واشنطن: (ديسمبر)
فرض مكتب مراقبة الأصول الأجنبية (OFAC) التابع لوزارة الخزانة الأمريكية في يوم الثلاثاء 9 ديسمبر 2025 عقوبات على أربعة أفراد وأربعة كيانات لدورهم في تأجيج الحرب الأهلية في السودان، التي تسببت في أسوأ أزمة إنسانية مستمرة في العالم. ويأتي ذلك في إطار سلسلة العقوبات والإجراءات التقييدية التي بدأت الإدارة الأمريكية تنفيذها على أفراد وكيانات مرتبطة بطرفي الحرب في السودان؛ القوات المسلحة وقوات الدعم السريع، وبغرض وقف الإمدادات العسكرية والضغط عليهما لإيقاف الحرب.
شبكة عابرة لحدود
ووصف بيان صادر عن وزارة الخزانة هؤلاء الأفراد والكيانات التي فرضت عليهم العقوبات بالشبكة العابرة للحدود، وهي تتألف أساسًا من مواطنين وشركات كولومبية، من جهات تقوم بتجنيد عناصر من العسكريين الكولومبيين السابقين وتدريب مقاتلين – بينهم أطفال – للقتال لصالح المجموعة شبه العسكرية السودانية المعروفة باسم قوات الدعم السريع.
واعتبر جون ك. هيرلي، وكيل وزارة الخزانة لشؤون الإرهاب والاستخبارات المالية، أن هذه العقوبات “تستهدف شبكة تقوم بتجنيد مقاتلين لصالح قوات الدعم السريع. لقد أثبتت قوات الدعم السريع مرة تلو الأخرى استعدادها لاستهداف المدنيين، بمن فيهم الرضّع وصغار السن. لقد عمّقت وحشيتُها الصراعَ وزعزعت استقرار المنطقة، ما خلق بيئة خصبة لنمو الجماعات الإرهابية”.
الكولومبيون في قلب المعركة
وأوضح بيان وزارة الخزانة الأمريكية أن تحقيق مكتب مراقبة الأصول الأجنبية (OFAC) بشأن الأفراد والكيانات المشمولين بالعقوبات اليوم تم إجراؤه بالشراكة مع إدارة الجمارك وحماية الحدود الأمريكية، ومركز الاستهداف الوطني.
ونوه البيان إلى أنه ومنذ سبتمبر 2024، سافر المئات من العسكريين الكولومبيين السابقين إلى السودان للقتال إلى جانب قوات الدعم السريع. ويقدم هؤلاء الكولومبيون خبرات تكتيكية وتقنية، ويعملون كمشاة ومدفعيين، وطياري مسيّرات، وسائقي مركبات، ومدربين — بمن فيهم مدربون لأطفال يتم تجنيدهم للقتال لصالح قوات الدعم السريع.
وقد شارك المقاتلون الكولومبيون في معارك عديدة في أنحاء السودان، بما في ذلك العاصمة الخرطوم، وأم درمان، وكردفان، والفاشر. ولولا دعم العديد من الأفراد والشركات — ومعظمهم من كولومبيا — لما أمكن وجود هؤلاء المقاتلين الكولومبيين في السودان.
وأكدت وزارة الخزانة أن ألفارو أندريس كيخانو بيسيرا (كيخانو)، وهو مواطن كولومبي–إيطالي مزدوج الجنسية وضابط كولومبي متقاعد يقيم في الإمارات العربية المتحدة، يلعب دورًا محوريًا في تجنيد العسكريين الكولومبيين السابقين وإرسالهم إلى السودان. وكيخانو، الذي كان سابقًا على صلة بـ”كارتل نورتي ديل فايي” في كولومبيا، مدعوم بشبكة من الشركاء والشركات المتخصصة في تجنيد المقاتلين وتسهيل حركة الأموال المتعلقة بنشرهم.
واعتبر البيان أن شركة الوكالة الدولية للخدمات (A4SI)، ومقرها بوغوتا في كولمبيا والتي شارك كيخانو في تأسيسها، تعتبر المركز الرئيسي لعمليات التجنيد، حيث قامت بحملات عبر موقعها الإلكتروني ومجموعات المحادثة واللقاءات العامة لملء وظائف مثل مشغلي المسيّرات، والقناصة، والمترجمين. وتعمل زوجة كيخانو، الكولومبية كلوديا فيفيانا أوليفيروس فوريرو (أوليفيروس)، كمالكة ومديرة لـA4SI.
جرائم وانتهاكات ممنهجة
ووفق ما جاء في بيان وزارة الخزانة الأمريكية، ومنذ اندلاع الصراع في أبريل 2023، “استهدفت قوات الدعم السريع وميليشياتها المتحالفة المدنيين بصورة متكررة، ونفذت عمليات قتل منهجية للرجال والصبية — حتى الرضّع — واعتدت عمدًا على النساء والفتيات عبر الاغتصاب وغيره من أشكال العنف الجنسي. كما هاجمت قوات الدعم السريع ومجموعاتها المرتبطة بها المدنيين ومنعتهم من الوصول إلى المساعدات الإنسانية المنقذة للحياة”.
ومضى البيان للقول إنه وعلى الرغم من محاولاتها الأخيرة للتقليل من جرائمها، “تواصل قوات الدعم السريع ارتكاب هذه الفظائع، وآخرها في مدينة الفاشر، عاصمة شمال دارفور. وبدعم من مقاتلين كولومبيين، سيطرت قوات الدعم السريع على الفاشر في 26 أكتوبر 2025 بعد حصار دام 18 شهرًا، وارتكبت بعدها عمليات قتل جماعي للمدنيين، وتعذيبًا ذا طابع عرقي، وعنفًا جنسيًا واسع النطاق. وذكر البيان بأن وزارة الخارجية الأمريكية أعلنت في 7 يناير 2025، أنّ أفرادًا من قوات الدعم السريع ارتكبوا جرائم إبادة جماعية”.
إيقاف الدعم الخارجي
وأشارت وزارة الخزانة الأمريكية إلى أن الحرب الأهلية في السودان تعرض المنطقة لخطر زعزعة الاستقرار، وقد تجعل من البلاد ملاذًا آمنًا لأولئك الذين يهددون الولايات المتحدة مجدِّدة الدعوة الجهات الخارجية إلى التوقف عن تقديم الدعم المالي والعسكري لأطراف النزاع.
وجددت وزارة الخزانة في بيانها التزام الولايات المتحدة بالمبادئ الواردة في البيان المشترك الصادر في 12 سبتمبر 2025 بشأن استعادة السلام والأمن في السودان، والذي يدعو إلى هدنة إنسانية لمدة ثلاثة أشهر، تليها هدنة دائمة وعملية انتقالية شفافة تؤدي إلى حكومة مستقلة بقيادة مدنية. وتدعو الولايات المتحدة مجددًا الجهات الخارجية إلى التوقف عن تقديم الدعم المالي والعسكري لأطراف النزاع.
عقوبات على الإسلاميين
ولا بد من الإشارة هنا إلى أنه، وفي ذات الإطار، فرضت وزارة الخارجية الأمريكية في 15 سبتمبر الماضي عقوبات على كل من جبريل إبراهيم محمد جبريل وكتيبة البراء بن مالك، وذلك بموجب الأمر التنفيذي رقم 14098 الخاص بـ”فرض عقوبات على بعض الأشخاص الذين يزعزعون الاستقرار، ويقوضون هدف الانتقال الديمقراطي في السودان”.
وأعلن بيان صحفي صادر عن وزارة الخارجية الأمريكية بأن تدابير هذه العقوبات إنما تسعى إلى الحد من التأثير الإسلامي المتشدد في السودان الذي ساهم في زعزعة الاستقرار الإقليمي ونشر الصراع والمعاناة في صفوف المدنيين. ونوه البيان إلى ما أسماه بالتاريخ الطويل لمساعي العناصر الإسلاميين السودانيين كقوة خبيثة في السودان، وبخاصة خلال النظام الإسلامي للرئيس السابق عمر البشير الذي حكم السودان لثلاثين عاماً وحتى العام 2019.
ولفت البيان إلى الدور الرئيسي الذي لعبه الإسلاميون المتشددون في السودان مؤخراً لعرقلة جهود تحقيق تقدم السودان نحو الانتقال الديمقراطي، ولمساهمتهم في اندلاع القتال بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع في أبريل من عام 2023. وأشار البيان أيضاً إلى مواصلة الإسلاميين المتشددين عرقلة جهود التوصل إلى وقف إطلاق نار ينهي الحرب الدائرة، وأيضاً لمساعيهم نحو تنمية علاقات خارجية وتلقي دعم فني، مشدداً على أن تدابير العقوبات الأمريكية إنما تهدف إلى محاسبة هذه الجهات الفاعلة الخبيثة على نشر انعدام الاستقرار والدمار في السودان.