كيف تعيد المواجهة مع إيران رسم من يُسمح له بالحكم في السودان؟

في قلب حرب أوسع

كيف تعيد المواجهة مع إيران رسم من يُسمح له بالحكم في السودان؟

خاص: (ديسمبر)

لم تعد الحرب في السودان صراعاً على من يحكم، بل على من يُسمح له أن يكون جزءاً من الحكم أصلاً. فبعد عامين من القتال، لم يعد النزاع يُفهم فقط بوصفه مواجهة داخلية بين الجيش وقوات الدعم السريع، لكن كجزء من عملية أوسع يُعاد فيها تعريف الفاعلين وحدود شرعيتهم، تحت تأثير تحولات إقليمية متسارعة، وفي مقدمتها التصعيد في المواجهة المرتبطة بإيران.

هذا التحول لا يغيِّر فقط طريقة قراءة الحرب، بل يكشف أيضاً حدودها: ليس من حيث من قد ينتصر، بل من حيث من يستطيع أن يحكم.

 

إعادة تفسير

في الشرق الأوسط، نادراً ما تبقى الحروب محصورة داخل حدودها. ومع تصاعد التوتر بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، بدأت خرائط الصراع في المنطقة تعاد صياغتها على نطاق أوسع يمتد إلى البحر الأحمر والقرن الإفريقي.

في هذا السياق، لم يعد السودان حالة معزولة. فموقعه الجغرافي (عند تقاطع الشرق الأوسط وإفريقيا، وعلى أحد أهم الممرات البحرية للتجارة والطاقة) يجعله جزءاً من حسابات إستراتيجية تتجاوز حدوده.

يقول المحلل السياسي عزت خيري في حديثه لـ(ديسمبر) إنَّ السؤال لم يعد ما إذا كانت هذه المواجهة ستؤثر على السودان، بل كيف سيُعاد تفسير الحرب فيه في ضوء هذا الصراع الأوسع. فبعد أن جرى التعامل مع النزاع لفترة طويلة كحرب بين قوتين عسكريتين، بدأت قراءات جديدة تربطه بشبكات إقليمية أوسع، خصوصاً مع تزايد التركيز الدولي على علاقات بعض الفاعلين السودانيين بإيران.

وقد عززت قرارات مثل عقوبات وزارة الخزانة الأمريكية في 2025، التي استهدفت الحركة الإسلامية ومليشياتها، هذا الاتجاه، عبر ربطها بدعم تقني من إيران، بما في ذلك صلات بالحرس الثوري. وبهذا، لم يعد أحد أطراف الصراع يُقرأ فقط كفاعل محلي، بل كجزء من منظومة أوسع من العلاقات العابرة للحدود.

ومع ذلك، يحذر خيري من أن هذا التأطير، رغم أهميته، “لا ينبغي أن يحجب البنية الأعمق للصراع. فإعادة تفسير الحرب ضمن سياق إقليمي لا تعني أن هذا السياق هو محركها الوحيد، بل قد تعكس أيضاً أولويات دولية تسعى لإعادة ترتيب المشهد وفق اعتبارات أمنية أوسع”.

 

جذور ممتدة

العلاقة بين السودان وإيران ليست وليدة اللحظة. فمنذ تسعينيات القرن الماضي، ساهم التعاون الأمني والعسكري بين البلدين في بناء أجزاء من البنية الدفاعية السودانية، عبر التدريب والتصنيع العسكري. ورغم فترات من التراجع، عادت بعض هذه الروابط منذ اندلاع الحرب في 2023.

يرى أستاذ السياسة العامة د.بكري الجاك في حديثه لـ(ديسمبر) أن الحديث عن هذه العلاقة لا يحتاج إلى افتراضات، فهي قائمة تاريخياً. لكنه يحذر من تحويلها إلى تفسير شامل للحرب. ويضيف: “مسألة الارتباط مع إيران ليست افتراضاً.. لكن تصويرها كأنها ما يفسر كل شيء في الحرب هو تبسيط مضلل”.

هذا التمييز مهم، لأنه يضع العلاقة في سياقها الصحيح: عامل مؤثر، لكنه ليس العامل الحاسم الوحيد. هذه الخلفية تفسر لماذا لا يمكن اختزال الحضور الإيراني في دعم عسكري ظرفي. فالأمر يتعلق بشبكات متجذرة داخل مؤسسات الدولة، ما يجعل أي محاولة لفصل الصراع الداخلي عن حسابات إيران تبسيطاً مخلًا.

اليوم، أصبح الارتباط بإيران معياراً لإعادة تصنيف الفاعلين. تشير تقديرات أمريكية إلى أن عناصر مرتبطة بالحركة الإسلامية تلقت دعماً من الحرس الثوري، بما في ذلك تشكيلات مسلحة مثل (البراء بن مالك). ومع إدراج هذه الشبكات ضمن أطر تصنيفية مرتبطة بالإرهاب، تُعاد صياغة حدود المقبول دولياً.

تصنيف وفرز

أحد أبرز التحولات في قراءة الصراع جاء عبر آليات التصنيف الدولية. فإدراج شبكات إسلامية مسلحة ضمن قوائم العقوبات لا يقتصر على البعد القانوني، بل يعيد رسم حدود القبول السياسي.

لكن، وفق الجاك، لا يعمل هذا التصنيف كأداة إقصاء مطلق، بل كآلية فرز داخل هذه التيارات. ويقول: “التصنيف يضع هذه الجماعات ضمن منظومة قانونية ومالية أوسع.. لكنه أيضاً يفرز بين من يمكن أن يكون جزءاً من العملية السياسية، ومن لا يستطيع ذلك”.

ويضيف أن بعض التيارات الجهادية “لا تكمن إشكاليتها في التصنيف ذاته، بل في طبيعتها التنظيمية، التي تجعلها غير قابلة للتعايش ضمن نظام ديمقراطي”. ويزيد: “هناك تيار لا يستطيع العيش في مناخ ديمقراطي.. أمامه خياران: السيطرة بالقوة أو مواصلة القتال والإرهاب”.

في المقابل، يظل هناك تيار آخر معتدل يمكن أن ينخرط في العملية السياسية ويساهم بالحجة بعيداً عن العنف، أو محاولة استغلال أجهزة الدولة، خاصة مؤسساتها الصلبة.

 

مأزق بنيوي

هذا التحول يضع الجيش السوداني في مأزق معقد. فمن جهة، يعتمد ميدانياً على تشكيلات ذات طابع آيديولوجي لتعويض نقص القوات. ومن جهة أخرى، يدفع ثمناً سياسياً ودبلوماسياً متزايداً نتيجة هذا الاعتماد.

المعادلة هنا قاسية: ضرورات البقاء العسكري تدفع نحو توسيع التحالفات، بينما تضغط البيئة الدولية نحو تقليصها.

وقد بدا هذا التوتر جلياً في محاولات القيادة العسكرية النأي بنفسها عن خطاب بعض الحلفاء الإسلاميين، خصوصاً في ما يتعلق بإيران، رغم استمرار الاعتماد عليهم في الميدان.

هذا التناقض يمنح خصوم الجيش فرصة لإعادة صياغة السردية. إذ تسعى قوات الدعم السريع إلى تقديم نفسها كشريك محتمل في مواجهة الإسلاميين، في محاولة لإعادة تموضعها ضمن معادلات القبول الدولي.

لكن هذه السرديات تظل تكتيكية. فهي لا تعكس تحالفات مستقرة بقدر ما تعبر عن ترتيبات ظرفية، قابلة لإعادة التشكل مع تغير أولويات الداعمين.

رغم هذا التركيز على إعادة تعريف الفاعلين، يذهب خيري إلى أن المشكلة الأساسية في السودان أعمق من ذلك بكثير. فالصراع لا يدور بين بدائل حكم، بل بين قوى تفتقر أصلاً إلى القدرة على الحكم. ويقول: “المشكلة ليست من يحكم السودان.. بل أن لا أحد من الأطراف الحالية قادر على حكمه”.

فالجيش، رغم ادعائه تمثيل الدولة، يقود في الواقع تحالفاً هشاً من شبكات سياسية وعسكرية متباينة. كما أن تاريخه الطويل (من الحروب في الجنوب إلى دارفور) يربطه بأنماط من العنف المنظم واستخدام المليشيات.

أما قوات الدعم السريع، فرغم قدرتها العسكرية، تظل قوة شبه عسكرية قائمة على شبكات السيطرة والموارد، لا على مؤسسات حكم.

بهذا المعنى، لا يمثل الصراع تنافساً بين مشروعين للدولة، بل امتداداً لأزمة بنيوية في طبيعة السلطة نفسها.

في خلفية هذا المشهد، تتفاعل الحرب مع مسار أوسع يتعلق بإعادة تشكيل (وأحياناً تفكيك) الشبكات التي نشأت خلال عهد النظام السابق، خاصة تلك المرتبطة بإيران.

لم يحدث هذا التفكيك عبر خطة ممنهجة، بل نتيجة تلاقي ثلاثة مسارات: حرب داخلية شديدة السيولة، وضغوط دولية متزايدة، وإعادة تموضع إقليمي حاد. والنتيجة بيئة يُعاد فيها اختبار الولاءات القديمة تحت شروط جديدة تماماً.

لكن الأهم أن هذا التفكيك لا يقود بالضرورة إلى إعادة بناء. ففي غياب مشروع دولة متماسك، قد لا تُستبدل هذه الشبكات بأخرى أكثر استقراراً، بل يُعاد إنتاجها في أشكال أكثر سيولة ولا مركزية. وهذا يفتح احتمالاً مقلقاً: أن تتحول الدولة نفسها من إطار منظِّم للعنف إلى مجرد ساحة تتنافس فيها شبكات متعددة على احتكاره، دون قدرة أيٍّ منها على ترسيخ نظام حكم مستقر.

 

اقتصاد الحرب

إلى جانب هذه الأزمة السياسية، تلعب العوامل الاقتصادية دوراً حاسماً في استمرار الحرب.

فالسيطرة على الموارد (خاصة الذهب وشبكات التهريب) أصبحت شرطاً للبقاء. ومع تراجع الدعم الخارجي المنتظم، تزداد أهمية هذه الموارد في تمويل العمليات العسكرية.

وفي هذا السياق، يكتسب موقع السودان على البحر الأحمر أهمية مضاعفة. فالموانئ، وعلى رأسها بورتسودان، لم تعد مجرد نقاط تجارية، بل عُقداً إستراتيجية تتحكم في تدفقات السلع والمساعدات (وأحياناً السلاح).

هذا الواقع لا يعزز فقط منطق الاستمرار في الحرب، بل يعيد تشكيل موازين القوة بين الأطراف.

لا يمكن فهم هذا التحول دون النظر إلى الجغرافيا.

فالسودان يمتلك واحداً من أطول السواحل على البحر الأحمر، وهو ممر تمر عبره نسبة كبيرة من التجارة العالمية، خاصة شحنات الطاقة من الخليج. وفي ظل تصاعد التوترات الإقليمية، تصبح هذه الممرات أكثر حساسية.

لذلك، تنظر القوى الدولية إلى استقرار السودان ليس فقط كمسألة داخلية، بل كعنصر أساسي في أمن هذا الممر الحيوي.

لكن هذا الاهتمام يحمل مخاطره. فبدل التركيز على إعادة بناء الدولة، قد ينحصر في احتواء التهديدات المباشرة، ما يحول السودان إلى ملف أمني أكثر منه مشروعاً سياسياً.

تدخل متذبذب

في الوقت نفسه، يمر الانخراط الإقليمي بمرحلة إعادة تشكيل. فمع انشغال دول الخليج بتحدياتها الأمنية، قد يتراجع دعمها لبعض أطراف النزاع.

لكن هذا لا يعني انسحاباً كاملاً، بل تحولاً نحو نمط أكثر تذبذباً: دعم غير منتظم، وشبكات تستمر دون التزام طويل الأمد.

هذا النمط لا ينهي الحرب، بل يعيد إنتاجها، عبر حرمان الأطراف من الحسم دون منعها من الاستمرار.

في هذا السياق، يطرح خيري سؤالاً مختلفاً: ليس من سينتصر، بل من يمكنه أن يحكم.

فحتى لو انتهت المعارك، لا يوجد طرف يمتلك البنية المؤسسية أو المشروع السياسي اللازم لإعادة بناء الدولة. وهذا ما يجعل الحرب، في جوهرها، ليست مجرد صراع على السلطة، بل تعبيراً عن أزمة أعمق في القدرة على الحكم.

 

خلاصة مفتوحة

يرى الجاك أن انقلاب 25 أكتوبر 2021 نقل السودان في المقاربة الأمريكية من مسار التحول الديمقراطي إلى ملف أمني خالص: ضبط السلاح، كبح حركة التشكيلات المسلحة، منع الانزلاق إلى بؤرة إرهابية، وحماية ممرات البحر الأحمر التي تمر عبرها نسبة معتبرة من التجارة العالمية. في هذا الإطار، تراجعت (الديمقراطية) كمعيار لصالح (الاستقرار الوظيفي). غير أن تجربة الحكم المركزي الصارم —الرجل الواحد والحزب الواحد— أفضت إلى تفكيك مؤسسات الدولة وتآكل ركائزها، حتى باتت، بتعبير منصور خالد، “تتكاثر فيها الزعازع وتتناقص الأوتاد”. ويخلص الجاك إلى أن الرهان اليوم ليس على (رجل قوي) يفرض الاستقرار من أعلى، بل على تسوية توافقية داخلية؛ فاستقرار السودان لا يُفرض، بل يُبنى عبر توافق السودانيين أنفسهم.

في المحصِّلة، لم تعد الحرب في السودان مجرد نزاع داخلي، بل جزء من مشهد إقليمي أوسع يعيد تعريف الفاعلين وحدود الشرعية.

لكن هذا التحول، رغم أهميته، لا يغير الحقيقة الأساسية: غياب طرف قادر على الحكم.

فبين اقتصاد حرب يعزز الاستمرار، وتدخل خارجي متذبذب، وإعادة تأطير دولية للصراع، يتحول السودان إلى ساحة تتقاطع فيها إستراتيجيات متعددة، دون أن تمتلك أي منها القدرة على فرض حل.

في هذا المشهد، لم يعد السؤال: كيف تنتهي الحرب؟، بل: هل بالإمكان أصلاً بناء نظام سياسي قادر على إنهائها؟.

وهنا، ربما تكمن المعضلة الحقيقية: ليس فقط في الصراع على السلطة، بل في غياب الدولة التي يمكن أن تُمارس فيها هذه السلطة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *