نقد وتحليل “تقرير أداء الشركة السودانية للموارد المعدنية للعام 2025م”
م.خيري عبدالرحمن
وزير الطاقة والتعدين المكلف الأسبق
رغم ما أورده تقرير أداء الشركة السودانية للموارد المعدنية المحدودة للعام 2025م من أرقام ومؤشرات وصفت بأنها “قياسية” وتعكس “طفرة كبيرة” في قطاع التعدين، إلا أن التقرير يعاني من أوجه قصور جوهرية تمس قواعد المصداقية والشفافية، وتثير تساؤلات عميقة حول مدى ارتباط هذه النتائج بالواقع السياسي والأمني والاقتصادي الذي تمر به البلاد، وذلك على النحو الآتي:

أولاً: تجاهل واقع الحرب ودور قطاع التعدين في تأجيجها
يخلو التقرير بصورة لافتة من أي إشارة جادة إلى الحرب الدائرة في السودان منذ أبريل 2023م، رغم أن قطاع التعدين يعد من أكثر القطاعات ارتباطاً بالنزاع الحالي، بل إن هذا القطاع متهم على نطاق واسع، محلياً وإقليمياً ودولياً، بأنه أحد الأسباب المباشرة وغير المباشرة لاشتعال أو إطالة أمد الحرب، نتيجة لتشابك المصالح الاقتصادية حول الموارد المعدنية، وتداخلها مع مصالح إقليمية ودولية، والأخطر من ذلك في استخدام عائدات التعدين لتغذية اقتصاد الحرب وبالتالي توسعها.
إن تجاهل هذا البعد الخطير يفصل التقرير عن أحد أهم محددات واقع القطاع، ويُفرغه من أي قراءة سياسية أو أمنية مسؤولة للبيئة التي يعمل فيها. خاصة عندما لا يشير الى إحصائيات الإنتاج في كلٍ من المواقع الجغرافية التي يسيطر عليها كل طرف على حِدة. ويكشف ذلك بكل وضوح ترابط المصالح حول هذا القطاع مثلما كشف اتفاق الطرفين على قسمة النصيب بينهما في قطاع النفط بعد استلام الدعم السريع لحقل هجليج.
ثانياً: تساؤلات جوهرية حول استمرارية وزيادة الإنتاج في ظل النزاع
يعرض التقرير أرقاماً غير مسبوقة لإنتاج الذهب بلغت 70 طناً بنسبة إنجاز 113% وإيرادات مالية تفوق 132%من التوقعات، دون تقديم تفسير مهني لكيفية تحقق هذا النمو، في وقت تشهد فيه مناطق واسعة من البلاد انعداماً للأمن، وانهياراً للرقابة المؤسسية، وتراجعاً في الخدمات وانهياراً للبنى التحتية التي تعتبر من أساسيات استمرار الإنتاج دع عنك زيادته.
ويثير ذلك تساؤلات مشروعة حول التقديرات التي قدمها التقرير لهذا الإنتاج، ومدى خضوعه للضوابط الرسمية، وما إذا كان جزء معتبر منه ناتجاً عن أنشطة تعدين غير منظمة أو خارج الإطار القانوني.
كما تثير تقارير استمرار زيادة الانتاج المعلن بالرغم من احتدام القتال منذ اندلاع الحرب في 2023 (24 طناً) ثم في 2024(64 طناً) لتصل هذا العام 2025 إلى 70 طناً، الكثير من الشكوك حول هذه الحرب وأهدافها!.
ثالثاً: الإشارة المقتضبة لكارثة تهريب الذهب وتفاقمه بفعل الحرب
على غير المعتاد الإشارة إلى تهريب الذهب من ضمن “تحديات” القطاع، لم يتطرق التقرير من قريب أو بعيد إلى تقديرات السلطات نفسها حول حجم تهريب الذهب، وهو ملف معروف بتأثيره العميق على السيادة والأمن القومي والاقتصاد الوطني وفقدان الخزينة العامة لموارد ضخمة من النقد الأجنبي.
كما تجاهل التقرير حقيقة أن الحرب أسهمت بشكل مباشر في تفاقم عمليات التهريب، نتيجة ضعف السيطرة على المنافذ، وغياب الرقابة، وتعدد مراكز النفوذ، الأمر الذي يجعل كل الأرقام المعلنة للإنتاج والإيرادات غير مجدية ما لم تُقارن بحجم الفاقد الناتج عن التهريب.
رابعاً: تجاهل الآثار البيئية الخطيرة للتعدين المستمر دون ضوابط
كذلك أشار التقرير من ضمن نقاط “التحديات” إلى “رفع مستوى الوعي المجتمعي بالسلامة البيئية”، في الوقت الذي يذكر فيه أن الإنتاج من التعدين التقليدي بلغ 58.4 طناً (83% من جملة الإنتاج المعلن!)، لكنه لم يقدم أي معالجة تفصيلية للأضرار البيئية الناتجة عن الاستخدام المستمر للزئبق والسيانيد في عمليات التعدين، ولا سيما في ظل غياب فعلي للرقابة البيئية أثناء الحرب. وإنما تأتي هذه الإشارة وكأنها تدعي بأن الأزمة البيئية التي وصلت الى حد الكارثة، هي ضعف “مستوى الوعي المجتمعي بالسلامة البيئية”.. رمتني بدائها وانسلَّت!.
وفي كل الأحوال، لم يوضح التقرير الخطط أو الآليات التي اعتمدتها السلطات للحد من هذه المخاطر، أو لحماية المجتمعات المحلية والموارد الطبيعية من التلوث طويل الأمد. في الوقت الذي نجد أن نفس هذه السلطات تستخدم القوة والعنف لإعادة تشغيل مصانع الموت لإنتاج السيانيد في مواقع متاخمة لقرى الأهالي، دون أي اعتبار لمطالبهم المتكررة والأوامر الرسمية والقضائية بإغلاقها وترحيلها.
خامساً: غياب المراجعة المستقلة وضعف الحوكمة
لم يشر التقرير إلى خضوعه لمراجعة أو تدقيق بواسطة مكاتب مراجعة مستقلة ومعتمدة داخليا أو اقليميا أو دولياً، وهو نقص جوهري خاصة في ظل الإعلان عن إيرادات تتجاوز الترليون جنيه سوداني. ويعد هذا الغياب متناقضاً مع الحديث عن الحوكمة المؤسسية ورقمنة الأداء، التي لا يمكن أن تكتمل دون شفافية ومساءلة مستقلة.
سادساً: خطاب احتفائي يغيب عنه التقييم النقدي
غلب على التقرير الطابع الإشادي والاحتفائي بالإنجازات، على حساب التقييم الواقعي للتحديات البنيوية، والمخاطر الأمنية والبيئية، ودور القطاع في اقتصاد الحرب. وهو ما يجعل التقرير أقرب إلى بيان إعلامي منه إلى وثيقة تقييم مهني يمكن البناء عليها في وضع سياسات مستدامة.
وليس آخراً أقول: إن تقرير أداء الشركة السودانية للموارد المعدنية للعام 2025م، بصيغته الحالية، لا يقدم قراءة شاملة أو شفافة لواقع قطاع التعدين في ظل الحرب، ويتجاهل أدواره المتشابكة مع النزاع، وتداعيات التهريب، والأضرار البيئية، وضعف الحوكمة. وعليه، إنما هو يأتي ليضيف عاملاً جديداً وقوياً لضرورة وقف هذه الحرب اللئيمة حتى يتهيأ المناخ اللازم للقيام بمراجعة شاملة للأداء في قطاع التعدين بأكمله. المسألة لا ترتبط بكيفية صياغة تقرير بهدف الاحتفاء والتهويل بنجاحات تبدو وكأنها مزعومة، وتستهدف تشجيع استمرار الحرب طالما تتزايد الأموال من نزيف الموارد.
الأمر هنا جلل عندما نتعامل معه بمسئولية حفظ الموارد الوطنية ومنع توظيفها في تخريب البيئة ودمار كل بقية الموارد الاستراتيجية.
وقبل كل شيء: لابد من الرفض الصارم لتوظيف هذه الموارد لإطالة أمد الصراع، مهما تكن كيفية الإنتاج وكميته.