حيث امتزج الخوف بالأمل وانحازت الكلمات للحياة

حيث امتزج الخوف بالأمل وانحازت الكلمات للحياة

إطلالة على إبداع اشاعر نجيب محمد علي

 

منى الرشيد نايل

 

في مساء الجمعة 27 مارس 2026 بمركز فيجن للتدريب نظم احتفال تدشين ديواني (قصائد مخيفة) و(أناشيد الأسئلة)، وكتاب (حوارات في عوالم الكلمة والإبداع) للشاعر محمد نجيب محمد علي.

هي ليلةٍ اختلط فيها الضوء بالظلال، وتصافحت فيها رهبةُ البدايات مع رجفةِ المصير، نقف أمام شعرٍ لم يُكتب ليمرّ، بل ليبقى كجرحٍ مفتوحٍ على أسئلة الوجود.

شعرُ نجيب ليس قصائد تُلقى، بل كائنات حيّة خرجت من رحم الخوف، من واقعٍ يضيق كالقبر، ومن غدٍ يلوح كغيمةٍ ثقيلة.. ومع ذلك، ظلّ فيها خيطٌ رفيع من الضوء، عنيد، لا ينكسر.

 

أيها الشاعر، لقد كتبتَ الخوف لا لتستسلم له، بل لتعرّيه. وواجهتَ العتمة لا لتغرق فيها، بل لتدلّنا على احتمالات النجاة. في نصوصك، نرى القلق وهو يتكلم، ونسمع الصمت وهو يصرخ، ونلمح الأمل وهو يتسلّل بخجلٍ بين شقوق اليأس.

شهدت ليلة تدشين دواوين الشاعر السوداني الكبير محمد نجيب محمد علي بمركز فيجن للتدريب مساء الجمعة 27 مارس حضورًا نوعيًا لافتًا، حيث تحوّلت الأمسية إلى فضاء حيّ يتقاطع فيه الشعر مع النقد، والوجدان مع الرؤية الفكرية. ولم تكن ليلة احتفاء عابرة بإصدارين جديدين (قصائد مخيفة) و(أناشيد الأسئلة)، بل كانت لحظة ثقافية كثيفة استدعت أسئلة الوجود والكتابة ودور الشاعر في زمن القلق والتحولات.

تميّزت الأمسية بمشاركة نخبة من المثقفين والأدباء، من بينهم نبيل غالي، أنس العاقب، مصطفى أبوالعزائم، نزار غانم، التجاني حاج موسى، والمعز عبدالعال، حيث شكّل حضورهم إضافة نوعية عكست عمق الاهتمام بالتجربة الشعرية المطروحة.

كما شهدت الليلة تفاعلًا مميزًا من الحضور، في أجواء ثقافية نابضة بالحوار والإنصات، عززت من قيمة المناسبة وأكدت مكانة الشعر كمساحة مشتركة للتعبير والتلاقي.

ولم تخلُ الأمسية من البعد الفني، حيث شاركت بالغناء الفنانة بلقيس إلى جانب الفنان نصرالدين، ما أضفى على الحدث بعدًا جماليًا زاد من دفء اللحظة وثرائها.

تخلّلت الأمسية قراءات شعرية بصوت الشاعر، حيث ألقى مختارات من دواوينه، فبدت النصوص وكأنها تُولد من جديد أمام الجمهور، محمّلةً بصدق التجربة وعمق الإحساس.

لقد جاءت هذه الليلة لتؤكد أن تجربة محمد نجيب محمد علي تمضي في ترسيخ حضورها بوصفها تجربة شعرية وإنسانية متفردة، تنحاز للإنسان وتؤمن بقدرة الكلمة على مقاومة العتمة وفتح نوافذ الأمل.

هذه الدواوين ليست تدشينًا لكتب، بل إعلانٌ عن روحٍ تقاتل بالكلمات، وتؤمن – رغم كل شيء – أن الغد، مهما تأخر، لا بد أن يحمل نافذةً للضوء.

نحن اليوم، ونحن ندشن ديوان (قصائد مخيفة)، نقف ضد الإحباط وضد الانكسار. إن قصائد نجيب المخيفة حملت في طياتها وجه الحياة الآخر المكفهر المقيت، وواقعاً لا مهرب منه ولا منجاة، وبذات الوقت حملت الأمل في غدٍ أفضل. لقد حملت موقفاً إنسانياً ثابتاً بأننا وبرغم الخوف، نظل ضد الحرب، ضد الانكسار، ونظل ضد الظلم والإحباط وضد الانهيار. إنها قصائد نجيب “الخائفة” لا المخيفة.

 

يقول محمد نجيب في “الرؤى الحائرة” من ديوانه (نداء السكون الصاخب الصارم والمخيف):

أَعْرِفُ أَنِّي تَعِبْتُ

وَأَنَّ بِلَادِي لَيْسَتْ بِلَادِي

تَعْرِضُنِي فِي المَزَادْ

فَأَنَا شَاعِرٌ لَيْسَ إِلَّا..

فَمَاذَا تُفِيدُ الحُرُوفُ البِلَادْ؟

إِذَا مُتُّ سَوْفَ يُقَالُ بِأَنِّي وَأَنِّي..

وَتُنْشَرُ لِي صُورَةٌ نَادِرَة

وَبَعْدَ قَلِيلٍ مِنَ الوَقْتِ أُنْسَى

وَأُشْطَبُ مِنْ صَفْحَةِ الذَّاكِرَة..

أَوْ رُبَّمَا صُدْفَةً ذَاتَ يَوْمٍ

سَيَعْبُرُ اسْمِي فِي نَدْوَةٍ عَابِرَة

يَقُولُونَ عَنِّي أَنِّي كُنْتُ أَسِيرَ اللُّغَاتِ

وَكُنْتُ صَدِيقَ الرُّؤَى الحَائِرَة

يَقُولُونَ مَا يَشْتَهُونَ…

وَمَا يَرْسُمُونَ.. كَمَا يَحْمِلُونْ.

 

ضدَّ خيانةِ التاريخِ والإنسان في ديوان (قصائد مخيفة)، ويستمر الشاعر في رسم ملامح الصمود الرافض للظلم:

نَحْنُ ضِدَّ الحَرْبِ.. ضِدَّ الخَوْفْ

ضِدَّ خِيَانَةِ التَّارِيخِ وَالإِنْسَانْ

وَالوَطَنِ الَّذِي فِينَا يُنَادِي

ضِدَّ مَنْ بَاعُوا الطُّفُولَةَ لِلمَلَاجِئِ وَالشَّتَاتْ

وَالمَتَاهَاتِ.. وَلَيْلَاتِ السَّوَادْ.

 

الحنين إلى “العائلة” وظلال الأمل:

“نحن كنا عائلة”.. قالها الشاعر الفيلسوف في (غدٍ أخضر في ضفاف العائلة) من ديوانه (قصائد مخيفة):

نحن كنا وكنا والوطن كان وكان وكان

نحن كنا عائلة.. فمتى نعود جميعنا للابتسام؟

متى ستشرق بيننا شمس التمام؟ متى تعانقنا البلاد الهائلة؟

 

لكنه بعد ذاك يحيلنا إلى التفاؤل والأمل والحلم بغدٍ أفضل فيقول:

غَدًا نَعُودُ إِلَى الحَمَامْ

غَدًا سَتَصْمُتُ هَذِهِ الحَرْبُ الحَرَامْ

وَغَدًا سَنَسْتَسْقِي لِأَحْلَامِ الحَيَاةِ القَاحِلَة.

 

عودٌ على بدء، وبذات التفاؤل والأمل أود أن أقول إن “نداء السكون” كان صارخاً بحق حين هتف نجيب بثباتِ موقفٍ لا يتبدل:

فِي الغَدِ الآتِي سَنَعْبُرُ وَنُغَنِّي لِلسَّلَامْ

لِهَدِيلٍ فِي صَبَاحَاتِ الحَمَامْ

لِلوُرُودِ وَلِلجُنُودْ.. لِأُمَّهَاتٍ وَصَبَايَا..

وَلِأَطْفَالٍ وَأَحْضَانٍ وَشَوْقٍ وَتَحَايَا

فِي الغَدِ الآتِي سَتُشْرِقُ شَمْسُنَا وَنُزِيحُ أَسْتَارَ الظَّلَامْ

فِي الغَدِ الآتِي يَعُودُ النَّاسُ مِنْ وَجَعِ المَنَافِي وَالخِيَامْ

وَتُضِيءُ بِالفَرَحِ الزَّغَارِيدُ الشَّوَارِعَ وَالمَزَارِعَ وَالمَصَانِعْ

وَتَمُوتُ أَصْوَاتُ الرَّصَاصْ

فِي الغَدِ الآتِي..

سَنَعْبُرُ لِلخَلَاصْ.

 

ختامًا:

أخلاقُ نبيٍّ ويراعُ طبيب

 

هذه كلماتي أهديها لأستاذي الشاعر الفيلسوف محمد نجيب، وهي تتقاصر أمام باعه الطويل في النظم الجميل:

أَخْلَاقُ نَبِيٍّ.. وَيَرَاعُ طَبِيبْ

آسٍ لِيَجُسَّ عَلِيلَ القَلْبِ يُدَاوِيهِ.. أَتُرَاهُ يَطِيبْ؟

وَعَلِيلُ القَلْبِ جَرِيحُ الصَّدِّ قَتِيلُ الفَقْدِ رَفِيقُ السُّهْدِ.. تُرَاهُ يَطِيبْ؟

خَوْفٌ حُزْنٌ أَلَمٌ جُرْحٌ شَكْوَى وَنَحِيبْ

حَرْبٌ ضَرْبٌ نَهْبٌ سَلْبٌ نَارٌ وَلَهِيبْ

كَلِمَاتٌ تَخْرُجُ مِنْ رَحِمِ الأَوْجَاعِ لِتَسْكُنَ فِي حِضْنِ التَّغْرِيبْ

فَالحُزْنُ الغَائِرُ فِي الأَحْدَاقِ.. بَلَغَ الأَعْمَاقْ

لَا طَيْفَ شِفَاءٍ لَا تِرْيَاقْ

وَأَنَا مَا بَيْنَ هُمُومِ اليَوْمِ ضَيَاعِ الأَمْسِ غُمُوضِ الغَدْ

أَتَلَمَّسُ خُطُوَاتِي عَجْلَى وَالكَوْنُ رَحِيبْ

الكَوْنُ رَحِيبْ.. لَكِنَّ مَدَاهُ عِنْدِي ضِيْقُ اللَّحْدِ وَلَيْلُ السُّهْدِ فَالوطَنُ سَلِيبْ

وَأَنَا بِدِيَارِ الغُرْبَةِ أَحْيَا ثُمَّ أَمُوتُ فَأَحْيَا.. أَحْلُمُ أَغْفُو ثُمَّ أَنَامُ وَأَحْلُمُ.. أَصْحُو

أَسْتَسْلِمُ لِلقَادِمِ أَيًّا كَانْ

فَلَيْسَ هُنَالِكَ بِالإِمْكَانِ حَتْمًا وَيَقِينًا وَاطْمِئْنَانْ

لَيْسَ هُنَالِكَ بِالإِمْكَانِ أَسْوَأُ أَوْ أَوْجَعُ مِمَّا كَانْ

فِي وَسَطِ العَتَمَةِ وَالأَحْزَانِ دَاوَى جُرْحِي حَرْفُ فَنَّانْ

الحَرْفُ الدَّاءُ وَالحَرْفُ دَوَاءٌ وَالكَلِمَةُ حَاضِرَةٌ

لِشِفَاءِ الرُّوحِ وَلَاهِبَةٌ وَالنَّصْرُ قَرِيبْ

وَحَبِيبُ القَلْبِ أَبِي وَطَنِي هُوَ آتٍ بِإِرَادَةِ رَبِّي

هُوَ أَجْمَلُ مِمَّا نَتَمَنَّى.. لِلقَلْبِ قَرِيبْ

مَا زِلْتُ أُغَالِبُ أَحْزَانِي تَتَدَاعَى تَهْزِمُ أَرْكَانِي

أَهْتَاجُ وَيَهْتَزُّ كِيَانِي لَكِنْ لَمْ أَفْقِدْ إِيمَانِي

بِالغَدِ بِالحُلْمِ وَبِالأَفْرَاحْ

فَمَعِي.. فِي رِحْلَةِ أَيَّامِي..

نَاسٌ صَاغُوا لَحْنًا لِلحُبِّ وَلِلآمَالْ

كَلِمَاتٌ تَسْمَعُهَا آذَانُ أَجْيَالٍ تَتْبَعُهَا أَجْيَالْ

أَسْمَاءٌ صُنِعَتْ مِنْ عَنْبَرٍ

مِنْ عِطْرٍ مِنْ زَخَّاتِ الطِّيبْ

أَخْلَاقُ نَبِيٍّ وَيَرَاعُ طَبِيبْ

زُهْدٌ نُبْلٌ بَلْ رِقَّةُ حَالٍ وَعَظِيمُ خِصَالٍ نَعْلَمُهُ

قَدْ صَاغَ مِنَ الحَرْفِ هَوًى وَبَرِيقَ جَمَالْ

وَيَرَاعٌ يَرْسُمُ بِالكَلِمَاتِ وَمِدَادِ حُرُوفٍ مُؤْتَلِقَاتْ

تَتَهَادَى فِي دَعَةٍ وَثَبَاتٍ بِيَدِ الفَنَّانْ

رَقِيقُ الحَالِ عَظِيمُ الشَّانْ

لَا تَأْسَ صَدِيقِي لَا تَحْزَنْ فَالقَادِمُ سَيَكُونُ الأَفْضَلْ

قَدَرُ الشَّاعِرِ أَنْ يَحْمِلَ قَلْبًا شَفَّافًا يَتَصَدَّعُ مِنْ قَطْرَةِ دَمْعٍ يَنْهَارُ مَعَ الكَشْفِ الأَوَّلْ

قَدَرُ الفَنَّانِ أَنْ يَهْبِطَ مِنْ بُرْجٍ عَاجِيٍّ يُلَامِسُ تُرْبَةَ مَوْطِنِهِ يَتَمَرَّغُ فِيهِ بِلَا حَاجِزٍ

وَيَدُورُ يَجُوبُ بِقَاعَ الأَرْضِ لِيَبْحَثَ عَنْ كُنْهِ الحِكْمَةِ

وَالحِكْمَةُ أَنْتَ وَأَنْتَ لَهَا..

أَخْلَاقُ نَبِيٍّ وَيَرَاعُ طَبِيبْ

آسٍ لِيَجُسَّ عَلِيلَ القَلْبِ يُدَاوِيهِ.. فَعَسَاهُ يَطِيبْ

فَالحَرْفُ نِدَاءٌ وَالحَرْفُ شِفَاءْ

وَنَوَاصِيهِ بِيَدَيْكَ “نَجِيبُ”.

 

قراءة في (حوارات في عوالم الكلمة والإبداع):

رحلة بين الفكر والجمال

يبدو الكتاب وكأنه رحلة فكرية وجمالية عبر تضاريس متعددة من الوعي والإبداع؛ حيث لا يكتفي المؤلف بتوثيق الحوارات، بل يمنحها روحاً تجعل القارئ شريكاً في الاكتشاف. يكتسب الكتاب عمقاً إضافياً حين نعلم أن مؤلفه، محمد نجيب محمد علي، لا يكتب من موقع الصحفي فحسب، بل من أفق الشاعر وتأملات الفيلسوف معاً.

 

أدوات الكشف المعرفي

تأتي حواراته مشبعة بحس معرفي لا يكتفي بالسطح، بل ينفذ إلى طبقات المعنى؛ حيث تتحول الأسئلة إلى أدوات كشف لا مجرد استنطاق.

اختيار الدكتور حسن طلب (شاعر الفلسفة وفيلسوف الشعر) لافتتاح الحوارات يعكس التداخل الخلاق بين الشعر والفلسفة، وكأن الكتاب يضع منذ بداياته معياراً للحوار بوصفه تفكيراً جمالياً لا مجرد تبادل للكلام.

في المقابل، يمنح اختتام الكتاب بالروائية ستيلا قايتانو العمل بعداً إنسانياً حاداً ومؤثراً، خاصة في عبارتها الأخيرة التي تختزل تجربة كاملة

“إن الجرح الذي لا يزال نازفاً.. سوف يشفى بالكتابة والإبداع”.

 

الإبداع كضرورة وجودية

إن الإبداع في أحد أعمق وجوهه ليس ترفاً بل ضرورة وجودية، والكتابة فعل مقاومة وشفاء في آن واحد. هنا تتلاقى تجربة “ستيلا” مع الرؤية الضمنية للكتاب:

* الكلمة كأداة: ليست وسيلة تعبير فقط، بل أداة لترميم الذات.

* الكتابة كمداواة: فعل لمداواة ما تعجز الحياة عن تضميده.

 

خلاصة الرؤية

بهذا المعنى، يغدو (حوارات في عوالم الكلمة والإبداع) نصاً يتجاوز التوثيق إلى التأمل، ويمنح القارئ فرصة للإنصات إلى لحظة تلاقي الفكر بالألم، والجمال بالحقيقة، حيث تصبح الكلمة فعل حياة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *