كيف وظفته أطراف الحرب؟ التضليل الإعلامي.. عصب الصراع في السودان

كيف وظفته أطراف الحرب؟

التضليل الإعلامي.. عصب الصراع في السودان

إيمان فضل السيد

لم تعد المعارك في السودان تُحسم بالسلاح وحده. فالتضليل الإعلامي بات اليوم أحد أخطر أدوات الصراع وأكثرها تأثيراً. في حرب تتقاطع فيها البنادق مع الشاشات، تتحول الروايات المضللة، وخطاب الكراهية، والمعلومات المفبركة إلى وقود يغذي العنف، ويعيد تشكيل بنية الوعي المجتمعي، داخلياً وخارجياً.

في هذا السياق، أصدرت مؤسسة (طومسون فاونديشن) تقريراً يعد الأول من نوعه ضمن سلسلة تقارير شهرية جديدة ترصد التضليل الإعلامي والتلاعب بالمعلومات في السودان، باعتباره عصب الصراع والركيزة الأساسية للبيئة الإعلامية المشحونة. ويغطي التقرير، بوصفه إصداراً افتتاحياً، الأشهر الثلاثة الأخيرة من عام 2025، مقدماً لمحة عامة عن أبرز الروايات المتداولة عبر وسائل التواصل الاجتماعي والإعلام التقليدي، والجهات الفاعلة فيها، والتكتيكات المستخدمة، إضافة إلى تقييم تأثير التلاعب بالمعلومات على أنماط العنف، والأذى اللاحق بالمدنيين، والمواقف الدبلوماسية.

ويستند التقرير إلى رصد دقيق للمحتوى المتداول على منصات التواصل الاجتماعي، التي باتت تمثل الساحة الأساسية لهذه الحرب الإجرامية، مسلطاً الضوء على مناطق تصاعد المخاطر التي تهدد المدنيين، والصحفيين، والعاملين في المجال الإنساني، والمدافعين عن حقوق الإنسان.

 

الفاعلون في المشهد الإعلامي

يحدد التقرير ثلاث قوى رئيسية بوصفهم الفاعلين الأبرز في المشهد الإعلامي والدعائي في السودان، ويعتبرهم محركات أساسية للبروباغندا المؤججة للصراع، وهم: قوات الدعم السريع، القوات المسلحة السودانية، والجماعات الإسلامية المرتبطة بالنظام السابق. ويقدم التقرير تحليلاً للإستراتيجيات الإعلامية التي يعتمدها كل طرف.

 

تكتيكات قوات الدعم السريع

يشير التقرير إلى أن قوات الدعم السريع تعتمد تكتيكات إعلامية متقدمة نسبياً، تقوم على جودة إنتاج عالية واستخدام مكثف للتكنولوجيا الحديثة. وتوظف هذه القوات الذكاء الاصطناعي في إنتاج المحتوى المرئي، وتعتمد بشكل أساسي على منصة (تيك توك) فيما يُعرف بـ(جيش التيك توك) لكسب المتابعين والتأثير على الرأي العام. كما تستخدم شبكة (ستار لينك) للاتصال، وتستعين بفرق أجنبية محترفة لتسويق منتجها الإعلامي.

وينطوي الخطاب الذي تروج له قوات الدعم السريع على مفردات تستهدف ما تصفه بـ(نخبة الخرطوم) أو (إرهابيي الخرطوم)، مستخدمة خطاب المظلومية والتحريض القبلي. ويشير التقرير إلى لجوء الدعم السريع إلى صناعة شخصيات رمزية، مثل شخصية (أبو لولو)، لتصريف هذا الخطاب العاطفي وتقديمها للمتلقين في صورة أبطال أو أدوات ترهيب.

ويحدد التقرير ثلاث روايات رئيسية تشكل جوهر الخطاب الإعلامي لقوات الدعم السريع، أولها التهميش. إذ تستدعى هذه القوات المظالم التاريخية كسلاح لإعادة تقديم العمليات العسكرية بوصفها (حركة تحرير) للمجتمعات المهمشة. وثانيها مناهضة النخبة، عبر تصوير القوات المسلحة ليس كمؤسسة وطنية، بل كجناح عسكري لطبقة حاكمة تسيطر على موارد البلاد. أما الرواية الثالثة فهي الترهيب النفسي، وهذه الرواية تعتمد على التخويف، بما في ذلك التهديدات القائمة على النوع الاجتماعي، بهدف خلق مناخ من الخوف والضغط النفسي.

ويعزز التقرير هذه القراءة بعرض نماذج من صور ولقطات منشورة على منصات مثل (إكس) و(تيك توك) و(فيسبوك)، تتناول قضايا الهوية والثورة وصراع السلطة، باعتبارها أمثلة تطبيقية على الروايات التي يروج لها الدعم السريع.

تكتيكات القوات المسلحة السودانية

في المقابل، يصف التقرير التكتيكات الإعلامية للقوات المسلحة السودانية بأنها أقل تطوراً من الناحية التقنية، إذ تعتمد غالباً على البيانات الرسمية التقليدية والمتأخرة، وتركز على كثافة المحتوى أكثر من جودته. ويشير إلى استخدامها فيديوهات مفبركة بدائية، ومحتوى مكتوب في سياق ممارسات التضليل الإعلامي.

ويرتكز خطاب الجيش على مفاهيم (معركة الكرامة) و(الوطنية)، مقدماً نفسه، حامياً للبلاد من (الأجانب) أو ما يُعرف بـ(عرب الشتات)، كما يعتمد على الرموز الدينية والتقليدية والمشاهير لدعم البروباغندا الخاصة به، مع محاولات للتغطية على آثار القصف الجوي.

ويحدد التقرير عدداً من التكتيكات الأساسية في الرواية الإعلامية للجيش، من بينها استخدام شعار حرب الكرامة لإضفاء طابع أخلاقي ووطني على المعركة، وتكتيك القومية والرموز التقليدية لتعزيز الالتفاف الشعبي، إضافة إلى تسليط الضوء على انتهاكات الطرف الآخر، مقابل نفي مسؤولية الجيش عن إيذاء المدنيين. كما يشير التقرير إلى محاولات إعلامية للتبرؤ من نظام عمر البشير، والتأكيد على أن الجيش مؤسسة وطنية مستقلة.

 

الجماعات الإسلامية و(حرب الروايات)

أما الجماعات الإسلامية المرتبطة بالنظام السابق، فيشير التقرير إلى امتلاكها خبرة تاريخية طويلة في مجال البروباغندا، وقدرات عالية في صياغة الرسائل الإعلامية. وتعتمد هذه الجماعات على شبكات إعلامية واسعة مرتبطة بحزب المؤتمر الوطني المنحل، لتسويق خطابها الداعم للجيش والمختزل في شعار (بل بس).

ويرى التقرير أن الأجندة الأساسية لهذه الجماعات هي استمرار الحرب، حيث تُصوَّر المعركة وكأنها صراع وجود وهوية وطنية. ويصف خطابهم بأنه مجرد من الإنسانية تجاه الخصوم، مع استخدام أوصاف تحريضية مثل (الحشرات)، مشبهاً هذا الخطاب بالخطاب الذي سبق الإبادة الجماعية في رواندا.

ويرصد التقرير التقنيات المستخدمة في حملات التضليل التي تقودها هذه الجماعات، حيث يشكل بناء الروايات المتلاعبة وغسيل المعلومات النسبة الأكبر (51%)، يليه الاستهداف والمضايقة (19%)، ثم خطاب الكراهية والتحريض (8%)، وكذلك استخدام لقطات خارج سياقها (8%)، إضافة إلى الصور العنيفة، واستخدام الذكاء الاصطناعي، والتضخيم عبر الحسابات الوهمية.

التضليل كسلاح إستراتيجي

يؤكد تقرير (طومسون فاونديشن) أن التلاعب بالقصص والروايات هو السلاح الأكثر استخداماً في الحروب الإعلامية في السودان، متقدماً على تقنيات معقدة مثل التزييف العميق. ويحذر من المخاطر الجسيمة لحروب المعلومات، التي لا تكتفي بتضليل الجمهور، بل تسهم في تأجيج الصراعات المسلحة، وتقويض الثقة في منظمات الإغاثة، واستهداف الصحفيين والعاملين في المجال الإنساني.

الخلاصة

يخلص التقرير إلى أن ما يجري في السودان ليس مجرد صراع عسكري، بل حرب روايات مكتملة الأركان، يُستخدم فيها التضليل الإعلامي كأداة إستراتيجية لزعزعة استقرار المجتمع، وتأجيج العنف، وتبرير الانتهاكات. ويؤكد التقرير أن التلاعب بالمعلومات يتجاوز كونه ممارسة إعلامية غير أخلاقية، ليصبح عاملاً مباشراً في تغذية الجرائم ضد المدنيين، وتقويض الثقة في المنظمات الإنسانية، وإعاقة وصول المساعدات المنقذة للحياة.

كما يشير إلى أن الشائعات وخطاب الكراهية تُستخدم بشكل منهجي لـ(شيطنة) الخصوم، وإسكات أصوات السلام، واستهداف الصحفيين والناقلين للحقيقة، في محاولة لطمس الواقع واستبداله بروايات مفبركة تخدم أطراف الصراع. ويفضي ذلك إلى تمزيق النسيج الاجتماعي عبر إذكاء النزاعات القبلية والعرقية، ما يجعل فرص التعايش السلمي أكثر هشاشة.

وفي مواجهة هذا الواقع، يطرح التقرير حزمة من التوصيات التي يمكن النظر إليها كخطة عمل متكاملة للتعامل مع الأزمات الإعلامية والمعلوماتية في السودان. فقد دعا الصحفيين والعاملين في مجال الإعلام إلى تعزيز بروتوكولات السلامة والتحقق، وبناء شبكات مهنية قادرة على تتبع وتفنيد حملات التضليل. كما طالب صناع القرار بدمج حماية بيئة المعلومات ضمن الأطر الإنسانية وأنظمة الإنذار المبكر، واعتبار وقف خطاب الكراهية شرطاً أساسياً لأي مساعٍ لوقف إطلاق النار.

أما منظمات المجتمع المدني، فقد حثها التقرير على تطوير إستراتيجيات حماية شاملة لموظفيها، والاعتراف بالإعلام المهني باعتباره بنية تحتية إنسانية لا غنى عنها. كما وجه دعوة واضحة لشركات التواصل الاجتماعي ومنصات التكنولوجيا لتكثيف الإشراف على المحتوى المرتبط بالسودان، والإزالة السريعة للحسابات الوهمية، وتعديل الخوارزميات بما يحد من انتشار المحتوى الذي يجرد الإنسان من إنسانيته.

ويؤكد التقرير، في مجمله، أن التضليل الإعلامي هو السلاح الأوسع استخداماً في الصراع السوداني، متقدماً على أكثر التقنيات تعقيداً، وأن التصدي له لم يعد ترفاً مهنياً أو أخلاقياً، بل شرطاً أساسياً لحماية المدنيين، وصون الحقيقة، وفتح أي أفق محتمل للسلام.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *