تصريحات ياسر العطا.. الجيش لم يتعلم شيئاً ولم ينسَ شيئاً
خاص: (ديسمبر)

وضع الفريق أول ياسر العطا، مساعد القائد العام للجيش، قوات الحركات المسلحة وكتائب الإسلاميين والمستنفرين في المقاومة الشعبية بين خيارين؛ تأهيلهم في مراكز تدريب حرفي أو استيعابهم في صفوف الجيش والشرطة. وقال العطا، لدى مخاطبته حشداً عسكرياً في أم درمان، إن “الجيش سيُفعِّل خلال الفترة المقبلة آلية الدمج والتسريح، فمن يريد الانضمام للجيش بحسب المعايير المعمول بها سيذهب للجيش، ومن يريد الأمن والشرطة فكذلك مرحب به”. وأضاف مساعد القائد العام أن “غير الراغبين في الاندماج في المؤسسة العسكرية، فإن الدولة والقوات المسلحة ملزمة بإعادة تأهيلهم في المراكز الحرفية والمهنية”.
حديث العطا وتوقيته وما يحيط به من أحداث داخلياً وإقليمياً، إلى جانب تجارب سابقة، وضعت الدعوة في موضع رفض وتجريم واستخفاف من أطراف مختلفة المواقف والمواقع.
من غير تحديد
الملاحظة الأولى صاغها رواد التواصل الاجتماعي في شكل سؤال في كثير من المواقع التي نشرت فيها التصريحات: “متى سيتم ذلك؟”. لكن السؤال الأكثر صعوبة جاء من آخرين في ذات المواقع: “هل ستقبل الحركات والكتائب؟ أم سنعيد تجربة الدعم السريع؟”. وفي حقيقة الأمر لدى الكثيرين لا يخرج تصريح ياسر العطا من حديث المنابر الذي يذهب أدراج الرياح، ولا يعدو أن يكون للهروب من قضايا حقيقية وملحة تكتنف المشهد. وما يعزز ذلك الأحداث التي سبقت التصريحات في الداخل والخارج.

هل توجد آلية دمج؟
ما قاله العطا حول تفعيل “آلية الدمج والتسريح” أوجد سؤلا ملحّاً: هل توجد آلية للدعم والتسريح داخل الجيش؟، ومتى أفلح الجيش في عملية دمج وتسريح؟. وبحسب خبراء عسكريين فإن عملية الدمج الوحيدة كانت بعد اتفاقية أديس أبابا في 1973، وقام بها اللواء تاج السر المقبول، إلا أنها أيضاً انهارت بعد عشر سنوات بعد عودة مجموعات “أنانيا” للقتال في صفوف الحركة الشعبية بقيادة الدكتور جون قرنق.
وفي اتفاقية “نيفاشا” برزت نظرية القوات المشتركة بدلاً عن الدمج، إذ قال مفاوضو الحركة الشعبية إنهم لا يثقون في الطرف الثاني؛ المؤتمر الوطني، واشترطوا الاحتفاظ بجيشهم طوال عمر الاتفاقية التي انتهى حالها بالانفصال. وموقف الحركة الشعبية صار سابقة تبناها كل من دخل مع الجيش إبان سلطة المؤتمر الوطني في اتفاق سلام. والمفارقة أن الحركات الدارفورية المسلحة التي وقعت اتفاق جوبا استعارت ذات النموذج، وهي ما عناها ياسر العطا في تصريحه الأخير ويطلق عليها اليوم “المشتركة”.
هل من سبيل لتجنب الحرب؟
تصريح ياسر العطا أعاد للأذهان تجربة “الإصلاح الأمني والعسكري” إبان الاتفاق الإطاري. وينظر كثيرون إلى أن الإصرار على دمج قوات الدعم السريع في الجيش أحد أسباب الحرب التي اشتعلت في 15 أبريل 2023م وقضت على أخضر السودان ويابسه. وفي حقيقة الأمر من أعاد ترتيب وقائع الاتفاق الإطاري وتحديداً ورقة دمج الجيوش لا يستبعد تلك الفرضية، أو علاقة دمج الجيوش واشتعال الحرب، لذلك سوف نعود إليها بشيء من التفصيل.
كان الاتفاق – أيام مقترح ورشة إصلاح القطاع الأمني- أن يقدم الجيش والدعم السريع ورقة مشتركة تتضمن رؤية مشتركة باعتبار أنهما مؤسسة واحدة تعمل وفق قانون واحد، وكان ظن المدنيين رغم إدراكهم وجود خلافات معلومة إلا أنهما – الدعم السريع والجيش- سوف يتلزمان بالمؤسسة ويقدمان ورقة واحدة. لكن المفاجأة أن كلاً منهما طلب أن يقدم ورقة منفصلة.
كان تقديم كل طرف ورقة والموافقة على المشاركة بمثابة اعتراف بوجود أزمة في القطاع العسكري وإقرار بهذه الأزمة حتى من الجيش. وفي الورشة قدم كل من جهاز الأمن وجهاز الشرطة ورقة تتضمن رؤية للإصلاح.
تمثلت الاختلافات الجوهرية بين ورقة الجيش والدعم السريع في فترة دمج الدعم السريع في الجيش في أول المفاوضات. كان رأي الدعم السريع أن يتم الدمج في (20) سنة، بينما رأى الجيش أن يكون الدمج في سنتين فقط. الخبراء العسكريون من بريطانيا وأمريكا، الذين تمت الاستعانة بهم، كان رأيهم أن يكون الدعم بين خمس إلى عشر سنوات. أخيراً برزت مسألة “دمج وحدات القيادة”. اقترح الجيش أن تكون هيئة قيادة الجيش من (6) أفراد؛ (4) من الجيش و(2) من الدعم السريع، وأن يرأس هيئة القيادة القائد العام للجيش. هنا اعترض الدعم السريع، وطالب بأن يكون رئيس الهيئة المشتركة رأس الدولة المدني أو رئيس الوزراء المدني، حلاً للخلاف. ومن أجل تحقيق مكسب تفاوضي اقترح القائد العام للجيش الفريق أول عبد الفتاح البرهان أن يتنازل الجيش عن فترة الدمج في سنتين وأن يقبل برؤية الخبراء البريطانيين والأمريكيين، على أن يتولى القائد العام للجيش رئاسة الهيئة. تم الاحتكام للخبراء الذين قدموا حلاً جاء كالآتي: “يتولى القائد العام رئاسة الهيئة ولكن تتخذ القرارات داخل الهيئة بالإجماع، أي موافقة الجميع”. قبلت قوات الدعم السريع ورفض الجيش.
من ضمن نقاط الخلاف الجوهرية مطالبة الدعم السريع بإزالة تمكين الإسلاميين داخل الجيش، وقال مفاوضوه إنه “لا يمكن أن نُدمَج في جيش يقوده كيزان”. وفي خطوة مفاجئة تقدموا بقائمة تتضمن (800) اسم قالوا إنهم ضباط إسلاميون، وتعهدوا بتقديم حيثيات لكل ضابط فيها تؤكد أنه إسلامي.
عرض الفريق أول عبد الفتاح البرهان قائمة الضباط الإسلاميين في اجتماع حضره ضباط من رتبة عميد وما فوق في القيادة العامة. شهد الاجتماع احتجاجاً وتذمراً على القائمة، وطالب بإيقاف الورشة.
اليوم الختامي لورشة الإصلاح الأمني والعسكري والتي سيعقبها توقيع الاتفاق الإطاري للمضي في تنفيذها، وعقب اجتماع القيادة، وبعد أن كان البرهان في طريقه لقاعة الصداقة وبعد اكتمال الترتيبات، آثر أن يتغيب. ونقلت وسائل الإعلام أن البرهان يتناول الإفطار في الباقير مع مجموعة من الجنود وتجاهل الحضور للقاعة وتجاهل التوقيع وتجاهل إيجاد حلول لأزمة جيوش في وضع استعداد. وفعلياً بعدها بأيام اشتعلت الحرب.

الدرس المستفاد: هل اتعظ العطا؟
في أم درمان قال العطا “سنفعل آلية الدمج والتسريح” لذلك يصبح السؤال جدياً عن هل يملك الجيش آلية دمج وتسريح؟ أم أنه حديث شبيه بالأحاديث التي ظل يطلقها العطا عن قرب نهاية الحرب وأشهرها “أسبوع أسبوعين”؟ وإن كانت موجودة لماذا لم تفعَّل لدمج قوات الدعم السريع وتجنيب البلاد هذه الحرب؟.
المقلق من وجهة نظر كثيرين عدم تعلم الجيش وقادته من تجربة “الدعم السريع” وعدم اتعاظهم من تجربة تكوين المليشيات والكتائب، والأكثر من ذلك وبعد أن تكونت وتكاثرت في ظروف الحرب هناك إصرار في التعامل مع مصيرها باستخفاف وعدم مسؤولية، على الرغم من مرارة نتائج التجربة السابقة. والمفارقة أن من بين معاصريها ورعاتها والمشاركين فيها ضباط على مستوى القيادة!.
لماذا الآن؟
كل من استمع إلى تصريحات ياسر العطا جال في ذهنه السؤال أعلاه: “لماذا الآن؟” وهل انتهت المعركة؟، ولكن من يتتبع الأحداث يفهم أن تفعيل آلية الدمج التي ذكرها العطا لا تعدو أن تكون ذَرّاً للرماد في العيون، وهروباً من قضايا مهمة وحارقة، وفي مقدمتها تصريحات الإسلاميين عقب اندلاع الحرب بين إسرائيل وأمريكا والخليج من جهة وإيران من جهة أخرى، والتي تسببت في إحراج كبير للجيش بعد أن أعلنوا صراحة مساندة إيران ضد دول الخليج. ويرى محللون أن العطا كان على علم بقرار وزارة الخارجية الذي صنفت بموجبه الحركة الإسلامية “منظمة إرهابية” بينما كتائبها تقاتل مع الجيش وفي مقدمتها كتيبة البراء بن مالك التي عناها القرار وشملها بالتصنيف، وتصريحات العطا على خفتها إلا أنه أراد بها إرسال تطمينات للإقليم والعالم وخاصة المملكة العربية السعودية.

رفض واستنكار
تصريحات العطا بأن الجيش سيدمج ويسرح كل حاملي السلاح في حرب 15 أبريل دون استثناء، وكما أسلفنا، هي تصريحات أريد منها الإلهاء وذر الرماد في العيون، إلا أنها قوبلت برفض واستنكار من عنتهم من حاملي السلاح، وخاصة الحركات المسلحة الموقعة على اتفاق جوبا، وكتب عدد من منسوبي حركة جيش تحرير السودان بقيادة مني أركو مناوي وحركة العدل والمساواة بقيادة جبريل إبراهيم، بأن الدمج أو التسريح قرار لن يتخذه العطا أو الجيش وحده، وطالبوا أن يتم الأمر وفق ما نصت عليه اتفاقية جوبا، وتهكم بعضهم من العطا قائلاً: “عشان حاربنا ليكم وسلمناكم الخرطوم دايرين تسرِّحونا؟”. غير أن الموقف الأخطر هو موقف كتائب الإسلاميين التي ظهر أكثر من قائد فيها يتحدى الجيش والعطا ويؤكد وقوفهم مع إبران، وأن حربهم من أجل مشروعها المتمثل في إعادة الحكم الإسلامي على حد قولهم. العطا يظن أن الأمر هين، وينتهي بالتصريحات دون أن يضع في الاعتبار استحقاقات من حاربوا، ودون أن ينظر إلى حال الجيش والحرب المستمرة، ودون أن يعتبر من تجربة دمج الدعم السريع.