نهى ليست وحدها.. 280 ألف طالب على حافة الضياع

نهى ليست وحدها.. 280 ألف طالب على حافة الضياع

امتحانات الشهادة السودانية بين الانقسام وتهديد ضياع جيل كامل

 

تقرير – إيمان فضل السيد

لم تكن الطالبة (نهى) تتخيل أن حلمها بالجلوس لامتحانات الشهادة الثانوية سيتحول إلى انتظار مفتوح بلا أفق واضح. منذ أكثر من عام ونصف، ظلت تترقب تلك اللحظة الفاصلة التي ستحدد مسار مستقبلها، قبل أن تُحرم منها قسرًا، لا لضعف أو تقصير أكاديمي، بل بسبب عجز أسرتها عن تحمل تكاليف السفر إلى ولاية أخرى تتوفر فيها مراكز للامتحانات.

تقول (نهى)، التي نزحت مع أسرتها من العاصمة الخرطوم إلى إحدى القرى بولاية الجزيرة:

“ما ذنبي حتى أُعاقب بحرماني من الامتحانات؟ أنا لم أختر المكان الذي أوجد فيه، ولا الظروف التي نعيشها.”

قصة (نهى) ليست استثناءً، بل تمثل نموذجًا لواقع أوسع وأكثر تعقيدًا يعيشه مئات الآلاف من الطلاب السودانيين. ففي العام الماضي، حُرم نحو 157 ألف طالب وطالبة من الجلوس لامتحانات الشهادة السودانية من بينهم (نهى)، معظمهم في مناطق النزاع، في واحدة من أكبر حالات التعطل التعليمي في تاريخ البلاد الحديث.

ومع اقتراب موعد امتحانات هذا العام، تتجدد المخاوف من تكرار السيناريو ذاته، ولكن على نطاق أوسع. إذ تشير تقديرات لجنة المعلمين السودانيين إلى أن نحو 280 ألف طالب وطالبة مهددون بعدم التمكن من أداء الامتحانات، في ظل استمرار الحرب وتعقيدات المشهد الميداني، وتباين السيطرة الإدارية على عدد من الولايات.

في محاولة لتدارك هذه الأزمة، أطلقت لجنة المعلمين مبادرة قومية تهدف إلى إنقاذ مستقبل هؤلاء الطلاب، دعت من خلالها إلى تمكينهم من أداء الامتحانات في مناطق وجودهم، مع التأكيد على ضرورة تحييد ملف التعليم عن الصراع السياسي والعسكري.

وفي هذا السياق، قال الأستاذ بشير نايل طه، عضو لجنة المعلمين، إن الامتحانات “تمثل حقًا أصيلًا للطلاب لا ينبغي أن يكون رهينًا للصراع”، مشيرًا إلى أن اللجنة تعمل على إقناع جميع الأطراف بإتاحة الفرصة للطلاب للجلوس لامتحاناتهم في أماكنهم دون الحاجة إلى النزوح أو تحمل أعباء إضافية.

وأضاف أن نجاح هذه المبادرة يعتمد بشكل كبير على مدى استشعار الأطراف المختلفة مسؤولياتها الوطنية والإنسانية، مؤكدًا أن العملية التعليمية “لا تقبل التجزئة”، وأن العدالة تقتضي تمكين جميع الطلاب، بما في ذلك أولئك الموجودون في مناطق النزاع مثل دارفور، من التمتع بنفس الفرص.

في المقابل، تؤكد السلطات التعليمية التابعة للحكومة في بورتسودان اكتمال استعداداتها لتنظيم الامتحانات في موعدها المحدد في 13 أبريل 2026، داخل الولايات التي تصفها بالآمنة، إلى جانب مراكز خارج السودان. كما أعلنت عن ترتيبات خاصة للطلاب المتأثرين بالحرب، بما في ذلك تنظيم امتحانات بديلة للطلاب اللاجئين، خاصة في شرق تشاد، خلال شهر مايو المقبل.

غير أن هذا التوجه لا يعكس صورة موحدة على الأرض. ففي مسار موازٍ، أعلنت سلطات تعليمية في ولاية غرب دارفور، التابعة لما يُعرف بـ”حكومة تأسيس”، عن شروعها في تنظيم الامتحانات داخل الولاية في يوليو المقبل، مؤكدة جاهزية المراكز وتوزيعها جغرافيًا بما يسمح للطلاب بالجلوس بالقرب من مناطقهم.

هذا التباين في القرارات يعكس بوضوح حالة الانقسام السياسي والإداري التي تعيشها البلاد، وهو ما ينعكس مباشرة على قطاع التعليم. وفي تعليقه على ذلك، أشار بشير نايل طه لـ(ديسمبر) إلى أن تضارب التصريحات والقرارات بين الجهات المختلفة يضع الطلاب وأسرهم في حالة من القلق وعدم اليقين، وقد يسهم في تعميق الانقسام الاجتماعي، إلى جانب إرباك العملية التعليمية برمتها.

تكشف هذه التطورات عن أزمة مركبة تتجاوز حدود الترتيبات الفنية لعقد الامتحانات، لتصل إلى جوهر العلاقة بين السياسة والتعليم في السودان. فبينما تؤكد الجهات الرسمية جاهزيتها من الناحية الإجرائية، تشير الوقائع إلى أن التحدي الحقيقي لا يكمن في مجرد عقد الامتحانات، بل في ضمان عدالتها وشمولها، وإتاحة الوصول المتكافئ لجميع الطلاب، خاصة أولئك الذين يعيشون في مناطق النزاع أو النزوح.

وفي هذا السياق، تبرز مفارقة لافتة: ففي الوقت الذي تدعو فيه لجنة المعلمين إلى تبني حل موحد قائم على تحييد العملية التعليمية من الصراع، تمضي الجهات الرسمية في مسارات متوازية قد تفضي إلى نشوء أنظمة امتحانات متعددة، تختلف من حيث التنظيم وربما من حيث الاعتراف والشرعية.

هذا التباين لا يهدد فقط العام الدراسي الحالي، بل يفتح الباب أمام أزمة أعمق تتعلق بشرعية الشهادات، وتكافؤ الفرص بين الطلاب، ومستقبل التعليم في السودان ككل. إذ إن تعدد الجهات المنظِّمة للامتحانات قد يؤدي إلى خلق واقع تعليمي منقسم، يصعب معه ضمان معايير موحدة للتقييم والاعتماد.

كما أن استمرار هذا الوضع يضعف الثقة في المؤسسات التعليمية، ويزيد من احتمالات اتساع الفجوة بين الطلاب، ليس فقط على المستوى الأكاديمي، بل أيضًا على مستوى الفرص المستقبلية، سواء في التعليم العالي أو في سوق العمل.

وفي ظل هذه المعطيات، تبدو الأزمة أقرب إلى اختبار سياسي بقدر ما هي امتحان أكاديمي. فهي تضع الأطراف المختلفة أمام مسؤولية تاريخية تتعلق بمصير مئات الآلاف من الطلاب، وتختبر قدرتهم على التنسيق، أو على الأقل تجنب اتخاذ قرارات من شأنها تعميق الانقسام.

وتكشف المقارنة بين أرقام العام الماضي وتقديرات هذا العام عن اتساع رقعة الأزمة، حيث لم يعد الحرمان من الامتحانات حالة استثنائية، بل خطرًا متكررًا يهدد جيلاً كاملاً، وهو ما يطرح تساؤلات جدية حول مستقبل العملية التعليمية في ظل استمرار الأوضاع الحالية دون حلول جذرية.

أما بالنسبة لـ(نهى) وآلاف غيرها، فإن القضية لا تتعلق بامتحان فحسب، بل بمستقبل كامل ظل معلقًا لسنوات. جيل بأكمله وجد نفسه عالقًا بين الحرب والانقسام، ينتظر فرصة للعبور إلى المرحلة التالية من حياته، دون أن يملك القدرة على تغيير واقعه.

وبين أرقام تتصاعد عامًا بعد عام، ومبادرات تصطدم بتعقيدات الواقع، يظل السؤال معلقًا:

هل يتكرر سيناريو الحرمان مرة أخرى، أم تنجح الجهود هذه المرة في إنقاذ عام دراسي، وربما إنقاذ جيل كامل من الضياع؟.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *