الحركة الإسلامية وإيران.. علاقات في السر والعلن

الحركة الإسلامية وإيران.. علاقات في السر والعلن

خاص: (ديسمبر)

 

كان الحدث الأبرز في قمة دول الانحياز في أوغندا في 20 يناير 2024 للمراقبين على مستوى القمة عودة العلاقات السودانية الإيرانية، وخاصة عقب ما تسرب من أجندة اللقاء وأهمها تطرق النقاش إلى ملف سواحل البحر الأحمر، وعن تفاهمات ومبادلات بين سند إيراني في الحرب القائمة، وتسهيلات سودانية لإنشاء قاعدة عسكرية على شواطئ البحر الأحمر.

والأهم من ذلك فتح اللقاء تاريخ العلاقة الملتبس بين الإسلاميين في السودان والدولة الإسلامية الإيرانية التي ينظر إليها على أنها علاقة شديدة التهديد لأمن المنطقة، وتحديداً لمنطقة الخليج ومصالح الولايات المتحدة الأمريكية والاقتصاد العالمي على حد سواء. وهذا ما بدأ يتجلى فور اندلاع المعركة بين إسرائيل وأمريكا من جهة وإيران من جهة أخرى مطلع الأسبوع الماضي، والتي أقحمت فيها دول الخليج دون استثناء. وعلى الرغم من دعمها الطويل للإسلاميين في السودان إلا أن بوادر تنكر لهذا الدعم بدأت تتجلى، مع دعوات صريحة لدعم عدوها في الحرب الحالية الجمهورية الإسلامية الإيرانية. وخلال الأيام الماضية تداول رواد مواقع التواصل الاجتماعي تصريحات لقيادات من الإسلاميين تدعو صراحة للجهاد في صفوف الإيرانيين ضد الأمريكان والإسرائيليين دون التفات لما تتعرض له الدول الخليجية.

من العداء إلى التطبيع

قبل استيلاء الإسلاميين على السلطة في السودان عام 1989 لم تخرج العلاقة بين البلدين من الحيز المتفق عليه في المحيط العربي والإسلامي الذي ينظر إلى تحركات إيران في اتجاه مشروع الإمبراطورية الفارسية وتمدد المذهب الشيعي في مقابل المذهب السني. ولم يمانع السودان في الحصول على قروض مالية ومساعدات زراعية محدودة من إيران. ومن المحطات البارزة في تاريخ العلاقة إهداء شاه إيران قطعاً بحرية للسودان رست في شواطئ البحر الأحمر. وهذا يعكس اهتمام إيران المبكر بهذه المنطقة.

وتسببت حرب أكتوبر 1973 في قطع العلاقات بين البلدين، لكنها عادت في منتصف السبعينيات قبل الإطاحة بالشاه برعاية من المخابرات الإيرانية التي ستصبح لها اليد العليا في العلاقة منذ تلك اللحظة. وعندما نشبت الحرب العراقية- الإيرانية لم يتردد الرئيس جعفر النميري في الوقوف إلى جانب العراق في حربه ضد إيران، وشارك جنود ومتطوعون سودانيون في الحرب.

ولما أطاحت الانتفاضة الشعبية في 1985 بنظام الرئيس النميري كانت علاقات البلدين مقبلة على تحول مهم تبناه رئيس الوزراء المنتخب ورئيس حزب الأمة الصادق المهدي الذي نقل العلاقة إلى تطبيع كامل بعد زيارة له إلى طهران عام 1988، والتي بدورها احتفت برحيل النميري وقررت مد حبال العلاقات مع السودان بعد انتباهها لتأثيره المهم في المحيط العربي وفي قضايا جوهرية من بينها القضية الفلسطينية، إلى جانب تأثيره وموقفه الجغرافي المميز.

وألمح الكاتب الإسلامي المهتم بالشأن الإيراني، عبد الرحيم عمر محيي الدين، إلى نقطة تتعلق بمذهب طائفة الأنصار في السودان التي يعد الصادق المهدي إمامها، والمذهب الإثني عشري الشيعي المصدق بظهور إمام المسلمين المهدي. وبعد شهور قليلة من افتتاح المركز الثقافي الإيراني في الخرطوم وقع انقلاب البشير قي 1989 والذي أطاح بالصادق المهدي وحكومته واحتكر الإسلاميون الحكم ثلاثين سنة.

 

“إيران إيران في كل مكان”

وفقا لإفادة صحفية للمفكر والمؤرخ السياسي الإسلامي، المحبوب عبد السلام، يعود اهتمام الحركة الإسلامية في السودان بالعلاقة مع إيران إلى ما قبل نجاح الثورة الإيرانية بقيادة آية الله روح الله الخميني. ولما نجحت الثورة في 1979 كان تنظيم الإسلاميين في السودان سباقاً في تأييدها والاحتفاء بها. وقال المحبوب: “بمجرد نجاح الثورة الإيرانية تجمع وفد من الإسلاميين السودانيين في أوروبا وزار الخميني في مقر سكنه في ضاحية نوفل لو شاتو في فرنسا قبل سفره إلى طهران، واستقبلهم مع مرافقيه أبو الحسن بني صدر، و(صادق) قطب زاده”. وضم الوفد، بحسب المحبوب، أحمد الترابي وربيع حسن أحمد. وفي الوقت نفسه شهدت شوارع الخرطوم مسيرات وتظاهرات حاشدة دعت لها الحركة الإسلامية وخاصة تنظيماتها الطلابية في الجامعات والمدارس الثانوية وهتفوا مرددين: “إيران إيران في كل مكان” وتعد هذه أول مظاهرة جماهيرية مؤيدة لنجاح الثورة الإيرانية في العالم الإسلامي.

وأضاف المحبوب: “كنت ضمن المشاركين في هذه المظاهرة. وفي الحقيقة كانت المظاهرة المؤيدة الأولى في العالم الإسلامي، وكذلك الأولى في تبيان جماهيرية تنظيم الإسلاميين في السودان أيام جعفر نميري”.

 

خذلان حسن الترابي

بعدما استقرت السلطة في يد الإسلاميين في السودان أرسلوا في 1990 وزير المالية دكتور عبد الرحيم حمدي إلى أصدقاء الأمس في طهران، طالبين العون والمساعدة لتخطي الوضع الاقتصادي السيئ للدولة الإسلامية الجديدة، والتي تعاني نقصاً في الوقود والسكر والدقيق. كانت القيادة واثقة من عون الإيرانيين لهم، ولكن ما وجده وزير المالية كان مفاجئاً عندما رفضت القيادة في طهران تقديم مساعدات اقتصادية للسودان بحجة أن لديها ديوناً على السودان منذ منتصف السبعينيات لم تسدد، ولكنهم وعدوا بتقديم كتب لمفكرين من الشيعة وأدوات رياضية للشباب ودعم الحسينيات والمراكز الثقافية الإيرانية في السودان، الأمر الذي عده حمدي ووفده نشراً للمذهب الشيعي وسط الشباب السودانيين بثمن بخس.

وما أغضب حمدي والشيخ حسن الترابي وولد لديهما شعوراً بالخذلان ما صرح به الإيرانيون في الاجتماع بأن اهتمامهم منصب على الدول الإسلامية التي خرجت من الاتحاد السوفياتي والتي ينتشر بين سكانها المذهب الشيعي، وأن إفريقيا ليست أولوية في هذه المرحلة. لكن التحولات التي حدثت في المنطقة والحصار والمراقبة الدولية التي فرضت على البلدين دفعت إيران لأن تضع السودان في أولى أولوياتها في أفريقيا على أقل تقدير.

الأمن الشعبي وجهاز “السافاك”

منذ وقت مبكر يوم 2 فبراير 2008 أغلق شارع “الجيش” أحد أهم طرق العاصمة السودانية الخرطوم، وانتشرت سيارات الشرطة والأمن على طول الطريق وعلقت لافتة ضخمة في قاعة الشهيد الزبير محمد صالح– أحد قادة انقلاب البشير الذي قتل في حادث طائرة- كتب عليها “الاحتفال بالذكرى السنوية لانتصار الثورة الإسلامية في إيران”. وتوافد على القاعة قيادات الصف الأول في الحركة الإسلامية وحزب المؤتمر الوطني الحاكم، وكان ضيف الشرف الإيراني غلام علي حداد عادل، رئيس مجلس الشورى الإسلامي في إيران (البرلمان الإيراني)، الذي جاء خصيصاً لحضور الحفل.

وفي العام ذاته وقَّعت حكومة الرئيس المخلوع عمر البشير أكبر عقود تعاون عسكري وصفقات سلاح مع إيران. وأكدت مصادر عسكرية ومدنية أن التعاون بين البلدين بدأ سراً في منتصف التسعينيات عندما ساعد خبراء أمنيون من طهران الحزب الحاكم والحركة الإسلامية في تأسيس الأمن الشعبي، وهو جهاز شبيه بجهاز “السافاك” في عهد الشاه، دوره الأساسي حماية النظام والحفاظ على بقائه. أما التعاون السري الأكبر فكان إنشاء التصنيع الحربي وتطوير أنظمة دفاعية.

إيران المراقَبة دولياً بسبب السلاح النووي، وكذلك نظام الإسلاميين الذي فرض عليه حصار دولي قاس، واتهم رئيسه بارتكاب جرائم حرب، وبات مطلوباً للمحكمة الجنائية الدولية، وجد كل منهما في الآخر ضالته. ومن أكبر الشواهد على هذا التعاون العسكري حادثة مصنع اليرموك.

الفلسطيني المبحوح واليرموك

دفع الحصار الأمريكي الشديد إيران إلى البحث عن ملاذات آمنة مستعدة للتعاون معها سراً في مهام عسكرية، ووجدت في نظام الإسلاميين في السودان مبتغاها، والذي كان يعاني هو الآخر عزلة دولية وحروباً أهلية في مناطق مختلفة بينها دارفور. وقام لويس مورينو أوكامبو، محقق المحكمة الجنائية، بإدراج عدد من القيادات في قائمة المطلوبين للمحكمة الجنائية وعلى رأسهم البشير.

كان غرض إيران الأساسي تصنيع صواريخ بالستية خوفاً من استهداف إسرائيل مخزونها من الصواريخ، ووقع الاختيار على مصنع اليرموك وهو مصنع صغير أنشئ عام 1993 جنوب غرب العاصمة الخرطوم لتصنيع ذخائر الكلاشينكوف والـ”جيم-3″، والمسدسات الصغيرة. وفعلا بدأ العمل سراً إلى أن داهم عملاء من الموساد القيادي والمنسق العسكري في حركة “حماس” محمود المبحوح في أحد فنادق دبي في يناير 2010 واغتالوه. ونقل مراسل صحيفة “معاريف” الإسرائيلية عوزي مخماني عن مصادر في الموساد أن العملاء الذين اغتالوا المبحوح أخذوا معهم وثائق كانت بحوزته وضعها في حقيبته، وإحدى هذه الوثائق هي بمثابة اتفاق وقع بين إيران والسودان عام 2008، ويخول هذا الاتفاق إيران بناء مصنع أسلحة على الأراضي السودانية.

صحيفة “معاريف” الصادرة باللغة العبرية دعمت التقرير قائلة، إن تقنيين إيرانيين وصلوا إلى المصنع في الخرطوم. وتحت إشراف “الحرس الثوري الإيراني” تم تصنيع صواريخ “شهاب” وصواريخ مختلفة، وفي منتصف ليلة 24 أكتوبر 2012، وجهت أربع طائرات إسرائيلية ضربة عسكرية إلى المصنع، محدثة انفجاراً هائلاً في سماء الخرطوم، وسوت المصنع بالأرض. أنكرت الحكومة السودانية الضربة الإسرائيلية أول الأمر، وقالت إن انفجار المصنع بسبب تماس كهربائي من ماكينة لحام. وتراجعت بعد ساعات واعترفت بأن الانفجار كان بسبب قصف طائرات إسرائيلية.

وكشف مصدر عسكري رفيع أن مجمع اليرموك للصناعات العسكرية الواقع قرب الخرطوم الذي قصفته أربع طائرات حربية كان يُنتج صواريخ بالستية إيرانية بموجب ترخيص من طهران.

“مهاجر-6” الإيرانية في معركة الخرطوم

ما لم يتمكن الجيش من إخفاءه مشاركة المسيرة مهاجر-6″، الإيرانية الشهيرة في معركة الخرطوم، بعد أن حصل عليها عبر وساطة من قيادات إسلاميين بارزين بحسب مصادر مطلعة، والمعضلة الأكثر تعقيدا انكار الجيش سيطرة الإسلاميين على القيادة فيه وتحكمها في المفاصل الهامة غير أن الحرب المندلعة الآن كشفت حقيقة علاقة الإسلاميين بالجيش من جهة وعلاقة الإخوان بالجمهورية الإيرانية من جهة أخرى. وفي أعقاب انكشاف العلاقة سارع الجيش للتنصل من الإسلاميين الذين أعلنوا على رؤوس الإشهاد دعمهم للجيش الايراني في الحرب على حساب دول الخليج وفي مقدمتهم السعودية وقطر اكبر الداعمين للجيش في حربه ضد قوات الدعم السريع غير أن الواقع يقول أن زمان انكار الجيش علاقته بالإسلاميين المقربين لإيران قد انتهى.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *