عمك تنقو… عندما صاغ شرحبيل أحمد ذاكرة طفلٍ سوداني بريشةٍ تبتسم

عمك تنقو…

عندما صاغ شرحبيل أحمد ذاكرة طفلٍ سوداني بريشةٍ تبتسم

إيمان فضل السيد

كان عمك تنقو يصل إلينا كل أسبوع بملامح تشبه أهل البيت؛ يخطئ فنضحك، ويُحرَج فنفهم، دون أن يرفع إصبعًا بالوعظ أو يتقمّص دور الحكيم. هكذا، وببساطة تشبه الحياة قبل أن تتعقّد، صنع الفنان شرحبيل أحمد واحدة من أكثر شخصيات صحافة الطفل السودانية رسوخًا في الذاكرة. شخصية لم تتعالَ على الطفل، ولم تتنازل له في الوقت ذاته، بل خاطبته بوصفه شريكًا في الفهم والاكتشاف.

لم يكن عمك تنقو مجرّد شخصية كرتونية عابرة في صفحات مجلة (الصبيان)، بل زائرًا دائمًا لبيوت السودانيين، يدخل بلا استئذان، ويغادر تاركًا ضحكة صغيرة وسؤالًا كبيرًا. وبمناسبة الإعداد لتكريم الفنان شرحبيل أحمد بالقاهرة عبر لجنة عليا، تبرز الحاجة إلى التوقّف عند هذه الشخصية لا بوصفها منتجًا فنّيًا ناجحًا فحسب، بل باعتبارها أحد أهم تجليات مشروع إبداعي متكامل، حوّل فيه شرحبيل قدراته التشكيلية إلى رؤية تربوية وإنسانية بعيدة عن المباشرة.

صحافة الطفل ومجلة (الصبيان)

لا يمكن قراءة تجربة عمك تنقو بمعزل عن سياق صحافة الطفل في السودان خلال ستينيات وسبعينيات القرن الماضي. فقد كانت مجلة الصبيان واحدة من التجارب الرائدة التي سعت إلى مخاطبة الطفل السوداني في زمنٍ كانت فيه أغلب مجلات الأطفال العربية تعتمد على شخصيات مستوردة، تحمل عوالم بعيدة عن البيئة المحلية، سواء في اللغة أو السلوك أو القيم اليومية.

في ذلك الزمن، لم يكن الطفل يُنظر إليه باعتباره كائنًا ثقافيًا كاملًا، بل متلقيًا للوعظ أو الترفيه البسيط. لكن مشروع شرحبيل أحمد جاء مختلفًا؛ إذ تعامل مع الطفل بوصفه قارئًا ذكيًا، قادرًا على التقاط المفارقة، وفهم الرسالة دون تلقين. ومن داخل هذا الوعي، وُلدت شخصية عمك تنقو: رجل بسيط، مألوف، يشبه الجيران والباعة وسائقي المواصلات، لا يحمل بطولة خارقة ولا حكمة جاهزة، بل يتعلّم عبر الخطأ، ويُخطئ أمام القارئ الصغير.

 

عمك تنقو: ذاكرة أخلاقية ناعمة

ظهرت شخصية عمك تنقو في شكل قصص مصوّرة وحكايات قصيرة ذات طابع تربوي غير مباشر. استخدم شرحبيل أحمد الطرافة والمفارقة كأداتين أساسيتين لتوصيل القيم، دون خطاب مباشر أو لغة تلقينية. وبذلك، لم يصنع شخصية تعليمية بالمعنى المدرسي، بل أسّس ما يمكن تسميته بـ«ذاكرة أخلاقية ناعمة»، تعلّم فيها الطفل أن الخطأ ليس عيبًا، بل مرحلة من مراحل الفهم.

هذا الاختيار لم يكن اعتباطيًا؛ فشرحبيل، بوصفه مثقفًا بصريًا، كان يدرك أن الضحك قد يكون مدخلًا أعمق للوعي من أي خطاب مباشر، وأن الصورة قادرة على التعليم بقدر النص، وربما أكثر. لذلك، لم يكن عمك تنقو واعظًا ولا نموذجًا مثاليًا، بل كائنًا إنسانيًا يقع في الخطأ ويتعلّم أمام القارئ.

ومن هنا، يطرح عمك تنقو سؤالًا ضمنيًا: لماذا اختار شرحبيل شخصية عادية لا بطلًا خارقًا؟

يجيب القارئ عمار النور، من جيل السبعينيات، قائلًا: “عمك تنقو ليس مجرد شخصية للأطفال، بل مرآة اجتماعية صاغها شرحبيل أحمد بريشة ساخرة وحانية في آن. لقد جسّد باكراً سودنة خطاب الطفل بصريًا وسلوكيًا، وجعل من الخطأ أداة للتعلّم لا للعقاب”. ويضيف: “لم يعلّمنا شرحبيل كيف نكون مثاليين، بل كيف نبتسم لأخطائنا. فعمك تنقو كان توقيع الفنان على ذاكرة جيل بأكمله”.

