سباق الشرعية تحت فوهة البندقية

سباق الشرعية تحت فوهة البندقية

محمد الأمين عبد النبي

 

في سياق حرب السودان، يتقدّم سؤال الشرعية على ما عداه، وهو ما يعكس انشغالات طرفي الحرب؛ إذ يكاد كل خطاب سياسي، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، يتمحور حول مسألة شرعية السلطة. وبينما تستمر العمليات العسكرية، تتبلور على الأرض سلطات أمر واقع تسعى إلى تثبيت نفسها عبر أدوات سياسية شكلية؛ تشكيل حكومات، والحديث عن تكوين برلمانات، وإعادة إنتاج مؤسسات دولة منقسمة. ولا يُستحضر الحديث عن الكارثة الإنسانية أو الاقتصادية أو الاجتماعية إلا في إطار الاستهلاك السياسي. غير أن المشكلة الجوهرية لا تكمن في غياب مؤسسات الدولة بقدر ما تكمن في غياب الشرط المؤسِّس للشرعية، وهو السلام.

تعمل حكومة بورتسودان على تقديم نفسها بوصفها الامتداد القانوني للدولة السودانية، مستندة إلى علاقاتها الخارجية وبعض البُنى البيروقراطية القائمة. وفي المقابل، تتحرك حكومة نيالا نحو استكمال بناء سلطة موازية، بما في ذلك إنشاء هياكل حكم مدني ومجالس تشريعية محتملة. ويشترك المساران في سعي واضح إلى شرعية سياسية. غير أن إنشاء حكومة أو برلمان في ظل استمرار العمليات العسكرية يطرح إشكالاً مركباً؛ فالبرلمان، في الفقه الدستوري، يفترض تمثيلاً عاماً ناتجاً عن عملية سياسية حرة وآمنة.

أما في سياق الحرب، فإن أي جسم تشريعي سيكون عملياً معبّراً عن موازين القوة داخل منطقة نفوذ محددة، لا عن الإرادة الوطنية الشاملة. وهكذا تتحول المؤسسات المدنية من أدوات تمثيل إلى أدوات تثبيت للانقسام. ومعلوم بالضرورة أن الشرعية ليست مسألة إجرائية فحسب، بل هي مسألة رضا عام وتوافق وطني. ولا يمكن الحديث عن عقد اجتماعي جديد بينما ملايين السودانيين نازحون أو لاجئون، والخرائط العسكرية متغيرة، ووقف إطلاق النار لم يتحقق بعد. إن تأسيس سلطة سياسية قبل تثبيت الأمن ووقف الحرب يشبه بناء سقف بلا أعمدة.

إن سباق الشرعية بين بورتسودان ونيالا يرسّخ ثنائية دولة/دولة أو حكومة/حكومة، وهو مسار عرفته تجارب أخرى انتهت إلى تقسيم فعلي طويل الأمد. فعندما تنشغل كل سلطة بإنتاج أدوات اعتراف داخلي وخارجي خاصة بها، تتراجع أولوية التوافق الوطني الشامل لصالح تثبيت مناطق النفوذ. ومهما كان الادعاء بالتمسك بالوحدة ورفض التقسيم، فإن الوقائع تشير إلى أن السودان يمضي في طريق تقسيم جديد حذو النعل بالنعل.

يؤكد التاريخ السياسي السوداني أن أي قوة يمكن أن تصل إلى الحكم عبر فوهة البندقية، وأنه رغم طول فترات حكم الانقلابات العسكرية المدعومة بحواضن سياسية، ظل البحث عن الشرعية المفقودة شعبياً هاجساً دائماً للانقلابيين. فالتجربة السودانية تثبت أن السلطة التي تقوم على الغلبة العسكرية دون سند شعبي حقيقي، ودون عقد وطني جامع، تبقى سلطة قلقة، محكومة بمنطق الطوارئ، وتعيش في حالة استنفار دائم ضد مجتمعها. وقد أثبتت العقود الماضية أن الحكم القائم على السلاح ينتهي إما بانقسام داخلي، أو بانتفاضة شعبية، أو بصراع مسلح جديد. صحيح؛ يمكن أن تُنتزع السلطة بالسلاح، لكن لا يمكن أن تُصان بالسلاح. ما يصون السلطة هو الرضا الشعبي، والشرعية الدستورية، والعملية الديمقراطية. فمهما بُذلت من أموال وإعلام، لن تنال أي سلطة مغتصبة شرعية شعبية، والتجارب السابقة في السودان والمنطقة ماثلة للعيان و”العاقل من اتعظ بغيره”.

السودان، بطبيعته، بلد متعدد سياسياً وقومياً وثقافياً ودينياً وجهوياً. وأي محاولة لاحتكار الدولة من قبل تيار واحد أو تحالف مغلق تعني عملياً إعادة إنتاج دورة الحروب نفسها. فالاستقرار الحقيقي لا يتحقق عبر شرعية القبضة الأمنية، وإنما عبر شرعية سياسية بالمشاركة الواسعة، والمواطنة المتساوية، وتداول السلطة. وبالتالي؛ فإن الحفاظ على وحدة السودان، في ظل التصدعات العميقة التي أفرزتها الحرب، يتطلب إعادة تأسيس الدولة على قاعدة وطنية جامعة، وبناء جيش وطني مهني موحد يخضع لسلطة مدنية، ويبتعد عن الانخراط في العمل السياسي أو الاقتصادي. وهذه، من المفترض، أن تكون القضايا الحقيقية التي تشغل العسكريين، غير أن تركيزهم ينصرف إلى كيفية المحافظة على كراسي الحكم.

تستمد السلطة شرعيتها من توافق مركّب بين المصدر القانوني والمصدر الشعبي والمصدر الأخلاقي. فهي تكتسب أساسها القانوني عبر دستور متوافق عليه يحدد كيفية الوصول إلى الحكم وحدود ممارسته، وتستمد بعدها الشعبي من رضا المواطنين المتجدد عبر آليات المشاركة والتمثيل الحر وتداول السلطة، بينما يتجسد بعدها الأخلاقي في قدرتها على حماية الحقوق وصون الحريات وتحقيق الحد الأدنى من العدالة والأمن العام. فالشرعية ليست مجرد سيطرة فعلية على الإقليم ولا احتكاراً للقوة، بل هي اعتراف طوعي من المجتمع بأن هذه السلطة تعبّر عن إرادته وتخضع لقواعده وتعمل لصالحه. وكلما انفصلت السلطة عن هذا الاعتراف تحولت من سلطة شرعية إلى سلطة أمر واقع قابلة للاهتزاز مع أول اختبار جدي للرضا العام.

إن الاتجاه إلى البحث عن الاعتراف من المجتمعين الإقليمي والدولي قبل نيل الاعتراف من الشعب السوداني يعكس انقلاباً في ترتيب مصادر الشرعية؛ إذ تتحول السلطة من مشروع يستند إلى الرضا الداخلي إلى كيان يسعى لاكتساب صك اعتماد خارجي يعوّض هشاشته الوطنية. فالإقرار الدولي، مهما كان مهماً في القانون الدولي والعلاقات الدبلوماسية، يظل عاملاً كاشفاً لا منشئاً للشرعية؛ لأنه يعترف بواقع قائم ولا يصنع قبولاً شعبياً حقيقياً. وعندما تُقدَّم أولوية تثبيت المقعد في المنظمات الإقليمية أو الحصول على بيانات دعم خارجية على حساب بناء توافق وطني، فإن ذلك يوسّع الفجوة بين السلطة والمجتمع، ويحوّل الدولة إلى طرف في لعبة توازنات إقليمية أكثر من كونها تعبيراً عن الإرادة العامة. فالشرعية التي تُستورد لا تُحصّن الاستقرار، والسلطة التي تستند إلى اعتراف الخارج دون سند شعبي تبقى معلّقة بين الدبلوماسية والواقع، ومعرضة للاهتزاز كلما تغيّرت المصالح الدولية أو تبدلت التحالفات.

يعمل طرفا الحرب على استغلال هامش المناورة الناتج عن تباين المصالح داخل مجلس الأمن وبين أطراف الآلية الرباعية أو دول الجوار لتثبيت شرعية أي منهما. الا أن هذا الهامش لا يضمن تحقيق مصالح سلطوية على حساب الحل المستدام، ولا القدرة على الوقوف في مواجهة تحدي الضغوط السياسية، التي قد تتحول إلى عقوبات محددة، وربما إلى إعادة نظر في أنماط الحكم القائم على الغلبة. وجوهر المسألة أن تنازع الشرعية هو العامل الأساسي في استمرار الحرب والمعاناة. والسودان اليوم أمام اختبار إما أن يكون خطاب الشرعية مدخلاً إلى عملية توقف النزيف وتؤسس لانتقال مدني ديمقراطي، أو أن يتحول إلى غطاء يطيل أمد الحرب.

إن السعي إلى إطلاق عملية سياسية تُقنّن الوضع الراهن، بدلاً من تجاوزه، يعني عملياً إعادة إنتاج الانقسام في صورة اتفاق رسمي يمنحه شرعية. فمثل هذه العملية لا تنطلق من إرادة السودانيين ولا من حاجة وطنية، وإنما من حسابات تثبيت النفوذ وتقاسم الجغرافيا والموارد تحت مسمى “تسوية”. أما العملية السياسية الحقيقية فهي التي تُبنى على ضمان بيئة آمنة ومحايدة، ومشاركة مدنية غير مرتبطة بموازين السلاح. ودون ذلك، تصبح العملية السياسية غطاءً قانونياً لواقع مفروض، لا مساراً تأسيسياً يعيد بناء الدولة على أساس عقد اجتماعي جديد. ودون ذلك، ستبقى الحكومات الناشئة تحت فوهة البندقية سلطات بحكم الأمر الواقع، لا بحكم الإرادة الشعبية؛ والفرق بين الأمرين هو الفرق بين السيطرة والشرعية.

أما المبادرات الدولية، كالمجموعة الخماسية والآلية الرباعية أو الجهود البريطانية–النرويجية المشتركة التي تعمل على مشروع العملية السياسية، فإنها تواجه معضلة ترتيب الأولويات. فقد كان التصور الأول يقوم على وقف الحرب باعتباره البند الأساسي، وترك العملية السياسية وتشكيل الحكومة كاستحقاق لاحق يفرزه توازن القوى. غير أن الجميع أدرك أن العمليتين مرتبطتان موضوعياً ومنفصلتان عملياً؛ إذ أدارت الخماسية مؤخراً مناقشات مع الفرقاء السودانيين، لا سيما تحالف “صمود” وتحالف “تأسيس” وعدد من تحالفات بورتسودان، وأكدت دول الرباعية أهمية أن يكون المسار السياسي موازياً لوقف الحرب، لا لاحقاً له.

وفي ظل نشاط طرفي النزاع لتشكيل واجهات مدنية موالية لإنتاج عملية سياسية متحكَّم فيها وتحت سيطرة العسكريين، تبدو تصورات القوى المدنية التي تتبنى موقفاً رافضاً للحرب، ولأي شرعية لأطرافها ورقةً رابحةً كبديل ديمقراطي. لذا، يُرجَّح أن تظل هذه التصورات ضمن أجندة الوساطة بوصفها خارطة طريق تتوافق مع بيان الرباعية وبيانات مجلس الأمن والاتحاد الإريقي والإيقاد والاتحاد الأاوروبي.

من أهم مطلوبات أي عملية سياسية جادة أن تبدأ بتأسيس بنية تحضيرية صلبة، عبر تشكيل لجنة تحضيرية تضم طيفاً واسعاً من القوى السياسية والمدنية والمجتمعية، تتولى تصميم العملية السياسية وتحديد أهداف وقضايا حوار المائدة المستديرة، وصياغة جدول أعمال واضح، وأسس تمثيل عادلة، ومعايير شفافة لإدارة الحوار. وتتحرك هذه اللجنة في مسار موازٍ ومتكامل مع جهود التوصل إلى اتفاق لوقف الحرب وترتيبات إيصال المساعدات الإنسانية، بحيث لا يُختزل المسار السياسي في انتظار الحسم العسكري، ولا تُستخدم الإغاثة بديلاً عن الحل السياسي. فالتصميم المتوازي يضمن أن يتقدم وقف إطلاق النار والعملية السياسية جنباً إلى جنب، وأن تتحول الهدنة الإنسانية إلى مدخل لبناء الثقة لا إلى هدنة هشة، وبذلك تُهيَّأ الأرضية الموضوعية لانتقال سياسي يستند إلى توافق وطني منظم، لا إلى فراغ تملؤه موازين القوة.

تُعد مسألة تشكيل حكومات وسط دوي المدافع مخاطرة سياسية تتردد بين ضرورة سد الفراغ الإداري ومخاوف تكريس الانقسام. فمن الناحية العملية، فإن تشكيل أي طرف حكومة قبل وقف إطلاق النار سيؤدي إلى إغلاق الأفق أمام حل موحد، ويعقِّد الأزمة. وهذا التشرذم يحوّل الدولة إلى أداة في يد العسكريين، ويجعل انتزاع الشرعية أمراً شبه مستحيل في ظل الانقسام الحاد. فالمواطن يبحث عن الأمن والخدمات، لا عن هياكل سياسية تفتقر إلى السيادة الفعلية على كامل التراب الوطني. كما أن الاعتراف الدولي سيظل رهيناً بمدى قدرة هذه الحكومات على تمثيل إرادة جامعة، وهو ما تفتقر إليه أي خطوة أحادية في المرحلة الراهنة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *