السبعون العجاف:
تراجيديا العسكرة ومقصلة الحلم المدني في السودان
بقلم/ نجلاء نورين –
صحفية وكاتبة
على مدار سبعة عقود، ظلّ السودان مسرحاً لصراع وجودي محتدم، لم تكن أطرافه تيارات سياسية تتنافس على برامج الحكم، كان صداماً جوهرياً بين رؤيتين متناقضين لماهية الدولة: دولة “الحق والقانون” كما جسدها الوجدان الشعبي وتطلعاته، ودولة “الوصاية والبندقية” كما فرضتها سطوة المؤسسة العسكرية. سبعون عاماً والشعب السوداني يغالب التحديات ليرسي مدماكاً في جدار الديمقراطية، بيد أن طموحه كان يصطدم دوماً بصخرة “الأدلجة العسكرية” والنزعة السلطوية، التي لم ترَ في الإنسان السوداني إلا رعية تابعة، ولا في جغرافيا الوطن إلا ثكنة كبرى تخضع لتراتبية “الضبط والربط”.
تكمن المعضلة الكبرى التي كبّلت خطى الدولة السودانية منذ فجر الاستقلال في تحوّل المؤسسة العسكرية إلى “أكبر حزب سياسي” في البلاد؛ حزب يستأثر بمزايا احتكارية مطلقة، ويستمد شرعيته من فوهة البندقية لا من صناديق الاقتراع. وحين تقتحم البزة العسكرية معترك السياسة، فإنها تفسد جوهر العمل العام؛ إذ تتحول قواعد الاشتباك من مقارعة الحجة بالحجة إلى مواجهة “الكلمة بالرصاصة”، مما أدى إلى انسداد سياسي مزمن دفع المعارضين —في منعطفات تاريخية مريرة— إلى الاضطرار إلى حمل السلاح؛ ليس ولعاً بالاحتراب، بل لأن المنظومة القابضة سدّت منافذ التغيير السلمي، ولم تترك خياراً لانتزاع التوازن سوى لغة القوة في ميدانٍ غاب عنه حياد المؤسسات وعلوّ القانون.
لقد برعت النخب العسكرية المتعاقبة في فن “تعطيل التاريخ”؛ فكلما لاحت في الأفق بارقة أمل لانتقال مدني، تحركت آلة “الاستهبال السياسي” لنسف تلك الجهود تحت ذرائع واهية، تتلفح برداء “المؤامرات الخارجية” أو “صون الكرامة الوطنية”. وفي سبيل التشبث بالسلطة، لم تتورع هذه العقلية عن تمزيق النسيج الاجتماعي، عبر وصم دعاة التغيير بالخيانة والعمالة، بل وبلغ الشطط منتهاه بالتشكيك في هوياتهم الوطنية، في محاولة بائسة لاختزال الوطن الشاسع في “الرتبة العسكرية” وحدها.
إن الحصاد المرّ لهذا الإصرار على الحكم بالقهر والقوة لم ينتج إلا “فشلاً بنيوياً” متراكماً؛ فلم تجنِ البلاد من تسييس الجيش سوى حروب أهلية استنزفت الموارد وأهلكت الحرث والنسل. فالعقلية العسكرية، بطبيعتها، تميل إلى الحسم لا التفاوض، وإلى الإقصاء لا الاحتواء، مما حوّل السودان من مشروع دولة واعدة إلى ساحة اقتتال سرمدي. وما نشهده اليوم من دمار يطال الأنفس والبنى التحتية ليس إلا الثمرة الطبيعية لإنكار الحقيقة الجوهرية: أن مكان الجيش هو الثكنات لحماية الحدود، ومكان السياسة هو الفضاء العام والمؤسسات المدنية المنتخبة.
ولن ينعتق السودان من ربقة التمزق إلا بكسر هذه الحلقة المفرغة من التغول العسكري. إن الدولة المدنية الديمقراطية اليوم ليست ترفاً فكرياً، بل هي “ضرورة وجودية” لوقف نزيف الدم. ولن يستقيم ميزان البلاد ما لم تدرك المؤسسة العسكرية أن الكرامة الحقيقية تكمن في الانحناء لإرادة الشعب، لا في إرغامه على الطاعة. الحل لا يكمن في استبدال جنرال بآخر، بل في إحلال “المؤسسية المدنية” محل “العقلية الانقلابية”؛ فخروج الجيش من السياسة هو أكبر خدمة تُقدّم لحماية كرامة العسكرية السودانية نفسها، وصون ما تبقى من سيادة الوطن.