زيادة سعر الدولار الجمركي
موجة غلاء طاحنة جديدة.. والدولار يتجاوز حاجز 4000 جنيه في بداية 2026
كتب: المحرر الاقتصادي
للمرة الخامسة خلال عام واحد، أعلنت هيئة الجمارك السودانية عن قرارها رفع السعر التأشيري للدولار الجمركي إلى 2,827 جنيهًا. ويعادل هذا المستوى زيادة تقارب 66.3% مقارنة بسعر الدولار الجمركي في شهر يناير 2025 والذي حدد بمبلغ 1,700 جنيه، ما يعكس المصاعب التي تواجهها السلطات في ظل اتساع الفجوة بين السعر الرسمي في المصارف وسعر التداول في السوق الموازية.
ويعتبر هذا القرار جزءاً من سلسلة تعديلات متقاربة زمنياً للسعر التأشيري للدولار الجمركي تبنتها وزارة المالية خلال العام 2025، في محاولة لربط الرسوم الجمركية بحركة سعر الصرف الفعلية. ويلقي هذا الإجراء الضوء على توجه حكومي متزايد لإعادة تسعير الواردات بما يتماشى مع استمرار تدهور سعر صرف الجنيه السوداني في مقابل العملات الأجنبية.
أداة لزيادة الإيرادات
وفي مواجهة الأوضاع الاقتصادية المعقدة التي خلفتها الحرب، تستخدم حكومة بورتسودان زيادة سعر الدولار الجمركي لتعويض تراجع الإيرادات العامة، مع تراجع قدرة الدولة على إدارة سوق الصرف أو التدخل في تحديد الأسعار. ورغم الزيادات المضطردة والمتواترة للسعر التأشيري للدولار الجمركي، إلا أن وزارة المالية فشلت في تقليص الفجوة بينه وسعر تبادل الدولار في السوق الموازية الذي تجاوز 3700 جنيه.
وتنعكس الزيادات المتكررة في السعر التأشيري للدولار الجمركي الجمركي في ارتفاع مباشر في تكاليف الاستيراد، ما يضيف مزيدًا من الضغوط على مستويات التضخم المرتفعة أصلًا، وزيادة الأعباء المعيشية على المواطن السوداني.
وكانت آخر زيادة كبيرة قد سُجلت في شهر سبتمبر من العام الماضي، عندما رفعت سلطات الجمارك السعر التأشيري من 2,300 إلى 2,600 جنيه، بزيادة قدرها 300 جنيه، لتكون الزيادة الرابعة خلال فترة تقل عن ستة أشهر. وتزامن ذلك مع وصول سعر تبادل الدولار مقابل الجنيه السوداني في السوق الموازية إلى مستويات قياسية تقارب 3,750 جنيهًا، في مؤشر واضح على اتساع الفجوة بين السعر الرسمي وسعر التداول الفعلي، ما يضعف قدرة السياسات الجمركية على تثبيت الأسعار أو توجيه حركة التجارة.
تخفيض محدود في العام 2025
وخلال العام 2025، عمدت السلطات ولمرة واحدة فقط لإقرار تخفيض محدود في قيمة الدولار الجمركي في الأول من أغسطس من 2,400 إلى 2,313 جنيهًا، وهو تعديل محدود جاء بعد زيادة سابقة في يوليو رفعت السعر من 2,000 إلى 2,400 جنيه. وكان الهدف من تلك الخطوة تقليص الفارق بين السعر الرسمي والسوق الموازية، في محاولة لاحتواء المضاربات وتحسين قدرة المستوردين على التخطيط المالي.
ومع بداية العام 2026 ودخول الميزانية الجديدة حيز التطبيق، ستكون وزارة المالية مضطرة لإدخال تعديلات جديدة على السعر التأشيري للدولار الجمركي حيث يستبعد حدوث تحسن في معدلات صرف الجنيه في مقابل العملات الأجنبية في ظروف استمرار الحرب وارتفاع تكاليف الاستيراد وضعف الإنتاج المحلي.
موجة جديدة من الغلاء
النتيجة المباشرة لقرار رفع السعر التأشيري للدولار الجمركي، وبهذا المعدل المرتفع، هي ندرة في السلع الحيوية المستوردة وفي مقدمتها الأغذية والأدوية، بالنظر إلى أن المستوردين سيسحبون بضائعهم من الأسواق لحين إعادة حساب سعرها على أساس سعر الدولار الجمركي الجديد. ويتوقع أن تعقب ذلك موجة غلاء كاسحة تقود إلى ارتفاع كل أسعار السلع، بما في ذلك السلع المنتجة محلياً، بالنظر إلى ارتفاع تكاليف النقل وحاجة صغار التجار لمواكبة الارتفاع في الأسعار للمحافظة على مستويات دخولهم بحيث يتمكنون من إعادة شراء سلع جديدة وعرضها على الجمهور.
استمرار تدهور سعر صرف الجنيه
في نهاية ديسمبر 2025، شهدت أسواق تبادل العملات الأجنبية حالة من الاضطراب بعد أن واصل الجنيه السوداني رحلة التراجع في مواجهة العملات الأجنبية الرئيسية وفي مقدمتها الدولار.
وعزا المراقبون هذا التدهور في سعر الجنيه إلى التزايد المستمر في الطلب على العملات الأجنبية لتمويل الحرب ومستويات الإنفاق المرتفعة لجهاز الدولة البيروقراطي، في وقت تراجعت فيه الصادرات التي أصبحت تجد طريقها للخارج عبر أسواق التهريب بسبب الرسوم والضرائب الباهظة التي تفرضها حكومة بورتسودان.
وتراوح سعر صرف الدولار في مقابل الجنيه السوداني في الأيام الأخيرة من العام 2025 فيما بين 3750 و3774 جنيهًا في معاملات البيع، بينما حافظت العملات الخليجية والأوروبية على اتجاهات تصاعدية مماثلة. وفي جانب الشراء، بقيت الأسعار أقل بنحو 100 إلى 200 جنيه، ما يعكس اتساع الفجوة بين العرض والطلب في سوق تعاني نقصًا حادًا في النقد الأجنبي.
ويشير متعاملون إلى أن استمرار هذا النمط سيقود إلى زيادة الطلب على العملات الأجنبية، خصوصًا مع اقتراب موسم رمضان والعيد، حيث يبدأ المستوردون في تكوين مخزونات السلع الأساسية، ما يرفع الطلب على العملات الأجنبية. ويؤكد هؤلاء أن الاتجاه العام منذ نهاية الأسبوع الماضي يميل إلى صعود تدريجي في بعض العملات، مدفوعًا بتوقعات زيادة الطلب على النقد الأجنبي خلال الأسابيع المقبلة.
توقعات متشائمة
تشير تقارير دولية إلى أن الاقتصاد السوداني بات “اقتصاد حرب” بالكامل، في ظل توسع الأنشطة غير الرسمية والاعتماد الكامل على الذهب والتهريب كمصادر رئيسية للحصول على العملات الصعبة. وينتظر أن تتراجع عائدات حكومة بورتسودان من العملات الأجنبية بعد أن فقدت السيطرة على قطاعات إنتاجية حيوية، بما في ذلك حقول نفطية استراتيجية، ما أدى إلى تراجع الإيرادات العامة وتآكل قدرة السلطات النقدية على التدخل في السوق.
وتشير تقديرات البنك الإفريقي للتنمية، بأن الاقتصاد السوداني فقد نحو 37.5% من ناتجه المحلي في 2023، بينما تجاوز التضخم نسبة 245% نتيجة الاعتماد المتزايد على تمويل العجز عبر طباعة العملة بدون توفر احتياطات لدى البنك المركزي من العملات الأجنبية أو الذهب. وتراجعت تحويلات المغتربين بنحو 70% منذ اندلاع الحرب، ما أدى إلى مزيد من الضغوط على سوق الصرف.
الحرب أس البلاء
ومنذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، فقد الجنيه السوداني أكثر من 650% من قيمته، بعد أن كان الدولار يُتداول بأقل من 500 جنيه. كما قاد تراجع الإنتاج الزراعي إلى تزايد معدلات الفقر وارتفاع أسعار الغذاء بأكثر من 300%، وفق تقارير إنسانية دولية تصف الوضع في السودان بأنه من بين الأسوأ عالميًا في 2025.
المؤكد أن استمرار الحرب خلال 2026 سيدفع الاقتصاد نحو مزيد من الانكماش، مع تراجع دخول الأسر وتدهور الأمن الغذائي وتوسع اقتصاد الظل. ويرى محللون أن وصول الدولار إلى مستوى 4000 جنيه خلال الأشهر الأولى من العام الجديد ليس بالأمر المستبعد، بل سيكون امتدادًا طبيعيًا لمسار السوق في ظل استمرار الحرب وغياب إصلاحات سياسية واقتصادية جوهرية.