المملكة المتحدة تفرض عقوبات فورية على “ست شخصيات رئيسية تغذي حرب السودان”
مجلس العموم: الحرب في السودان وصمة على ضمير العالم
لندن: (ديسمبر)
خلال الأسبوعين الماضيين، شهدت العاصمة البريطانية تحركات سياسية ودبلوماسية مكثفة تتعلق بالعمل على وقف الحرب في السودان، والوصول على هدنة إنسانية تسمح بإيصال المساعدات للمحتاجين، ووقف دائم لإطلاق النار يسمح بعودة اللاجئين والنازحين إلى ديارهم وإطلاق عملية سياسية تقود إلى حكم مدني انتقالي.
في هذا التقرير تسلط (ديسمبر) الأضواء على هذه التحركات السياسية والدبلوماسية التي شملت وزارة الخارجية البريطانية ومجلس العموم، بالإضافة إلى الزيارة الناجحة لوفد قيادة “صمود” للعاصمة البريطانية.

فرض عقوبات “على ستة أفراد يؤججون الحرب في السودان”
في يوم الخميس 5 فبراير 2026، أعلنت المملكة المتحدة أنها قررت فرض حزمة جديدة من العقوبات على ستة أفراد “يُشتبه في ارتكابهم فظائع في حرب السودان، أو تغذية النزاع من خلال توريد المرتزقة والمعدات العسكرية.” وتشمل العقوبات حظر توريد الأسلحة وتجميد الأصول وحظر السفر.
وقد أُعلنت التدابير من قبل وزيرة الخارجية، إيفيت كوبر، عقب زيارتها لمنطقة أدري الحدودية، حيث التقت باللاجئين الذين فروا من العنف، بمن فيهم النساء والفتيات اللواتي تعرضن للاعتداء الجنسي والاغتصاب على يد الفصائل المتحاربة. كما التقت الوزيرة بالعاملين الإنسانيين في الخطوط الأمامية الذين يحاولون إيصال الإمدادات من الطعام والدواء إلى ملايين السودانيين الذين شُرِّدوا من ديارهم.
وقالت وزيرة الخارجية إيفيت كوبر: “من خلال هذه العقوبات، نسعى إلى تفكيك آلة الحرب لأولئك الذين يرتكبون أو يستفيدون من العنف الوحشي في السودان، وسنوجه رسالة إلى كل فرد مسؤول عن قيادة هذه الجيوش وارتكاب هذه الفظائع بأنهم سيحاسبون يوماً ما”. ودعت الوزيرة إلى وقف إطلاق النار وإتاحة الوصول دون عوائق لوكالات الإغاثة.
وكانت المملكة المتحدة قد فرضت عقوبات مماثلة في 12 ديسمبر 2025 على أربعة من قادة قوات الدعم السريع يُشتبه في مسؤوليتهم عن الانتهاكات.
والعقوبات الجديدة التي فرضتها المملكة المتحدة في 5 فبراير “تستهدف كبار القادة في كل من قوات الدعم السريع والقوات المسلحة السودانية، الذين يُشتبه في أن جنودهم ارتكبوا مذابح ضد السكان المدنيين، واستخدموا الاغتصاب كسلاح في الحرب، بالإضافة إلى عدد من الأفراد الذين يُشتبه في قيامهم بتجنيد مقاتلين أجانب للمشاركة في النزاع، أو تسهيل شراء المعدات العسكرية.”
وجاء في نص القرار البريطاني أن العقوبات تشمل كلاً من:
- حسين برشم: قائد ميداني بقوات الدعم السريع، مسؤول عن الانتهاكات الجماعية بما في ذلك العنف العرقي والتهجير القسري والهجمات على المدنيين، خاصة في دارفور.
- أبو عاقلة محمد كيكل: قائد عسكري في القوات المسلحة السودانية. زعيم قوات درع السودان التي تتحمل مسؤولية الفظائع التي ارتُكبت في أوائل عام 2025 في ولاية الجزيرة.
- مصطفى إبراهيم عبد النبي محمد: مدير بنك الخليج والمساهم الأكبر في شركة حلول الحماية المحدودة (السودان)- مستشار مالي لقائد قوات الدعم السريع. يُشتبه في مساعدته في تمويل الحملة العسكرية لقوات الدعم السريع بشكل غير مشروع.
- كلوديا فيفيانا أوليفيروس فوريرو: شاركت في تجنيد أفراد سابقين من الجيش الكولومبي لتدريبهم والقتال لصالح قوات الدعم السريع.
- ماتيو أندريس دوكي بوتيرو: شارك في تجنيد أفراد سابقين من الجيش الكولومبي لتدريبهم والقتال لصالح قوات الدعم السريع.
- ألفارو أندريس كيجانو بيسيرا: شارك في تجنيد أفراد سابقين من الجيش الكولومبي لتدريبهم والقتال لصالح قوات الدعم السريع.
وقالت الوزيرة إيفيت كوبر بأن العقوبات تدعم جهود المملكة المتحدة الأوسع لـ”تفكيك آلة الحرب السودانية، وإضعاف الشبكات التي تدعم الحرب، مع تزايد الضغط الدولي من أجل وقف إطلاق النار والوصول الإنساني غير المقيد إلى أكثر المجتمعات ضعفاً في السودان”. وشددت الوزيرة البريطانية على أن “هذه الهجمات الإجرامية على نساء السودان هي جزء من أكبر أزمة إنسانية في القرن الحادي والعشرين، ونحن بحاجة ماسة إلى عمل دولي متضافر سعياً لوقف إطلاق النار والسلام. إن نزاع السودان يؤثر على الأمن والهجرة ليس في المنطقة فحسب، بل على نطاق أوسع بكثير أيضاً. ولهذا فإن هذه الأزمة تمسنا جميعاً. وستظل المملكة المتحدة بلا كلل تسلط الضوء الدولي على الفظائع التي تحدث في السودان”. وأضافت كوبر: “سوف نبعث برسالة إلى كل فرد مسؤول عن قيادة هذه الجيوش وارتكاب هذه الفظائع بأنهم سيحاسبون يوماً ما”.

رئاسة بريطانيا لمجلس الأمن في شهر فبراير
وأكدت إيفيت كوبر بأن المملكة المتحدة ستجعل السودان أولوية دبلوماسية عليا لرئاستها لمجلس الأمن التابع للأمم المتحدة في شهر فبراير، وستضغط من أجل وقف إطلاق النار ولاتخاذ إجراءات أقوى بشأن الإغاثة الإنسانية والمساءلة عن الفظائع، والضغط الدولي المنسق على الأطراف المتحاربة، مع تجديد الضغط وإزالة ما وصفته بالحواجز المتعمدة أمام وصول المساعدات الإنسانية. كما ستنضم المملكة المتحدة إلى ألمانيا وفرنسا في استضافة مؤتمر وزاري دولي في شهر أبريل المقبل يهدف لحشد الجهود الدولية لإنهاء الحرب.
إيفيت كوبر تجتمع بوزراء خارجية جوار السودان
ومن ناحية أخرى، اجتمعت وزيرة الخارجية البريطانية في أديس أبابا في الرابع من فبراير الجاري مع وزراء خارجية إثيوبيا وكينيا وجنوب السودان وتشاد، ورئيس مفوضية الاتحاد الإفريقي ومفوض السلم والأمن، وناقشت أهمية التعاون مع الدول الحدودية للسودان إلى جانب المجموعة الرباعية بقيادة الولايات المتحدة والمجتمع الدولي من أجل السعي إلى وقف إطلاق نار عاجل وضروري في السودان. وأكدت المناقشات الحاجة الملحة لوقف إطلاق النار والوصول الإنساني الآمن والعودة إلى انتقال سياسي يقوده المدنيون.

وزيرة الخارجية تخاطب مجلس العموم حول السودان
على صعيد آخر، قدمت وزيرة الخارجية إحاطة لمجلس العموم البريطاني في الخامس من فبراير الجاري. وجاء في تلك الإحاطة (التي وُصِفت بأنها مرافعة سياسية وأخلاقية): “في شهر يناير، تجاوز السودان ألف يوم من النزاع بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، في صراع إقليمي على السلطة والوسطاء والمصالح. ويتميز الصراع بفظائع لا يمكن تصورها، وبملايين دفعوا إلى المجاعة، وبالاستخدام المروع للاغتصاب كسلاح في الحرب، وبمعاناة ينبغي أن تهز جوهر إنسانيتنا المشتركة. ومع ذلك، كثيراً ما كان الرد الذي رأيناه هو التراجع وغضُّ الطرف، مما أدى إلى فشل كارثي بحق شعب السودان، وفشل بحق نساء السودان وفتياته”.
وأضافت الوزيرة: “ما لم أره في أدري لا يقل إزعاجاً. الآباء والأزواج والإخوة المفقودون: إما قُتلوا أو جُرّوا إلى القتال، أو هاجروا بعيداً وتركوا عائلاتهم خلفهم. التقارير الواردة من الفاشر بعد هجمات قوات الدعم السريع كانت عن فظائع مروعة إلى درجة أنها كانت تُرى من الفضاء.. رمال مخضبة بالدماء، أكوام متعددة من الجثث، مقابر جماعية. ولا تزال وكالات الإغاثة تواجه عوائق في الدخول. لقد رأينا تقارير عن رفض القوات المسلحة السودانية السماح بمرور المساعدات الإنسانية الضرورية بشدة. على الرغم من أن هناك الآن نحو ثلاثين مليون شخص بحاجة إلى مساعدة منقذة للحياة بسبب هذه الحرب. وما يصل إلى سبعة ملايين يواجهون المجاعة. وهذا يعادل تقريباً عدد سكان لندن بأكملها”.
وشددت الوزيرة على أنه ليس هناك حل عسكري لهذا النزاع، ومع ذلك لا يزال العسكريون الذين يقودون هذا النزاع يرفضون الاتفاق على هدنة. وهناك أدلة مقلقة على أنهم يسعون للحصول على أسلحة أشد خطراً ويحققون ذلك.
وقالت الوزيرة كوبر: “إن الولايات المتحدة تعمل بشكل مكثف مع دول “الرباعية” الأخرى لتأمين هدنة إنسانية وانسحاب القوات العسكرية والانتقال المدني ووقف تدفق الأسلحة. وأنا على اتصال وثيق مع جميع أعضاء الرباعية، بما في ذلك وزير الخارجية الأمريكية ماركو روبيو ومع المستشار الأعلى للرئيس الأمريكي للشؤون الإفريقية. المملكة المتحدة منخرطة بشكل خاص في عملية لدعم المدنيين السودانيين لبناء قدراتهم.
وللشركاء الأفارقة في المنطقة دور حاسم أيضاً. ففي أديس أبابا في وقت سابق من هذا الأسبوع، التقيت بوزراء خارجية إثيوبيا وكينيا وجنوب السودان وتشاد، ورئيس مفوضية الاتحاد الإفريقي للسلام والأمن، لمناقشة ما يمكن أن تفعله دول الجوار وتقييمهم للإجراءات اللازمة للاتفاق على وقف إطلاق النار”.
واختتمت الوزيرة خطابها بالقول: ” ليكُن عام 2026 هو العام الذي يصغي فيه العالم إلى نساء السودان، لا إلى العسكريين الذين يواصلون تأجيج هذا الصراع. وليكن عام 2026 هو العام الذي يتحد فيه العالم ليطلق زخماً جديداً وعاجلاً من أجل السلام.”

مجلس العموم: الحرب في السودان وصمة على ضمير العالم
وتداول النواب في مجلس العموم حول الأوضاع في السودان، وعبَّر عدد منهم عن مخاوفهم بشأن فعالية نظام الرقابة على صادرات الأسلحة البريطانية، مشيرين إلى مزاعم تفيد بأن دولة الإمارات العربية المتحدة تزود قوات الدعم السريع بأسلحة قد يكون مصدرها المملكة المتحدة. ودعا النواب الحكومة إلى استخدام نفوذها لدى الإمارات لضمان وقف أي دعم عسكري لقوات الدعم السريع، وطالبوا الإمارات باستخدام نفوذها لوقف القتال.
وأكد النواب على أهمية جمع الأدلة وتوثيق الجرائم لضمان تحقيق العدالة والمساءلة في المستقبل، وطالبوا الحكومة بتوضيح ما تبذله من جهود دبلوماسية مع الاتحاد الإفريقي للمساعدة في إنهاء الحرب.
كما شدد النواب على أن الوضع في السودان بلغ مستوى من الخطورة يتطلب تحركاً عاجلاً وفعالاً من المجتمع الدولي، مؤكدين أن على المملكة المتحدة مسؤولية أخلاقية وسياسية لقيادة الجهود الدولية لإنهاء المأساة السودانية وحماية المدنيين وتحقيق العدالة.

وفد “صمود” يخاطب مجلس العموم
هذا وقد عقدت المجموعة البرلمانية البريطانية للسودان وجنوب السودان جلسة خاصة بمباني مجلس العموم البريطاني، ترأستها عضوة مجلس العموم البريطاني أناليس دودز وخاطبها وفد التحالف المدني الديمقراطي لقوى الثورة “صمود” بقيادة د.عبد الله حمدوك في ختام زيارته للمملكة المتحدة. وتناولت الجلسة مستجدات المشهدين السياسي والإنساني في السودان والتحديات المرتبطة باستمرار النزاع المسلح.
وشهدت الجلسة التي حضرها عدد من النواب البرلمانيين في مجلسي العموم واللوردات نقاشاً مستفيضاً حول تطورات المشهد السوداني وسبل دعم الجهود الدولية الرامية إلى وقف الحرب والتخفيف من حدّة الأزمة الإنسانية المتفاقمة في البلاد.
وأكد أعضاء المجموعة البرلمانية للسودان وجنوب السودان كامل استعدادهم لتبني خطوات عملية فورية للمساهمة في وقف الحرب ومعالجة الأزمة الإنسانية في السودان.
هذا بينما أكد تحالف “صمود” تقديره البالغ لجلسة مجلس العموم البريطاني التي انعقدت مؤخراً وقدمت فيها وزيرة الخارجية البريطانية إيفيت كوبر خطاباً مميزاً وشهدت نقاشاً جاداً من النواب أوضح قدراً عالياً من الالتزام ببذل الجهد لوقف الحرب في السودان.