لـ(ديسمبر) كلمة
أبريل.. انتصار الفعل المدني
شهر أبريل أصبح مرتبطاً في الذاكرة الوطنية السودانية بالانتصارات الحاسمة للفعل الشعبي المدني على الأنظمة العسكرية التي تستخدم الدين للبقاء في السلطة.
ورغم أن أبريل شهد أيضاً اندلاع الحرب اللعينة في العام 2023، والتي من أهدافها طمس هذا التاريخ المجيد، إلا أن الاحتفال بذكرى انتصار انتفاضة 6 أبريل 1985، وكذلك بانتصار ثورة ديسمبر المجيدة في يوم اقتحام الثوار ميدان القيادة العامة وإعلان الاعتصام، الأمر الذي مهد لسقوط حكم الإسلاميين بعد ذلك بأيام، يظل أحد سبل استعادة فعالية العمل المدني والضغط لوقف الحرب.
في كلتا الثورتين، اختار السودانيون والسودانيات طريق النضال المدني من أجل تحقيق أهدافهم في الحرية والسلام والعدالة والحكم مدني، وفي كلتا الثورتين أيضاً تكالبت بقايا مايو وفلول المؤتمر الوطني من أجل إجهاض المد الجماهيري ومنعه من الوصول إلى غاياته السامية.
نذكر في هذه الأيام، جميع الشهداء الذين سقطوا في ساحات النضال المدني برصاص العسكر والأجهزة الأمنية والمليشيات الحزبية بمختلف تمظهراتها، نحيي كلَّ من تعرض للتعذيب في معتقلات الدكتاتورية العسكرية على عهد مايو والنظام العسكرإسلاموي على عهد الإنقاذ، ونثمِّن تضحيات كل من أُخرج من دياره نازحاً أو لاجئاً، ونرفع القبعات لكل من فقد مصدر عيشه جراء سياسات الفصل التعسفي والصالح العام والخصخصة.
الاحتفال بهذه الأيام العظيمة والنضالات الملهمة يجعلنا أكثر تمسُّكاً اليوم بالنضال المدني ورفض الحرب كوسيلة لحل الخلافات أو الحصول على الحقوق. فبعد تجربة 70 عاماً من الاستقلال، قادتنا الديكتاتوريات العسكرية لمزيد من القمع والظلم والتهميش، وأهدر النضالُ المسلح أرواحَ مئات الآلاف من السودانيين وأحرق الآلاف من القرى والمدن ودمّر البنيات الأساسية وأجبر الملايين على الفرار، من دون أن ينجح السودانيون في الوصول إلى أهدافهم في التنمية المتوازنة والتوزيع العادل للسلطة والثروة والعدالة.
هذه الأهداف المتاح الوصول إليها، تحتاج منا اليوم إلى العمل سوياً وبالوسائل السلمية والمدنية من أجل وقف الحرب التي لم تعُدْ حرباً في جزءٍ من جغرافيا السودان، بل تمددت إلى حرب تهدد بقاء البلاد نفسها ككيان موحد، لأنه دون أن تتوقف الحرب لن يتمكن السودانيون من الجلوس سوية للاتفاق على مستقبل السودان، وأن تكون هذه الحرب هي الأخيرة.
ومع ترحيبنا بالجهود الدولية المبذولة حالياً، إلا أن هذه الجهود حتى لو تكللت بالنجاح في مرحلة أولى، ستكون مقدمة لحرب أخرى ما لم يتم تفعيل العمل المدني لملء الفراغ الذي فرضته الحرب، وليشارك السودانيون عبر منظماتهم النقابية والحزبية والمدنية في جهود وقف الحرب، وتحديد الأولويات ورسم خارطة طريق المستقبل المرتكزة على شعارات الحرية والسلام والعدالة والحكم المدني الديمقراطي.
لذا يصبح ضرورياً مشاركة القوى المدنية في الجهود المبذولة حالياً، عبر المؤتمرات المرتقبة في أديس أبابا وباريس وصولاً إلى برلين، إذ تمثل واحدة من صيغ “الملكية السودانية” لأي فعل يتعلق بوقف الحرب وإيصال المساعدات الإنسانية وعودة النازحين واللاجئين واستعادة مسار الحكم المدني الانتقالي.
إن محاولات الدعوة لمقاطعة هذه المحافل، من بعض الجهات الداعمة للحرب، باعتبارها تدخلاً خارجياً وغيرها من المبررات، ما هو إلا غطاء لإعطاء مشروعية مفقودة لاستمرار الحرب.
لنجعل احتفالاتنا بأبريل جزءاً من نضالاتنا لوقف الحرب.
لا للحرب.