأنهم أجانب وغزاة، ولكن محاولة التصوير هذه تحوي من الإهانات ما يكفي لاستمرار الحرب لسنوات، بل وحدوث استقطابات تؤدي لتوسيعها.

طبيعة الكراهية التي تحكم العلاقة بين الجيش والدعم السريع، لا أعتقد أنها ولدت فجأة يوم الخامس عشر من أبريل صباح بداية الحرب. حين يصر الجيش على رفض الهدنة ويفضِّل عليها فناء مئات الآلاف نستطيع أن نقول إن طبيعة العلاقة يحكمها الاحتقار والكراهية، وهو ما لم نرَه في علاقة الألمان والحلفاء وسائر جيوش العالم.. العدو يحترم عدوه وبينهما ميدان المعركة.

بالمقابل نرى إصرار مقاتلي الدعم السريع، ومعظمهم شباب في مقتبل العمر، على مواصلة القتال وإن استمر الأمر سنين عدداً، الأمر الذي لا يستوي مع أي منطق.

لتفسير ذلك نعود لنظرية عالم الاجتماع السلوفيني سلافوي جيجيك، الذي يقول بأن تفجُّر العنف بين مجموعتين وحصول قتال وحرائق ليس إلا مظهراً من مظاهر عنف حقيقي لا تراه العين يكون قد حدث قبل خطوات من تفجُّر الحرب. شبَّه ذلك بالعامل الذي يسرق الأواني من مكان عمله ويخرج بها من تفتيش البوابة عبر ملئها بالرمل. الجميع يركز على ما يحويه الرمل في حين أن المعني هو الإناء. لذا يقول إن قطع الأعناق وبقر البطون ليس هو العنف الحقيقي، العنف الحقيقي ظل يحدث لعشرات السنوات من التمييز والسياسات التفضيلية للدولة، الاستعلاء الديني واللغوي، أحقية تقلد الوظائف، عدالة الترقي في الأجهزة النظامية والصعود لمناصب قيادية، التوظيف في الوزرات السيادية وتوزيع الثروة والسلطة مجملاً عبر نظام ديمقراطي تحرسه القوانين.

 

في هذا الظرف والحرب تدخل عاماً آخر تنشغل وسائل التواصل الاجتماعي بزواج ميسرة ونهلة وقصة تخليها عنه بعد وصولها إلى المملكة المتحدة. الجميع يعلم أن الشباب يلقون بأرواحهم في مراكب متهالكة عبر البحر الأبيض المتوسط مع احتمال كبير أن يكونوا طعاماً للأسماك، وهم يدركون ذلك هرباً من جحيم بلادهم قبل هذه الحرب وأثناءها الآن.

فلماذا لا تحاول فتاة بسيطة في مقتبل العمر ألَّا تحاول العبور إلى هناك عبر زواج قد تكون عارفة منذ بدايته أنه زواج شكلي؟ مثل هذه العلاقات غير المتكافئة وذات الغرض موجودة في كل المجتمعات، خاصة في البلدان التي تنعدم فيها الفرص الاقتصادية وتشتد فيها المنافسة للحصول على وظيفة؟ ألم تسمعوا بكلبات مال أمريكيات؟ ألم تروا فيديوهات الراحل جيفري أبشتاين والطفلات اللواتي يتمسحن بأصحاب المال والنفوذ؟ فعلام الاستغراب والضجيج حول زيجة لا أحد يدري نوايا أطرافها؟. أضرب هذا المثال وأنا لا أعرف حقيقة ما جرى بين الشابين ولا أصدر حكماً هنا على أحدهما.

قبل أن تهدأ هذه الضجة هاجت منابر التواصل الاجتماعي وماجت مرة أخرى بسبب ظهور الممثل محمد تروس في احتفالات الاستقلال بيوغندا والتخلص الرمزي من ملابسه والإبقاء على رداء عادي مثل الذي يتمشى به أي شخص في الصيف. متناسين في هذه الضجة أن ما يحدث على المسرح تحكمه قوانين المسرح وأعرافه، وليس قوانين الواقع العادي. ظهور عاهرة على المسرح لا يعني التشجيع على البغاء، أو أن الممثلة فاسدة في نفسها. كل هذه الضجة ستفقد مفعولها إذا فحصنا رداء تروس الذي يصل للركبة والذي لا تحرمه شرائع سماوية ولا أرضية، ولكنها ادعاءات الفضيلة الكاذبة.

تزامنت مع حادثة تروس، أو قل قبلها، قضية أخرى كانت أجدر بالتفاعل وبالغضب، حين وجه رئيس الجيش البرهان بأن يحصل أي مواطن على أوراق ثبوتية بغضِّ النظر عن لونه وجنسه واتجاهه السياسي، ولكن سرعان ما جاء الرد من حكومته نفسها بأن ذلك غير ممكن، وهو أمر يثبت أن السلطات السودانية بالفعل تحرم مواطنيها طوال الوقت بشكل ممنهج من حقهم في الحصول على أوراق ثبوتية بسبب آرائهم، أو عرقهم وقبيلتهم. كل ذلك ولم يتحرك الرأي العام ولم تشتعل منابر الميديا.

خلاصة القول إن التفاهة هي ما تشغل الغالبية من السودانيين، لا أدري إن كان هو خيارهم، أم أن أحدهم يعلف المنابر بما يصرف الناس.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *