عواصم: (ديسمبر)
نشر “مشروع قدرات التقييم” ACAPS في 19 نوفمبر الماضي وثيقة بعنوان “السودان: سيناريوهات” وتتناول بشكل أساسي كيف يمكن أن تشكل السيطرة والحوكمة أوضاع السكان والاستجابة الإنسانية في عام 2026.
ويشير التقرير إلى أن التحولات السريعة في مناطق السيطرة والتحالفات السياسية في السودان أثرت بعمق على الحوكمة المحلية والوطنية، مما يؤثر بدوره على الاستجابة الإنسانية. ويستعرض التقرير أربعة سيناريوهات، تم تطويرها في سبتمبر 2025، تستكشف كيفية تطور الحوكمة والسيطرة في السودان حتى ديسمبر 2026 عبر تحليل تأثيراتها على الاقتصاد والخدمات والوصول الإنساني والظروف الإنسانية، مما يساعد في توقع نقاط التحول وتمكين الاستجابات الاستباقية.
ويُعرف التقرير “الحكم” في هذا التحليل بأنه الكيفية التي تتخذ بها الأطراف القرارات وتنفذها داخل المجتمعات لتخصيص الموارد، وفرض القواعد، وتنظيم المساعدات، وحل النزاعات.
ويوضح التقرير أنه قد تم تطوير السيناريوهات بين أغسطس وسبتمبر 2025 بمساهمة أكثر من 40 خبيرًا من المجتمع المدني، والمنظمات الإنسانية، والجهات المانحة، والمنظمات الأكاديمية، والخبراء المستقلين. وتضمنت العملية تحديد سؤال البحث، وتحليل الوضع الحالي، ورسم خريطة للمتغيرات، وإنشاء سيناريوهات من خلال مجموعات مختلفة من الافتراضات، ومراجعة السيناريوهات المعقولة.
ويحدد التقرير 4 سيناريوهات يمكن أن تترك تأثيراتها على الاستجابة الإنسانية في العام 2026 واستناداً إلى 3 محاور رئيسية تبدأ بتوصيف الواقع ومن ثم الحوكمة ومن ثم التأثيرات المتوقعة.
سيناريو الاستنزاف
السيناريو الأول هو سيناريو “الاستنزاف” والذي يقود إلى تعمّق التفتت في السودان؛ حيث يسيطر الجيش السوداني على الشرق والوسط بحوكمة ضعيفة، بينما تسيطر قوات الدعم السريع على معظم أقاليم غرب البلاد من خلال العمليات العسكرية والإكراه. فيما تسيطر الحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال (بقيادة عبد العزيز الحلو) على أجزاء من كردفان. ووفق هذا السيناريو فإن خطوط المواجهة في دارفور وكردفان تشهد تكثيفاً في العمليات البرية، كما تزداد الهجمات بالطائرات المسيرة على البنية التحتية المدنية.
ورغم استمرار الاعتراف الدولي بمجلس السيادة الانتقالي الواقع تحت هيمنة القوات المسلحة، لكن قوات الدعم السريع والحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال تحقق تقدمًا محدودًا في تشكيل حكومة منافسة، مما يؤدي إلى فرض جماعات المجتمع المدني والجماعات المسلحة سلطتها عبر إجراءات قسرية.
النتائج المباشرة لسيناريو الاستنزاف تتمثل في تسريع الانهيار الاقتصادي، وتفتت تقديم الخدمات، وتسييس الوصول الإنساني، مع الاعتماد على المستجيبين المحليين (مما يحوِّل المخاطر إليهم)، وتدهور الظروف الإنسانية (المأوى والصحة والغذاء والحماية) في مناطق النزاع، وتزايد النزوح مع تصاعد خطاب الكراهية والتحريض العرقي.
سيناريو التقسيم
السيناريو الثاني هو سيناريو التقسيم وسيشهد توطد كتلتين حاكمتين متنافستين ولكنهما تعملان: حكومة تأسيس المدعومة من قوات الدعم السريع والحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال في غرب السودان، والمجلس السيادي الانتقالي المدعوم من الجيش السوداني في شرق ووسط السودان. وفقاً لذلك ستستقر خطوط المواجهة، وتتراجع حدة النزاع المسلح العام.
وستعمل كلتا الكتلتين على تعزيز الحوكمة داخل أراضيهما، وتحققان اعترافًا فعليًا من قبل الأطراف الدولية، الأمر الذي سيقود إلى ظهور بيئتين متميزتين للمساعدات (آليات تخليص وضرائب وتسجيل منفصلة). ووفق هذا السيناريو، يتحسن الوصول الإنساني على مستوى البلاد (خاصة في ولايات غرب السودان). كما سيقود أيضاً إلى تحسن الأوضاع الاقتصادية في كلتا المنطقتين، لكن مع إضفاء الطابع الرسمي على شبكات المحسوبية، مما يؤدي إلى تفاوتات في الثروة.
أيضاً سيقود سيناريو التقسيم إلى تحسن تقديم الخدمات؛ تظل مناطق “تأسيس” تشاركية وقائمة على المجتمع، بينما تصبح مناطق المجلس السيادي الانتقالي أكثر مركزية. وتتحسن الظروف الإنسانية تدريجياً ولكنها تظل منحازة للسكان المتوافقين مع السلطات، مع استمرار مخاطر الحماية للجماعات غير المتوافقة.
سيناريو التفكك
وفقاً لهذا السيناريو تتقدم قوات الدعم السريع والحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال نحو وسط السودان، مع تفتت الجيش السوداني سياسيًا وعسكريًا، وانهيار تماسك القيادة المركزية. وسيقود هذا الوضع إلى ظهور عناصر متطرفة من الجماعات العسكرية/القبلية المتصدعة، وتفرض سلطة محلية.
مع تفكك هياكل الجيش السوداني، تنهار مؤسسات الدولة القائمة، وستعمل الإدارات الأهلية القبلية/العرقية على ملء فراغ السلطة، الأمر الذي يقود لظهور سلطات متعددة ومتداخلة بما يقوض شرعية المجلس السيادي الانتقالي.
ويتوقع هذا السيناريو انتشار أعمال العنف المحلية حول المنشآت الرئيسية (الخرطوم، بورتسودان) إلى تعطيل طرق التجارة والمساعدات. ويصبح الوصول الإنساني مقيدًا بشدة، ويتطلب من المنظمات الدولية والدول المعنية مفاوضات فردية مع السلطات القبلية/العرقية المختلفة والتي تعمل بشكل غير منسق. ويرافق ذلك تضخم مفرط والاعتماد بشكل أساسي على السلع العينية، مع تزايد نزوح المدنيين، والقتل الجماعي، والعنف الجنسي، والاستهداف العرقي.
سيناريو إعادة التأكيد
وينبني هذا السيناريو على فرضية تقدم الجيش السوداني في مناطق كردفان ودارفور، مما يضعف قوات الدعم السريع ويدفعها نحو نيالا والحدود التشادية، مع استمرار قوات الدعم السريع في فقدان الأراضي، وتتفكك تحالفاتها. حينها يكتسب الجيش السوداني شرعية داخلية ودولية متصورة، ويعيد تأكيد الحوكمة المركزية والمراقبة والتحكم العقابي، مع استمرار تآكل شرعية قوات الدعم السريع.
تؤدي مكاسب الجيش السوداني وفق سيناريو إعادة التأكيد إلى تقلص العمليات الإنسانية المستقلة ودور المجتمع المدني مع تحسن الوصول الإنساني في المناطق العائدة لسيطرة القوات المسلحة، لكن المساعدات تصبح مسيسة.
تتعافى الخدمات ببطء في المناطق التي استعادها الجيش السوداني، لكن بشكل غير متساوٍ، مما يستبعد السكان الذين يُنظر إليهم على أنهم تابعون لقوات الدعم السريع. في المناطق المتبقية التي تسيطر عليها قوات الدعم السريع، تؤدي قيود الوصول وفقدان خطوط الإمداد إلى تفاقم انعدام الأمن الغذائي ومخاطر الحماية.
عوامل إضافية
يحدد التقرير عدداً من التطورات والعوامل التي قد تقود إلى خلق واقع عسكري وسياسي جديد، يعزز أو يضعف السيناريوهات الأربعة وفي مقدمتها نجاح مبادرة الرباعية، بقيادة الولايات المتحدة، في توحيد الجهات الإقليمية الفاعلة لدعم خارطة طريق انتقالية مدنية، تهدف إلى اتفاق سلام يقود لوقف إطلاق النار إلى تجميد خطوط المواجهة، مما يؤدي إلى التقسيم، أو دعم سلطة واحدة، أو دعم انتقال مدني.
كما يأخذ التقرير في الاعتبار الظروف المناخية حيث تؤثر الظواهر الجوية الاستثنائية (الأمطار الغزيرة، الفيضانات) على أنماط النزاع والوصول الإنساني والاحتياجات. موسم الأمطار (يونيو-سبتمبر) يبطئ تقدم القوات ويخلق عقبات تشغيلية للمساعدات، مما يؤثر على الوصول عبر طرق مثل معبر أدري.
ويشير التقرير إلى أن تجدد النزاع في جنوب السودان يمكن أن يقود إلى توسعه إلى داخل أراضي السودان (تغذية المقاتلين، تعطيل طرق الإمداد، تقليل إيرادات الجيش السوداني من رسوم عبور النفط)، مما يغير آليات السيطرة والحوكمة.
عامل آخر لا يمكن تجاوزه يتمثل في اتساع عدم الاستقرار في تشاد ووصوله إلى غرب السودان (التجنيد، التهريب، النزوح العكسي)، مما يعيد تشكيل ديناميات الحوكمة والسيطرة، ويزيد من تفاقم الاحتياجات الإنسانية.
أخيراً، يأخذ التقرير في الاعتبار التوترات في مصر وإريتريا وإثيوبيا حول سد النهضة الإثيوبي الكبير والوصول إلى البحر الأحمر بما يهدد بجرُّ السودان إلى صراع إقليمي جديد، وعسكرة بورتسودان والحدود الشرقية، الأمر الذي يقيد الوصول الإنساني والتجارة.
من المهم الإشارة إلى أن مشروع قدرات التقييم (Assessment Capacities Project)، هو منظمة مستقلة وغير ربحية تقدم تحليلات ورؤى ومدفوعة بالبيانات حول الاحتياجات الإنسانية في الأزمات المعقدة، لدعم عمال الإغاثة وصناع القرار، كما أنها تعمل في مجال تقييم الاحتياجات لتعزيز الاستجابة الإنسانية.