تفكيك آلة الفوضى والطريق إلى المواطنة المتساوية

وليد عنبوور

 

بينما كانت نيران الحرب تلتهم أحياء الخرطوم في الأسابيع الأولى لما بعد الخامس عشر من أبريل 2023م، كان هناك ثمة حريق آخر أكثر ضراوة وأشد فتكاً يلتهم ما تبقى من فكرة “الدولة” في الوجدان الجمعي. إذ سرعان ما تحولت لغة الرصاص بين طرفي الحرب إلى “استنفار جهوي” كاسح استدعى أقبح ما في الذاكرة من ثارات وتحشيد قبلي، ليجد السودانيون أنفسهم أمام حقيقة مرة مفادها أن “الوطنية” التي تم الترويج لها منذ لحظة الاستقلال لم تكن سوى قشرة رقيقة أخفت تحتها بنية مشوهة صاغها المستعمر وورثتها فئة لم ترَ في السودان إلا جهازاً للسيطرة لا وطناً للتعايش.

هذه الفئة، التي دمجت لاحقاً بين إرث المركزية الكولونيالية وأيديولوجيا الإسلام السياسي، كرّست مفهوماً هجيناً للدولة يجعل من الانتماء الديني شرطاً للمواطنة الكاملة، ومن التعدد الثقافي تهديداً وجودياً، وهو ما جعل من الحرب الحالية لحظة “كشف حساب” تفضح عجز هذه الطبقة السياسية عن إنتاج مشروع يتجاوز إرث النظام الكولونيالي والأيديولوجي معاً، القائم على تقسيم المجتمعات وفق تراتبيات عرقية ودينية تخدم بقاء المركز القابض.

إن المشهد الذي نراه اليوم، حيث تُبنى التحالفات وتتشكل الكيانات المسلحة بناءً على “الانتماء الأولي البسيط”، يثبت أننا نعيش لحظة الانفجار لـ”المتخيّل الهوياتي” الزائف الذي فرضته السلطة الأيديولوجية لعقود؛ هذا التوجه الذي لم يكتفِ بتشويه الوجدان عبر سياسات “التعريب القسري” التي كانت ذراعاً ثقافية لمشروع الأسلمة السياسية، مارس عملية استلاب تاريخي مزدوج: الأول كولونيالي جعل من “السودانوية” هوية مركزية وفق نمط محدد، والثاني إسلاموي جعل من “السودانوية” هوية دينية إقصائية تأنف من الاعتراف بالتعدد الثقافي والتنوع العقدي اللذين يشكلان جوهر الوجود السوداني، مما حول الدولة إلى “مختبر للأدلجة” بدلاً من أن تكون “مظلة للمواطنة”.

وفي تجلٍّ هو الأبشع لهذا العقل الإقصائي بوجهيه، نجد محاولات مستميتة من قادة عسكريين لبث خطابات تعمل على تجريف النسيج الاجتماعي، عبر وصم المجموعات التي تقاتلهم بأنهم “غير سودانيين”؛ وهذه الإستراتيجية ليست وليدة الصدفة، هي إعادة إنتاج حرفية لنموذج “الوصم بالأجنبية” الذي مورس ضد الحركة الشعبية قبل الانفصال، حين جرى تصوير مقاتليها كـ”أجانب ويوغنديين”، وهو ذات السلاح الذي استُخدم ضد حركة العدل والمساواة عند دخولها الخرطوم في عام 2008 بوصفهم “تشاديين”. وذات السلاح شُحذ بأبعاد آيديولوجية حين وُصم المعارضون بأنهم “عملاء للغرب”، أو “معادون للإسلام”، في محاولة لإضفاء شرعية زائفة على إقصائهم.

إن هذا الإصرار على نزع “السودانوية” عن الخصم ليس مجرد بروباغندا حربية، هو فعل سياسي يستهدف تبرير الإبادة عبر تجريد المواطن من حقه الوجودي في الأرض والهوية والمعتقد، مما يعمق الشقاق الاجتماعي، ويجعل من “الآخر” عدواً وافداً أو مرتداً يجب اجتثاثه، بدلاً من كونه شريكاً مختلفاً في الرؤية السياسية والدينية.

لقد تجسدت هذه الأزمة المركبة عملياً في المأساة المستمرة للمؤسسة العسكرية التي لم تكن يوماً “جيشاً وطنياً” يحمي السيادة. صُنعت منذ لحظة ميلادها كـ”قوات دفاع السودان” على يد المستعمر؛ أداة سلطوية محضة، غايتها الأولى والأخيرة ضبط الداخل، وقمع المكونات المهمشة وتأمين نهب الموارد، لا الدفاع عن الحدود.

هذا التصميم الكولونيالي للجيش كأداة للسيطرة الداخلية وجد امتداده العضوي في النموذج الإسلاموي الذي لم يكتفِ بتوظيف هذه البنية؛ أعاد إنتاجها بشكل أكثر توحشاً عبر “التمكين”، محولاً إياها إلى إمبراطورية اقتصادية وآيديولوجية لا تستطيع البقاء إلا بوصفة دائمة من الفوضى، لأن استقرار السودان يعني تفكيكها. في هذا النموذج المتوارث، لا يكون السلاح لحماية الدولة، تكون الدولة غطاءً لشبكات السلاح. هكذا يصبح تأسيس المليشيات العقائدية والقبلية هو الوجه الآخر لـ”الجيش النظامي”، وليس استثناءً أو انحرافاً عنه؛ ويمضيان معاً على ذات المبدأ: خلق فوضى دائمة تُبرر وجودهما، وتُبقي السودان مجرد ساحة لتصفية الحسابات وتقاسم الغنائم لا وطناً للمواطنة.

لقد سقط قناع الوطنية الزائف الذي كانت ترتديه الفئات التي ورثت النظام الكولونيالي ثم هيمنت عليه لاحقاً بآيديولوجيا الإسلام السياسي، حين رأينا كيف تحولت المدن الكبرى إلى ساحات لتصفية هذه الحسابات، وحين أصبح “الرقم الوطني” لا يحمي حامله من القتل على الهوية، أو الاعتقال بناءً على السحنة أو المعتقد، نتيجة تلك الوصمة التاريخية المزدوجة بـ”الوافد” أو “الخارج عن الملة الوطنية”، وهو ما يكشف العوار الأخلاقي والسياسي للنخب التي احتكرت السلطة منذ عام 1956 ومارست ذات الأساليب الاستعمارية وأدوات الإقصاء الآيديولوجي في إدارة التنوع؛ هذه النخب التي اتفقت في “ذهنية المركزية القابضة” التي ترى في السودان مجرد “ضيعة” تُدار بآليات الضبط القديمة القائمة على استرضاء الولاءات القبلية والعقائدية بدلاً من بناء المؤسسات، وتوزيع الامتيازات بناءً على العرق أو المذهب لا المواطنة، مما جعل من مفهوم “الهوية الكلية” نتاجاً مشوهاً لا يعبر عن التعدد الثقافي والديني الحقيقي للسودان بقدر ما يعبر عن مصالح الفئة المهيمنة التي تمنح “صكوك المواطنة” لمن يواليها عرقياً وعقدياً، وتنزعها عمن يناهضها سياسياً.

إن المخرج الحقيقي من هذا النفق المظلم يتطلب اجتراح قطيعة مزدوجة كاملة ومتزامنة: قطيعة مع إرث “الاستعمار الداخلي” بكافة تجلياته الإثنية، وقطيعة مع مشروع “الدولة الآيديولوجية” التي جعلت من الدين أداة للحكم والإقصاء، والتوجه فوراً نحو تأسيس نظام حكم مدني فيدرالي تنموي غير إثني وغير طائفي، يقطع الطريق أمام مشاريع “التعريب” و”الأسلمة” القسرية، كما يقطع الطريق أمام أي مشاريع تصادمية مضادة، بحيث تعاد هيكلة السلطة والثروة وفق معايير المواطنة المتساوية التي تجعل من الفرد هو وحدة التعامل القانوني الوحيدة، بصرف النظر عن إثنيته أو معتقده.

 

أولاً: دسترة المواطنة وتجريم الوصم والتحشيد الجهوي والعقدي

صياغة ميثاق وطني دستوري يجرِّم بشكل قاطع كافة أشكال التعبئة الإثنية أو الدينية، أو محاولات تجريد السودانيين من هويتهم في العمل السياسي والعسكري، ويضع عقوبات قانونية رادعة تصل إلى الحرمان من الحقوق السياسية لكل كيان يستخدم الخطاب القبلي أو المذهبي أو الوصم بالأجنبية أو الكفر أداة للتحشيد. ويجب أن تُنشأ بموجب هذا الميثاق محكمة دستورية متخصصة تنظر حصراً في قضايا انتهاك المواطنة والتمييز، وتكون قراراتها نهائية وملزمة لكل مؤسسات الدولة، ليكون القانون هو الحارس الأول للسلم الاجتماعي.

ثانياً: الفيدرالية المالية التنموية

إقرار نظام فيدرالي مالي يمنح الأقاليم سلطة مباشرة على مواردها المحلية، لإنهاء حالة الارتهان التاريخي لقرار المركز الذي غذّى دوافع التمرد المسلح وجعل من القبيلة والطائفة أداة لانتزاع الحقوق. في هذا النظام تُخصص نسبة عادلة من عوائد الموارد الطبيعية لكل إقليم وتُدار عبر صناديق تنموية إقليمية تخضع لرقابة المجالس المحلية المنتخبة، مع الاحتفاظ بصندوق للتضامن الوطني يضمن ألا تتخلف الأقاليم الأقل موارداً عن الركب، مما يحوِّل التنافس من صراع على الهوية إلى تنافس على الإعمار.

ثالثاً: التأسيس الهيكلي للمؤسسة العسكرية

البدء الفوري في تفكيك الروابط العضوية بين الجيش والسياسة، وبين الجيش والاقتصاد والآيديولوجيا، وتحويل ملف “التأسيس الأمني” من مفاوضات صورية لدمج القوات نحو رؤية جديدة، مما يضمن بناء جيش مهني غير عقائدي يحمي الدستور المدني ولا يتدخل في صناعته. وأي حل سياسي لا يمس جذور هذه الأزمة الهيكلية ليس سوى تأجيل مدروس لانفجار أكبر وأكثر دموية.

رابعاً: مفوضية الهوية والعدالة التاريخية

تأسيس مفوضية وطنية مستقلة تعمل على مراجعة المناهج التعليمية والسياسات الثقافية والإعلامية، لإزالة رواسب التمييز التي خلفها الإرث الكولونيالي والآيديولوجي معاً، وجعل التعدد الثقافي والديني مادة للاندماج الوطني لا سبباً للتوجس. هذه المفوضية توثق الانتهاكات التاريخية التي مارستها الدولة ضد مكوناتها المختلفة، لا من أجل الانتقام بل من أجل الاعتراف الذي هو أول خطوات المصالحة، وتصمم ميثاقاً وطنياً للهوية يعترف بأن السودانوية هي مجموع هوياته المتعددة المتساوية في القيمة والكرامة.

إن الاستمرار في إنكار هذا الفشل التأسيسي المزدوج للدولة السودانية سيعني حتماً الانتقال من حالة “الدولة الهشة” إلى حالة “اللا دولة”، حيث تفرض واقعياً هويات صغرى على جغرافيا متفتتة. إن أي حل سياسي لا يمس جذور هذه الأزمة الهيكلية، ولا ينهي نهائياً سياسات “فرز المواطنين” بالعرق أو بالدين والوصم بالأجنبية أو الهرطقة ليس سوى تأجيل مدروس لانفجار أكبر وأكثر دموية. فالسودان اليوم لا يحتاج إلى “هدنة جنرالات”، يحتاج إلى “ثورة تأسيسية” تعيد تعريف الانتماء على أساس المساواة المدنية، وإلا فإننا لا نقوم سوى بترميم جدار يتداعى فوق رؤوس الجميع، والواقع يفرض إما دولة المواطنة المتساوية أو الشتات التاريخي الشامل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *