تحليل سياسي- شوقي عبدالعظيم
يوم الاثنين 9 ديسمبر، أصدرت المحكمة الجنائية الدولية، حكماً استغرقت حيثياته 355 صفحة، أكدت فيه، بما لا يدع مجالاً للشك، أن علي محمد علي عبد الرحمن، المعروف بـ”علي كوشيب” أمر ودعم وشارك في هجمات إرهابية منهجية واسعة النطاق أدت إلى عمليات قتل جماعي ونزوح قسري، وعقوبة على هذه الجرائم قضت المحكمة بحبسه (20) عاماً.
والحقيقة لم يكن علي كوشيب يمثل نفسه، عندما كان يحاكم في لاهاي، بل كان يمثل نظاماً حكم السودانيين ثلاثة عقود، وعندما نطق قاضي المحكمة بالإدانة في حق كوشيب كاد ينطق باسم “المؤتمر الوطني”، لأن المدان كان عصا وبيدقاً في يد قادة الحزب الحاكم، وهم من أمروا بارتكاب الجرائم وعمل تحت سلطة أمَّنته من العقوبة.
ما لا يعرفه كثير من الناس أن علي كوشيب، الذي حكمت عليه المحكمة في لاهاي بالسجن (20) عاماً، كان جندياً نظامياً في قوات الاحتياطي المركزي، ويتقاضى أجراً من الدولة، وتدرج تدرجاً طبيعياً إلى أن بلغ رتبة مساعد أول “صول”، أي أن كوشيب ليس (عسكري خلا)، كما يطلق على أفراد المليشيات، بل جندي رسمي، إلا أنه قام بدور قادة المليشيات أو بالأحرى رجال العصابات، بعد أن وجد فيه المؤتمر الوطني ما يطلبه من مواصفات.. الرجل الذي يقتل دون رحمة، لذا ما ارتكبه من جرائم وصفت بالوحشية كانت تحت بصر وسمع الحزب الحاكم المؤتمر الوطني، بل بتعليماته وإمكانياته.
أين كان القانون؟

وجه ممثلو الادعاء (31) تهمة للمجرم كوشيب، حوكم في (20) منها، ونظر كثيرون إلى معاقبته بالسجن (20) عاماً على أنها عقوبة مخففة، لذا التمس الادعاء من المحكمة توقيع عقوبة السجن المؤبد عليه، نظرًا إلى الجسامة الاستثنائية للجرائم التي أدين بها، والتي شملت القتل والاغتصاب والتعذيب والاضطهاد وجرائم، أخرى ارتُكبت بدرجة عالية من الوحشية والعنف، سواء بصفته مرتكبًا مباشرًا أو شريكًا في ارتكابها أو آمراً بارتكابها.
ومن بين العوامل التي استند إليها مكتب الادعاء في طلبه العقوبة المؤبدة، العدد الكبير من الضحايا، بما في ذلك 213 شخصًا من أهالي دارفور الذين قُتلوا، ومن بينهم أطفال، و16 امرأة وفتاة تعرضن للاغتصاب، إضافة إلى ارتكاب أفعال بوحشية خاصة، وانظر مثلاً إلى أن من بين التهم التي أدين بها كوشيب، استخدامه الفأس في شق رأسي رجلين وإزهاق أرواحهم، إلى جانب جرائم اختطاف واحتجاز قسري، وتطهير عرقي، وربما السؤال الذي يتبادر إلى الأذهان: أين كانت الحكومة؟ وأين كان القانون وكوشيب يفعل كل ذلك؟.
لأجل البشير
“كوشيب كان عصا الدولة المنفذة”. هذا تعليق أحد المعلقين على الحكم في السوشال ميديا، والدولة التي كان يخدم تحت إمرتها علي كوشيب لم تكن دولة قانون ولا تتحرج في تعطيله أو تجاوزه متى ما اضطرت إلى ذلك. ولكن ليس تعطيل القانون وحده هو الذي أغرى المجرم المدان بارتكاب جرائمه، ولكن صلته بالقيادة وتلقيه التعليمات منها، وهذه الجزئية كانت وراء صمت قادة النظام السابق وعدم تعليقهم على حكم المحكمة.
أما سر رضا القيادة عنه في الماضي فلأنه كان يد البشير الباطشة التي تقمع كل من تحدثه نفسه بمعارضة النظام أو التمرد عليه. وبالأحرى كان كوشيب وأمثاله يحكمون قبضة النظام على الحكم، ويحافظون على سلطته، ومقابل ذلك يحمي ظهرهم ويعينهم بالسلاح والمال والجنود.
كوشيب والبشير وهارون

الحكم الذي صدر من المحكمة الجنائية مثَّل إدانة وفضيحة لنظام المؤتمر الوطني، خاصة حال وضعنا في الاعتبار أن النظام الذي كان كوشيب يخدم تحت إمرته يطرح نفسه نظاماً إسلامياً، وما يجعل النظام السابق شريكاً في جريمة كوشيب أن المذكرة التي طُلب بها إلى المحكمة الجنائية شملت قيادات في النظام أولهم الرئيس المخلوع عمر البشير نفسه، وكذلك القيادي البارز أحمد هارون، ووزير الدفاع الأشهر عبد الرحيم محمد حسين، وهؤلاء جميعاً صدرت في حقهم مذكرة توقيف، بينما صدرت قائمة للمدعوين للمثول أمام المحكمة تجاوزت خمسين اسماً من قادة النظام الخلص.
الهروب إلى جحيم كوشيب
من التهم التي تم توجيهها إلى علي كوشيب، قتله المدنيين من أهل دارفور على أساس عرقي، خاصة في مناطق غرب دارفور، بعضهم قتلهم شخصياً بسلاحه الخاص والفأس ويقدر عددهم بـ(350) شخصاً، وكثير منهم عبر إصدار تعليمات مباشرة للجنود بإطلاق الرصاص عليهم وإنهاء حياتهم.
والمفارقة أن معظم جرائم التطهير العرقي كان الطرف الحكومي، أو الجيش الرسمي شريكاً فيها. ومن بين هذه التهم أن كوشيب في مرات عديدة كان ينتظر الفارين من القرى بعد إسقاط براميل البارود عليها من طائرات تتبع للجيش السوداني، ويقوم بإصدار التعليمات بإطلاق الرصاص عليهم، ومات في هذه الممارسات أعداد كبيرة من المدنيين، والسبب وراء هذه الجريمة هي التهجير القسري للمواطنين من هذا القرى والتطهير العرقي، باشتراك الحكومة، لذا تعد جرائم الحرب والتطهير العرقي في مقدمة الجرائم الموجهة للبشير وقادة نظام المؤتمر الوطني من المحكمة في لاهاي.
من أصدر التعليمات؟
من خلال جلسات محاكمة كوشيب، تبين أن المحكمة الجنائية الدولية تقف على أدلة وفيرة لما جرى في دارفور من (2003-2018)، وخاصة في فترة التحقيقات التي أشرف عليها مدعي المحكمة الجنائية لويس مورينو أوكامبو، وهذه الأدلة مشفوعة بتسجيلات صوتية ومستندات رسمية وشهادات الضحايا وذويهم.
وعندما اطلعت لجنة الدفاع عن كوشيب – لجنة تعينها المحكمة وفقاً لمرسوم المحكمة- على الأدلة لم تجد بُدَّاً من أن يتبع كوشيب حيلة الإنكار، وأن يقول إنه علي عبد الرحمن ولا علاقة له بـ”علي كوشيب”، على الرغم من أنه سلم نفسه خوفاً من تصفية أجهزة النظام السابق له بعد زالت عنهم السلطة. وذات الأدلة تنتظر البشير وأعضاء حزبه المطلوبين للمحكمة، غير أن عقوبتهم من المرجح أن تكون أشد قسوة، لجهة أنهم من أصدروا التعليمات للمجرم كوشيب وآخرين أمثاله، وأطلقوا أيديهم دون محاسبة على الجرائم المرتكبة.
وهناك أدلة متداولة منذ وقت لقادة النظام وهم يحرضون قادة الجنجويد على القتل والسحل، من بينها فيديو القيادي أحمد هارون – أحد المطلوبين- وهو يقول عبارته المشهورة “أكسح أمسح، ما تجيبو حي، ما دايرين عبء إداري”. ومن الممكن أن يفهم على أنه توجيه بقتل الأسرى، لذلك حال مَثَل قادة المؤتمر الوطني أمام العدالة في المحكمة الجنائية الدولية ينتظر أن ينالوا أحكاماً بالسجن مدى الحياة.
كوشيب والدعم السريع

المفارقة التي تستدعي الانتباه، تزامن النطق بالحكم في حق كوشيب، مع عودة الحرب والانتهاكات إلى دارفور، وكوشيب خرج من البذرة الأولى التي خرج منها الدعم السريع، وهي قوات الجنجويد التي تحولت فيما بعد إلى قوات حرس الحدود بقيادة موسى هلال. على الرغم من أن كوشيب كان جندياً نظامياً في الاحتياطي المركزي، إلا أن القوة التي رافقته في تنفيذ الجرائم التي أدين بها كانت خليطاً من قوات نظامية وقوات الجنجويد، وكذلك التهم التي أدين بها كوشيب والمؤتمر الوطني في شخصه هي ذات التهم والإدانات التي يندد بها قادة وأعضاء النظام السابق، وهو ما اعتبره كثيرون متاجرة بالجرائم في حرب سياسية للعودة للسلطة وإن وقعت الجرائم، لجهة أن النظام البائد ومنسوبيه كانوا وراء جرائم مماثلة ارتكبها كوشيب غير أنها كانت لصالح توطيد حكمهم، غير أن الجرائم التي تُرتَكَب الآن لا تصب في مصلحتهم بل العكس.
العدالة منتصرة
نائبة المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية، نزهت شميم خان، أشادت بالحكم ووصفته بأنه “خطوة حاسمة نحو سد فجوة الإفلات من العقاب في دارفور”، مضيفة أن الحكم “يرسل رسالة مدوية لمرتكبي الفظائع في السودان، في الماضي والحاضر، بأن العدالة ستنتصر”. وقالت إن الحكم “هو إشادة بشجاعة آلاف الضحايا في دارفور الذين أملوا وقاتلوا من أجل العدالة على مر السنين”.
منظمات حقوقية عديدة في داخل السودان وخارجه أشادت بالحكم الذي صدر ضد كوشيب، إلى جانب قوى سياسية وتنظيمات مجتمعية، والاهتمام بإدانة كوشيب مثلت الإنصاف الأول للضحايا في دارفور، بعد تهرب الجناة لأكثر من (16) سنة من بينهم قادة المؤتمر الوطني المحلول.
من هو علي كوشيب؟

هذا التعريف مجتزأ من صفحة الأمم المتحدة، قائم على معلومات موثقة تتوافق مع المستندات التي دعمت الاتهام، وجاء فيه:
“علي كوشيب – وهو سوداني من مواليد عام 1957 تقريبا – نفذ إستراتيجية الحكومة السودانية في مكافحة التمرد، والتي تسببت في ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في دارفور في السودان، وفقاً للمحكمة الجنائية.
وأشارت المحكمة الجنائية الدولية إلى أن كوشيب كان يعتبر “الوسيط” بين قيادات “مليشيا الجنجويد” في وادي صالح وبين الحكومة السودانية. ويزعم بأنه قام بتجنيد محاربين، وبتسليح وتمويل وتأمين المؤن والذخائر لمليشيا الجنجويد تحت قيادته، فكان بذلك مشاركاً في الجرائم المذكورة”.
وتشير المحكمة إلى أن علي كوشيب “شارك شخصياً في هجمات ضد السكان المدنيين في بلدات كودوم وبنديسي ومكجر وأروالا بين أغسطس 2003 مارس 2004، حيث ارتكبت جرائم قتل للمدنيين واغتصاب وتعذيب وغير ذلك من صنوف المعاملات القاسية، وأنه بذلك قد شارك مع غيره في ارتكاب هذه الجرائم”.
كانت ميليشيات الجنجويد – وهي ميليشيات عربية سلحتها ودعمتها قوات الأمن السودانية – جزءاً من حملة شنتها الحكومة لمواجهة تمرد الجماعات غير العربية عام 2003.
وقد تسببت هجمات الجنجويد في حرق القرى وإعدام الرجال بإجراءات موجزة، واغتصاب النساء في ما وصفته الأمم المتحدة لاحقاً بأنه واحدة من أخطر الأزمات الإنسانية في أوائل القرن الحادي والعشرين.