تحليل سياسي: (ديسمبر)
محادثات سرية وعلنية، ولقاءات تجري هذه الأيام بين المبعوث البريطاني الخاص ريتشارد كراودر وقيادات في الحركة الإسلامية السودانية، علي كرتي ونافع علي نافع وإبراهيم غندور وغيرهم. والذي يدور في هذه المحادثات يوضح تداعيات الحرب على جماعة المؤتمر الوطني والحركة الإسلامية، أو بالأحرى يكشف عن التغيير الذي طرأ على موقفهم من الحرب ونفوذهم في الأيام الأولى لها. ومعلوم أن تصورات (الإسلاميين) كانت مبنية على أن الحرب ستعيدهم منفردين إلى السلطة، بعد تجريم قوى الثورة السياسية والمدنية التي أطاحت بهم، واتهامها بالخيانة والعمالة، ومن قبل ذلك إقناع السودانيين أنها ظهير سياسي لقوات الدعم السريع.
لكن مضمون المحادثات واللقاءات مع قادة الإسلاميين فحواها من طرف الجماعة “اسمحوا لنا بالمشاركة السياسية في اليوم التالي للحرب”، بعد أن كان ظنهم أن العالم سيتبنى روايتهم للحرب، ولكن العكس هو الذي حدث، لأن العالم بات ينظر إليهم على أنهم مشعلو الحرب ومعوقون للسلام، وأخيراً صنفتهم الولايات المتحدة الأمريكية “إرهابيين”. ومع ذلك شهدت الأيام الماضية حوارات ولقاءات بينهم المبعوث البريطاني الخاص، في ظل تطاول الحرب وفشل الأطراف في حسمها أو إدارتها.
رياح الحرب وسفينة كرتي
التسريبات التي حصلت عليها الزميلة الغراء مجلة “أفق جديد” تكشف عن ما تقوم به الحركة الإسلامية سراً من خلف مؤيديها، أو من يظنون أنها تخوض حرب الكرامة كما صورت لهم، وما كُشف يدل على دعاية سياسية كثيفة ومضللة استخدمها النظام البائد للحصول على التأييد الجماهيري خلال الحرب وبعد توقفها. وكان يقين علي أحمد كرتي – المدرج في قائمة العقوبات الأمريكية- أن رياح الحرب ستحمل سفينتهم إلى شواطئ القصر الجمهوري والسلطة مرة أخرى. غير أن الواقع يشير إلى أنها تكاد تغرق بالمرة. وسعى كرتي وإخوانه إلى تسويق أنفسهم للأمريكان والأوروبيين على أنهم “رقم يصعب تجاوزه”، أو “الضامن الوحيد لاستقرار السودان”. وجاء في (أفق جديد) أنه “بحسب مصادر متطابقة، فإن علي أحمد كرتي شرع خلال الأشهر الماضية في نسج خيوط مسار سياسي خاص”، وهذا المسار رتب له عبر مجموعات ضغط ونافذين. وقدم كرتي تصورًا متكاملًا للإدارة الأمريكية، يقوم على استعداد التيار الإسلامي لعدم عرقلة أي تسوية سياسية تنهي الحرب، بما في ذلك القبول بترتيبات مرتبطة بالمحكمة الجنائية الدولية وتسليم المطلوبين، مقابل فتح نافذة تواصل جديدة مع المجتمع الدولي، وإعادة النظر في العزلة المفروضة على الإسلاميين السودانيين منذ سنوات، والتي تضاعفت بعد الحرب عندما تعدت الأشخاص إلى التنظيم ككل.
وبحسب المصادر قدم كرتي في الأشهر الأخيرة ورقة تضمنت رؤية الإسلاميين للعلاقة الجديدة، وقد وصلت فعلياً إلى أعضاء في الكونغرس الأمريكي، إلى جانب مسؤولين داخل الإدارة. ومحور الورقة يجادل أن الإسلاميين ما يزالون يملكون شبكة نفوذ واسعة داخل المجتمع السوداني ومؤسسات الدولة، وأن أي مقاربة سياسية تقوم على إقصائهم الكامل أو تجاهلهم لن تقود إلى استقرار حقيقي، بل ربما تدفع البلاد إلى مزيد من الفوضى والتشظي. وأقحمت ورقة كرتي ملف البحر الأحمر كأحد الملفات التي تهم الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل والغرب، وتعهد بحمايتها وإدارتها ضمن الصفقة مقابل التعاون مع الإسلاميين. وأوردت “أفق جديد” سابقتين قبل سقوط نظام المؤتمر الوطني، لهما أهمية بالغة، وأهمية السابقة الأولى أنها من مدير شركة “ديكنز آند مادسون” آري بن ميناشي، وهي شركة متخصصة في الترويج للحكومات، وآري ضابط سابق في الاستخبارات الإسرائيلية له تعاملات قديمة ومتكررة مع نظام البشير والإسلاميين عموماً، والذي أكد أنه رتب لقاءات عديدة لقادة النظام الإسلامي في السودان مع مسؤولين غربيين وأمريكيين. ولكن أهم هذه اللقاءات في هذا السياق هو ما جمع علي أحمد كرتي بوزير الخارجية الأمريكي الأسبق جون كيري، وبحسب رواية بن ميناشي فإن ذلك اللقاء جرى بصورة علنية في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا قبل نحو عشر سنوات، أي في سنوات البشير الأخيرة وكانت للحركة الإسلامية المصنفة إرهابية تروج للشارع السوداني أنها تصادم أمريكا، وأهم ما ألمح له بن ميناشي أن فريق الأمريكان خلص من النقاش مع كرتي إلى أن نظام البشير لم يعد صالحاً للبقاء، وأن كرتي يطرح نفسه بديلاً مناسباً للبشير يمكن أن يكون مطيعاً في تنفيذ المطلوبات.
والسابقة الثانية والتي بطلها أيضاً علي كرتي كشف عنها دبلوماسي سابق بوزارة الخارجية السودانية، محسوب على التيار الإسلامي، قال “إن محاولات علي أحمد كرتي لفتح قنوات اتصال مع واشنطن وتل أبيب ليست جديدة، بل تعود إلى سنوات ما قبل سقوط نظام عمر البشير”. وكشف الدبلوماسي أن رجل الأعمال والضابط السابق في الاستخبارات الإسرائيلية آري بن ميناشي سبق أن رتب لقاءً سريًا جمع كرتي برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في المغرب قبل نحو عقد من الزمان”.
ليس كرتي وحده
كشفت (ديسمبر) في عدد الخميس 21 مايو 2026 عن لقاء جمع بين المبعوث الخاص البريطاني ريتشارد كراودر مع القيادي بالمؤتمر الوطني المحلول والحركة الإسلامية المصنفة إرهابية دكتور إبراهيم غندور. وفي ذات الخبر كشفت عن صراع بين علي كرتي وأحمد هارون غادر على أثره كرتي إلى العاصمة القطرية مغاضباً، وأن الصراع يعود جذره إلى تحركات مجموعة من الإسلاميين تجاه تسوية مع الأمريكان والغرب تتضمن تسليم المطلوبين للمحكمة الجنائية، على أن تتم المحاكمة في المركز الإقليمي للمحكمة الجنائية في الدوحة، وهذه المجموعة تحظى بتأييد من كرتي. وخبر آخر أوردته (ديسمبر) والغراء صحيفة (صوت الأمة) بأن علي كرتي التقى المبعوث البريطاني رتشارد كراودر في الدوحة، كما جرى حديث بينه ونافع علي نافع في تركيا، وكل هذه الأخبار تتطابق إلى حد كبير في أن علي كرتي والحركة الإسلامية عموماً في مسعى حثيث لإعادة ترتيب أوراقهم مع المجتمع الدولي، وخاصة بعد أن أيقنوا أن طريق الاستمرار في الحرب بات قصيراً، وأن دعايتهم في اليوم الأول للحرب أنتجت ثماراً مرة. ولكن السؤال: لماذا يتعاطى المجتمع الدولي معهم وخاصة المملكة المتحدة؟.
من حكام إلى مخربين
في الإجابة على هذا السؤال سألنا مصدراً من السفارة البريطانية، طلب حجب اسمه، عن ما دار في حوارات قادة الحركة الإسلامية والمبعوث البريطاني ريتشارد كراودر. وأفاد المصدر أن الإسلاميين يصورون للبريطانيين بأنهم الطرف الأقوى في المعادلة السياسية في السودان، وأن تأثيرهم على المجتمع يتعدى تأثير الآخرين مجتمعين، وأن وجودهم في المعادلة السياسة بمثابة شرط استقرار السودان، وقال “صوروا لهم أن استقرار السودان بيدهم، وإن تم إقصاؤهم سيحدث العكس”، ومعلوم أن الإسلاميين أطاح بهم الشعب في ثورة جماهيرية بعد فشلهم في إدارة البلاد واستشراء الفساد والمحسوبية. والمفارقة المهمة أن الإسلاميين خلال الفترة الانتقالية لم يتمكنوا من تحريك الشارع أو الإطاحة بالحكومة الانتقالية عبر الجماهير، ولكن اتجهوا إلى العنف والانقلاب العسكري ووضع المدنيين في السجون.
وبخصوص موقف الإدارة البريطانية من طرح الإسلاميين قال المصدر: “هناك تباين في ما يطرحه الإسلاميون”، وأشار إلى أن الموقف الرسمي لا يزال ينظر إلى طرحهم بشك كبير، ولكن هناك مخاوف من إقصائهم عن السلطة وتحولهم إلى مخربين للانتقال الديمقراطي بعد الحرب، كما فعلوا من قبل، وقال “من ينظرون في طرح الإسلاميين باهتمام ينطلقون من مخاوف تحولهم إلى مخربين”.
بلد رهينة الإسلاميين
كشف المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى السودان بيكا هافيستو، في إحاطة صحفية أمس، أن استبعاد جماعة الإخوان من أي ترتيبات انتقالية مستقبلية في السودان يطرح بالفعل ضمن النقاشات الجارية المتعلقة بوقف إطلاق النار والتسوية السياسية، ومن المؤكد أن الجميع يضع تداعيات الحرب وتمسك الإسلاميين بها ضمن المحاذير المتعلقة بإبعادهم عن السلطة التي احتكرها المؤتمر الوطني المحلول ثلاثين عاماً، ومعلوم أيضاً أنهم يذهبون مباشرة لمطالبة الجيش بدفع فواتير مساندتهم له خلال فترة الحرب، وهم بدأوا فعلياً في هذا الاتجاه. وتشير مصادر إلى أنهم يهيمنون على الكتائب والفصائل المسلحة في المعركة حتى التي لا تتبع لهم في القوات المشتركة التابعة للحركات الدارفورية، وهذه الهيمنة تتم عبر دس عناصر استخباراتية، أو عبر التنسيق مع قيادات سياسية وميدانية لديها مخاوف من تحركات قائد الجيش الفريق أول عبد الفتاح البرهان. وفضلاً عن تسللهم إلى مفاصل الحكومة المدنية فقد عملوا على إعادة تموضع وجودهم في الأجهزة النظامية من خلال إعادة المعاشيين والمفصولين وتقوية الروابط التنظيمية مع عضويتهم القديمة وتجنيد عناصر جديدة داخل المؤسسة العسكرية. ومخطط الإسلاميين أن يكون استقرار السودان رهين لسلاحهم والعنف الذي يمكن أن يحدث حال لم يفسح لهم ليعودوا ويسيطروا على السلطة مرة أخرى.
نحكم منفردين
في واقع الأمر هناك تصور يسيطر بشكل ما على تفكير الإسلاميين، وهو أن المجتمع الدولي والقوى العظمى تتعامل في أي بلد مع الأقوى، وأن المجتمع الدولي أكثر حرصاً على الاستقرار من قيم الديمقراطية وحقوق الإنسان وغيرها من القيم، لذلك كثيراً ما يقدمون أنفسهم على أنهم الأقوى والأعنف، وأنهم أقدر على تخريب الاستقرار، لأنهم انفردوا بالحكم ثلاثين سنة فهم الأدرى بمفاصل الدولة والأقدر على شل حركاتها، وهم حكام الأمس مخربو اليوم، وإن كان من تنازل يمكن أن يقدموه فهو أن يحكموا هذه المرة في شراكة مع الآخرين.
وفي حال رضخ المجتمع الدولي للورقة التي قدمها علي كرتي وشروطها – هم على علم بتأثير المجتمع الدولي القوي في الشأن السودان- في ستكون هذه الفرصة المواتية لرفع لافتاتهم مرة أخرى؛ لافتة المؤتمر الوطني والحركة الإسلامية التي أسقطتها جماهير الشعب السوداني بما سببته من جرائم وفساد، والأخطر من ذلك بأنهم حال نجحوا في إقناع المجتمع الدولي بأن يكونوا جزءاً من الحكم في الفترة الانتقالية ستكون هذه بمثابة الخطوة الأولى في استخدام قدرتهم في التخريب، ولكن هذه المرة للانفراد بالسلطة وإقصاء الآخرين كما فعلوا خلال أكثر من ثلاثين سنة.