خبرات طويلة في مواجهة سوق لا يعترف بها
أماني أبوسليم
في ظرف الحرب والنجاة، يبدو نظرياً، على الأقل، أن الإنسان ينجو بأهم ما يملك بعد الروح: بمعارفه، وخبراته، ومؤهلاته. ما فُقد من أشياء مادية، كالمال أو السيارات أو البيوت، يظل مربوطاً بظرف المكان. نظرياً أيضاً، فإن هذه المعرفة والخبرة تؤهله لمواصلة عمله في مكان آخر.
الواقع أكثر قسوة وتعقيداً، حتى بافتراض أنه تمكَّن من حمل شهاداته وما يوثِّق خبرته الطويلة، سيجد نفسه، سواء من بقي في السودان أو من لجأ إلى دولة أخرى، في مواجهة سوق عمل جديد، لا يعترف بالضرورة بما راكمه من معرفة وتجربة. سوق يقيس الكفاءة بمعايير مختلفة، ويعيد ترتيب القيمة المهنية، فقد يصبح ما كان مصدر قوة بالأمس، بلا وزن اليوم.
حتى من كانت خبرته في التجارة، وتمكن من الاحتفاظ بشيئ من رأس ماله، وجد نفسه محاصراً بظروف وقوانين تقيّد نشاطه، داخل البلاد أو في بلد اللجوء. رأس المال وحده لا يكفي، فالخبرة والمجال لا تلتقي شروطهما في الأسواق الجديدة.
ومن نجا بشهاداته، وجد أن الشهادة لم تعد ضماناً، بل في كثير من الأحيان تتحول إلى عبء نفسي. وثيقة تذكّره بما كانه، لا بما يُسمح له أن يكونه الآن. سوق عمل لا يسأل فقط: ماذا تعرف؟ بل يسأل ضمناً: كم عمرك؟ ومن أين أتيت؟ وهل تناسب صورتك هذه المرحلة؟.
على المستوى الفردي، يتجاوز الأمر مجرد صعوبة إيجاد عمل، ليصل إلى إحساس عميق بالتوهان. كأن سنوات طويلة من الدراسة والخبرة والعمل انكمشت فجأة إلى لا شيئ. يترافق ذلك مع شعور مُرّ بالفشل، بوصفه فشلاً ذاتياً، وفشلاً أخلاقياً في نظر صاحبه، أمام مسؤوليته تجاه أسرته وأبنائه، وأمام الصورة التي كوّنها عن نفسه بوصفه معيلًا، وقادراً، ومفيداً.
هنا يبدأ الصراع الأكثر قسوة: صراع الكرامة مقابل البقاء. كثيرون اضطروا، تحت ضغط المسؤوليات، إلى قبول أعمال ووظائف أقل بكثير من خبراتهم ومواقعهم السابقة. لم يكن القبول سهلاً، لكنه كان ضرورياً. في البداية قيل: لا بأس، أي عمل أفضل من لا شيئ، الأمر مؤقت. لكن المؤقت طال، وتحول إلى واقع يومي، تُداس فيه الكرامة بصمت، حتى دون إهانة مباشرة، عبر التهميش، والتجاهل، والشعور الدائم بأن هذا المكان ليس مكانك.
مع مرور الوقت، لا يبقى الأثر مادياً فقط، بل يتراكم نفسياً. تآكل بطيء للثقة بالنفس، وانكماش للطموح، وخوف من الحلم. يتعلم حينها أن يخفض سقف توقعاته، ثم يخفضه مرة أخرى، حتى لا يصطدم بالخذلان. ويصبح السؤال ليس: ماذا أريد؟ بل: ماذا أستطيع أن أتحمله؟.
الحرب جعلت الجميع تحت القصف؛ من لا يزالون في البلاد، ومن نزحوا داخلها، ومن خرجوا لاجئين إلى دول أخرى. قصفٌ مباشر هنا، وقصفٌ معنوي هناك. الباحثون عن عمل، وهم يحاولون فقط تلبية متطلبات الحياة، يتعرضون يومياً لقصف من نوع آخر: شعور بالذل، وبأنهم فائضون عن الحاجة، وبأن سنوات عملهم وخبراتهم السابقة لم تعُدْ ذات معنى.
لا تتوفر إمكانيات البداية الجديدة عند الجميع. وحتى عند من تتوفر لديهم، فهي ليست متساوية. البداية الجديدة تحتاج روحاً معنوية محفزة، وأفقاً يبعث الأمل، وقدراً من التحدي والمغامرة. من الصعب أن تتوفر هذه الشروط لدى من تقدم في العمر، واستقر في نمط حياة طويل، بعد أن وصل إلى خبرة مهنية تكفل له عملاً بكرامة وعيشة كريمة لأسرته. ليس كل بدءٍ من جديد، بداية من الصفر؛ بعضه بدء من تحته، لأنه مثقَلٌ بالخسارة والتعب والمسؤوليات.
الواقع واحد، لكن طرق التعامل معه تختلف. من استسلم وترك المسؤولية لغيره، مع تجرُّع سموم العطالة. ومن قَبِل بعمل أقل من إمكانياته، واضطر معه إلى تقليص طموحه، حتى في تعليم أبنائه. ومن قبل بعمل يظنه لا يليق بعمره، ويتجرع معه إحساس الإهانة يوماً بعد يوم. وهناك من لم تُتَحْ له حتى رفاهية التذمر، لأنه منشغل كل يوم بتأمين البقاء فقط.
في هذا السياق، كأنه يُعاد تعريف النجاح دون إعلان. لم يعد النجاح تحقيق الذات، ولا الوصول إلى ما يسعى إليه المرء. كأنه أصبح مجرد الاستمرار، فقط أن لا ينهار. أن يُبقي أسرته واقفة. أن يعبر يوماً آخر دون خسارة إضافية. إنه نجاحٌ صامت، لا يُحتفى به، لكنه في زمن الحرب قد يكون أقصى ما يمكن الوصول إليه.
الحرب تيار عنيف على كل المستويات. لا تقتل الناس فقط، بل تقتل المسارات ببطء، وتحوّل الحياة العادية إلى أمنية، وتجعل النجاة وحدها إنجازاً.
لكن.. إلى متى؟