مرآة اجتماعية بملامح سودانية

لعلّ أبرز سمات عمك تنقو أنه عكس البيئة السودانية بكل تفاصيلها العفوية: اللغة، والعادات، والسلوكيات اليومية. سخر – بلطف – من بعض الظواهر الاجتماعية مثل التسرّع، وسوء الفهم، والطمع الصغير، والتقليد الأعمى، دون أن يُدين أو يُقصي. وهو ما منح الشخصية بعدًا إنسانيًا جعلها قريبة من الكبار قبل الصغار.

في زمنٍ كانت فيه شخصيات مثل «ميكي» و«عمو بطوط» تهيمن على خيال الطفل العربي، قدّم عمك تنقو نموذجًا محليًا خالصًا، يخاطب الطفل بلغته وواقعه، ويجمع بين الترفيه والتربية دون وعظ. لذلك، يمكن النظر إليه بوصفه إحدى البدايات المبكرة لتوطين خطاب الطفل في الصحافة السودانية، وصناعة بطل شعبي يعكس الواقع الاجتماعي بذكاء وبساطة.

وكان شرحبيل أحمد يرى الطفل بعين الندّ لا بعين الوصاية. لم يتعامل معه بوصفه متلقيًا سلبيًا، بل شريكًا في الوعي يتشكّل مع كل عدد من أعداد مجلة (الصبيان). لذلك لم يذهب إلى المثاليات المعلّبة، بل اختار الإنسان العادي.

رجل بسيط بملامح مألوفة،

جسد مرسوم بمبالغة خفيفة،

ووجه غنيّ بالتعبير والحركة.

لم يكن عمك تنقو شريرًا ولا مثاليًا، بل كائنًا يقع في الخطأ ويتعلّم أمام القارئ الصغير. الطفل هنا لا يتلقّى درسًا، بل يشهد تجربة. ومن دون شعارات، عالجت الشخصية سلوكيات اجتماعية يومية عبر سخرية حانية لا تجرح، أقرب إلى الكاريكاتير الاجتماعي، لكنها موجّهة للطفل بوعي تربوي عميق.

 

أصوات من ذاكرة (الصبيان)

 

عمك تنقو بقى غسّال

وشدَّ الشارع كله حبال

بهذه الأبيات استعاد الفاتح ذاكرته وهو يبتسم، متحدثًا عن أكثر ما علق بذهنه من عبارات مرحة قرأها في مجلة (الصبيان). ويقول إن عمك تنقو، رغم مظهره الساذج ظاهريًا، كان وسيلة ذكية لتقديم دروس حقيقية للأطفال، تقوم على العمل والتعلّم لا على الأمنيات.

أما ابتسام، فلا تزال تحفظ الكثير من حكايات عمك تنقو وترددها بإيقاع يشبه ذلك الزمان، مؤكدة أنهم في طفولتهم كانوا يضحكون دون أن يدركوا الحكمة، لكن الشخصية – دون قصد – ساهمت في تشكيل وعيهم الأخلاقي والاجتماعي. وترى أن شرحبيل أحمد قدّم نموذج الإنسان الذي يعلّم دون أن يعظ، ويغرس القيم من خلال مواقف يومية بسيطة.

وتحكي محاسن، بضحكة عفوية، كيف تحوّل اسم «تنقو» إلى لقب عائلي يُستخدم للدعابة ووصف بعض المواقف، في دلالة على أن الشخصية خرجت من صفحات المجلة إلى الحياة اليومية، واستقرت في الذاكرة الجمعية.

 

شرحبيل أحمد: المثقف البصري

يصعُب فصل عمك تنقو عن صانعه؛ فتواضعه يشبه تواضع شرحبيل، وسخريته اللطيفة تعكس أخلاق الفنان، وابتعاده عن المباشرة يكشف إيمانه بالجمال الذكي. لم يكن شرحبيل مجرد رسام كاريكاتير للأطفال، بل فنانًا تشكيليًا متعدد المواهب، صاحب حس موسيقي وإيقاعي انعكس على خطه البصري.

من الناحية التشكيلية، جاءت شخصية عمك تنقو أقرب إلى المسرح الشعبي: جسد مبالغ فيه قليلًا، وجه كثير التعبير، وحركة دائمة. إنه «زول» نراه في السوق والحلّة والمواصلات. وفي هذه المفارقة – كبير يتعلّم مثل الطفل – تتجلّى رسالة شرحبيل في أن التربية ليست في الوعظ، بل في المفارقة.

كما يمكن قراءة عمك تنقو بوصفه حاملًا لبعد اجتماعي وسياسي خفيف، يعالج أمراضًا عامة مثل سوء الفهم، والتسرّع، والتقليد الأعمى، والطمع الصغير، لكن دون شعارات أو خطاب إدانة، في أسلوب يشبه الكاريكاتير الصحفي، غير أنه موجّه للطفل وبعين تربوية رحيمة.

 

ختام

إن استعادة عمك تنقو ليست فعلًا حنينيًا فحسب، بل فعلًا ثقافيًا يعيد طرح أسئلة التربية والوعي والذاكرة في زمن تتراجع فيه الصورة الذكية لصالح الاستهلاك السريع. فهو يذكّرنا بأن الضحك يمكن أن يكون تربية، وبأن الوعي قد يولد من خطأ مرسوم بعناية. هكذا، ترك شرحبيل أحمد توقيعه الأخلاقي في ذاكرة أجيال كاملة، بريشة تبتسم، وما تزال.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *