انتقادات واسعة لمنشور بنك السودان بشأن ديون المصارف

انتقادات واسعة لمنشور بنك السودان بشأن ديون المصارف

الخرطوم: (ديسمبر)

وجّه بنك السودان المركزي المصارف، في تعميم بتاريخ 12 مارس 2026، بتكثيف إجراءات تحصيل التمويل المتعثر عبر تفعيل إدارات التحصيل ولجان المتابعة، واتخاذ التدابير اللازمة لاسترداد المديونيات. وأجاز البنك للمصارف اتخاذ الإجراءات القانونية وتسييل الضمانات أو حيازتها للحد من آثار التعثر على أوضاعها المالية.

كما ألزمها برفع تقارير شهرية توضح خطوات المعالجة وحجم التحسن في التعثر، مؤكداً عزمه تقييم أداء الإدارات التنفيذية ومجالس الإدارات وفق نتائج جهود التحصيل ومعالجة الديون المتعثرة.

وبررت الإدارة العامة للرقابة على البنوك قرارها بالأثر السالب لظاهرة التعثر المصرفي على الأوضاع المالية للمصارف، والتأثير على قدرتها على أداء دور الوساطة المالية خلال فترة الحرب الحالية. واعتبرت أن القرار يستهدف تحقيق الاستقرار المالي واستعادة دور المصارف بالصورة المطلوبة في مجال التمويل دعماً لمرحلة إعادة الإعمار وتحقيق الاستقرار المالي والاقتصادي.

 

التشدد المطلوب

وتعكس هذه التوجيهات نهجًا أكثر تشددًا من جانب بنك السودان المركزي في إدارة المخاطر المصرفية، خصوصًا في ظل التحديات الكبيرة التي يواجهها الاقتصاد السوداني نتيجة الحرب وتأثيراتها المباشرة على الاستقرار المالي والاقتصادي في البلاد.

ويرى مراقبون أن هذه الإجراءات تهدف إلى الحفاظ على متانة الجهاز المصرفي السوداني وضمان استمراره في أداء دوره الحيوي كوسيط مالي يدعم النشاط الاقتصادي ويوفر التمويل للقطاعات المختلفة، رغم الضغوط التي فرضتها الأوضاع الراهنة.

كما تؤكد هذه الخطوات سعي البنك المركزي إلى تعزيز الانضباط المالي داخل المصارف، والحد من المخاطر المرتبطة بتراكم الديون غير المسددة، بما يسهم في حماية الاستقرار المالي ودعم جهود التعافي الاقتصادي في السودان خلال المرحلة المقبلة.

تشكيك في فعالية الإجراءات

شكك التجمُّع الاتحادي في بيان له في فعالية هذه الإجراءات واستدامتها التي تظل رهينة بمدى اتساقها مع الظروف الاقتصادية الاستثنائية وغير المسبوقة التي تمر بها البلاد منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023م.

واعتبر البيان القطاع الخاص السوداني يمثل الدعامة الأساسية للنشاط الاقتصادي، حيث يضطلع بدور محوري في خلق فرص العمل، ودعم الإيرادات العامة، إلى جانب مساهمته الحيوية في استمرارية عمليات الصادر والوارد. كما أن الترابط الوثيق بين القطاع الخاص والجهاز المصرفي يجعل من استدامة الأول شرطاً ضرورياً للحفاظ على متانة الثاني.

ونوه التجمع الاتحادي إلى أن الحرب الدائرة قد أفرزت صدمة اقتصادية عميقة ذات طابع نظامي، تمثلت في تدمير ونهب الأصول الإنتاجية، وتعطيل المصانع، وفقدان رؤوس الأموال على نطاق واسع. وقد أدى ذلك إلى انهيار متسلسل في سلاسل القيمة الاقتصادية، انعكس في تآكل المحافظ التمويلية وتعثر واسع في السداد نتيجة ظروف قاهرة خارجة عن إرادة الشركات والأفراد.

وخلص التجمُّع الاتحادي إلى أن تشديد إجراءات التحصيل في هذه المرحلة الحرجة، بما في ذلك المطالبة الفورية بالسداد، وتقييد الوصول إلى التمويل، والتلويح بتسييل الضمانات وحيازة الأصول الإنتاجية، لا يتسق مع طبيعة الأزمة الراهنة، بل قد يسهم في تعميق الانكماش الاقتصادي وتسريع خروج القطاع الخاص من السوق، بما يقوِّض فرص التعافي ويضعف القاعدة الإنتاجية للاقتصاد. كما تثير هذه الإجراءات مخاوف مشروعة بشأن إعادة توزيع الأصول في بيئة غير متكافئة، الأمر الذي قد يؤثر سلباً على مناخ الاستثمار والمنافسة.

واستدل البيان بالتجارب الحديثة في الإقليم التي تؤكد أن الأزمات ذات الطابع النظامي تتطلب استجابات مرنة وداعمة على صعيد السياسات المصرفية، تشمل إعادة هيكلة الديون المتعثرة، ومنح فترات سماح (كما جرى تطبيقه في مراحل سابقة بواسطة بنك السودان المركزي)، إضافة إلى توفير تمويلات بشروط مواتية، وذلك بهدف الحفاظ على استمرارية النشاط الاقتصادي وتفادي خسائر دائمة في الطاقة الإنتاجية لهذا القطاع.

ودعا التجمُّع الاتحادي، وعلى نحوٍ فوري، إلى تبني نهج تشاركي قائم على حوار مؤسسي شفاف بين بنك السودان المركزي وممثلي القطاع الخاص، بهدف التوصل إلى حلول عملية لتوفيق الأوضاع تأخذ في الاعتبار حجم الخسائر التي تكبدها القطاع، وتدعم قدرته على استعادة نشاطه تدريجياً.

وطالب البيان بضرورة الإيقاف الفوري للعمل بالتعميم المشار إليه، نظراً لما قد يترتب على تطبيقه في الظرف الراهن من تداعيات سلبية جسيمة على استمرارية القطاع الخاص، بما في ذلك تعميق حالات التعثر، وتسريع فقدان الأصول الإنتاجية، وإضعاف فرص التعافي الاقتصادي. كما يؤكد أن أي معالجة فعالة ومستدامة لملف التمويل المتعثر تظل مرهونة بتهيئة بيئة اقتصادية مستقرة، وهو ما يستلزم في المقام الأول وقف الحرب والانخراط في ترتيبات عملية تفضي إلى ترسيخ السلام واستعادة النشاط الاقتصادي، مع ضمان تهيئة بيئة تقوم على مبدأ تكافؤ الفرص وتكافؤ شروط المنافسة، بما يعزز الثقة في الإطار المؤسسي والسياسات الاقتصادية خلال مرحلة إعادة الإعمار.

غير موفق وغير مدروس

وفي تغريدة على منصة فيسبوك، اعتبر رجل الأعمال صادق حاج علي أن هذا الخطاب بأخفِّ لغة وأكثرها دبلوماسية يبدو “غير موفق وغير مدروس”، إذ صدر قبل خطوات جوهرية كان ينبغي اتخاذها قبل الوصول إلى هذه المرحلة. ومضى قائلاً: “لا ينكر إلا مكابر أن البنوك التجارية تضررت ضررًا بالغًا من جراء التعثر، وفقدت ما لا يقل عن 70% من قيمة الأموال الممنوحة، بسبب انهيار قيمة الجنيه السوداني، وتعطل دورة التمويل الاعتيادية.

في المقابل، تعرَّض قطاع الأعمال بكامل أنشطته (الصناعية، التجارية، الزراعية، والخدمية بمختلف أنواعها من نقل، لوجستيات، مؤسسات صحية وتعليمية خاصة) إلى خسائر فادحة ودمار هائل، يكاد يصعب تصوّر مداه”.

وأضاف أن “أموال البنوك هي أموال المودعين، ويجب إعادتها، لكن لا بد من توافق عملي مدروس يراعي جوانب قد تبدو متقاطعة للوهلة الأولى، لكن معالجتها المتزنة تخرج بمعادلة تحفظ الجوانب الاقتصادية والاجتماعية في هذا الملف الشائك”.

ودعا صادق حاج علي إلى إنشاء لجنة عالية المستوى يرأسها بنك السودان المركزي، وتضم ممثلين عن البنوك التجارية، وأصحاب الأعمال، وخبراء اقتصاديين وأكاديميين، ولا مانع من الاستعانة بخبراء دوليين لهم تجارب سابقة في التعامل مع تحديات مماثلة، على أن تكون أسس عمل اللجنة ومخرجاتها مبنية على النقاط التالية:

1- التأكيد على ضرورة إعادة الديون، لكن وفق آليات توافقية لا عن طريق إجراءات تعسفية.

2- الإقرار بالأضرار الفادحة والخسائر الكبيرة التي لحقت بقطاع الأعمال والتي تقدر بعشرات المليارات من الدولارات باعتبارها السبب الرئيسي لتعثر السداد.

3- التركيز على ضرورة تعافي القطاعات الاقتصادية وعودتها التدريجية للعمل، لأن استمرار توقف جزء كبير منها يؤدي إلى تدني الإنتاج، وارتفاع معدلات البطالة، وإرسال رسائل سلبية لأي مستثمر محتمل (محلي أو أجنبي).

4- الاعتراف بأن ما تعرض له القطاع يندرج تحت بند «القوة القاهرة»، إن لم يكن هو نفسه القوة القاهرة بمعناها القانوني والاقتصادي.

5- الاستفادة من التجارب الناجحة في دول مرت بظروف مشابهة، وهنالك أمثلة عديدة يمكن الرجوع إليها:

– التجربة المصرية في التسعينيات بعد أزمة ارتفاع سعر الصرف وزيادة أعباء الديون على القطاع الخاص، تدخلت الحكومة المصرية عبر لجان تسوية المنازعات المصرفية، ومددت آجال السداد، وأعادت هيكلة الديون بما يتناسب مع قدرة العملاء الفعلية، مما جنب الاقتصاد انهيارًا مصرفيًا.

– الأزمة المالية العالمية 2008، حيث دعمت عدة حكومات (كأمريكا وألمانيا وبريطانيا) القطاعات الصناعية والإنتاجية عبر ضخ سيولة، وضمانات حكومية، وإعادة جدولة واسعة، لضمان استمرار الأعمال ومن ثم قدرتها على الوفاء بالتزاماتها لاحقًا.

– التجربة السورية وهي أحدثها، حيث تعاملت الحكومة السورية مع المتعثرين بطريقة مؤسسية وموضوعية، من خلال إصدار قوانين مؤقتة لتجميد تحصيل الأقساط، وإعادة هيكلة الديون، وتصنيف المتعثرين وفق درجة تأثر أنشطتهم بالظروف الاستثنائية، مع الحفاظ على الاستقرار المصرفي النسبي.

– تجارب دولية أخرى في كل من لبنان والأردن بعد أزمات إقليمية، تم اللجوء إلى آليات التمويل المرن، وإنشاء صناديق لضمان القروض المتوسطة والصغيرة، وإشراك القطاع الخاص في وضع الحلول.

6- تصنيف المتعثرين بناءً على تاريخهم الائتماني قبل الحرب، وحجم أعمالهم، وطبيعة نشاطهم، ونسبة تأثره المباشر بالأحداث، للوصول إلى تصنيف منصف يفرق بين سوء النية وبين من أجبرته الظروف القسرية.

 

ظلم وجشع حكومي

وفي تعليقه على خبر قناة (العربية) بشأن منشور بنك السودان، أكد عبد المنعم الطيب أن الإعسار يعالج في ظل الأزمات والحروب بإمهال المنتجين خصوصاً المزارعين وأصحاب القطاع الحيواني عبر خطة إدارة الأزمة، ولو مواصلة تمويلهم لاستمرار الإنتاج، وليست زج المعسرين في السجون أو مصادرة الضمانات “يعني أدخلتهم السجون وأوقفت انتاجهم الآني فماذا استفدت؟!”. فأسباب الإعسار قد تكون أسباباً غير طبيعية، بل نتاجاً للحرب وانهيار سعر الجنيه وتآكل قيمة العملة، وهناك أيضاً مشكلة أخرى تظهر ليست من قلة الإنتاج بل كثرته في ظل تدني أسعاره عند مواسم الحصاد. عموماً هذا ظلم وجشع حكومي على المعسرين (مع الوضع في الاعتبار أن الدول تعمل على المدى الطويل) الأوضاع ليست طبيعية، لذلك يجب أولاً إعداد خطة لدراسة المعسرين وأسباب الإعسار والمعالجة الإيجابية، بحيث تزيد الإنتاج لأن الهدف الآني هو زيادة الإنتاج عموماً في ظل الأزمة الإنسانية المستمرة نتيجة حرب الإسلاميين اللعينة هذه.

تحذيرات الخبراء

ومن المهم الإشارة إلى أن المصارف توقفت منذ اندلاع الحرب عن تحصيل ديونها على عملائها نظراً لتوقف الأنشطة الاقتصادية والتجارية وخروج غالبية رجال الأعمال إلى خارج السودان ما عدا قلة مرتبطة بسلطة بورتسودان أصبحت تجني أرباحاً طائلة من اقتصاد الحرب.

ويخشى الخبراء من أن تقود مثل هذه الإجراءات إلى تعطيل عودة الكثير من رجال الأعمال إلى السودان لاستئناف نشاطهم، لعدم قدرتهم في الوقت الحالي على تسديد ديونهم، أو بسبب تجريدهم مما تبقى لهم من موارد وممتلكات لتسديد ديون البنوك.

ويواجه بنك السودان المركزي انتقادات بسبب إصداره لقرار فوقي لا يراعي ظروف الحرب، ولم يتم التشاور فيه مع الخبراء الاقتصاديين ورجال الأعمال، الأمر الذي قد يقود إلى فشل تطبيق القرار وانهيار المصارف ذات الأوضاع المالية الهشة. كما أن استمرار الحرب يظل عائقاً رئيسياً في وجه أي محاولات للإصلاح الاقتصادي أو المالي، وأن الشرط الأول والضروري لنجاح أي إجراءات هو وقف الحرب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *