تقارير – (ديسمبر)

انعقد اجتماعاً بالغ الأهمية يوم الثلاثاء 6 يناير 2026، جمع قيادات في إدارة المملكة العربية السعودية ذات وزن وتأثير، مع مسعد بولس كبير مستشاري الرئيس ترامب لأفريقيا والشرق الأوسط، وكان في مقدمة الحضور الأمير خالد بن سلمان آل سعود وزير الدفاع السعودي، ومعالي الأمير فيصل بن فرحان آل سعود وزير الخارجية، ومعالي نائب وزير الخارجية الدكتور وليد الخريجي، وصاحب السمو الأمير مشعل بن محمد الفرحان مستشار الشؤون السياسية، والجند الرئيسي في الاجتماع كان الأزمة في السودان، وعقب الاجتماع قال بولس صراحة أنهم ومع شركاء إقليميين يبذلون جهودا لوقف النار في السودان ويعملون على وضع حد للمعاناة الإنسانية وتصعيد العنف المستمر في الحرب ، وعبر منصة “أكس” قال ” الاجتماع ركز على الجهود المشتركة، ومن خلال التعاون مع شركاء إقليميين، نعمل على تحقيق وقف لإطلاق النار لأسباب إنسانية في السودان، في محاولة لوضع حد للمعاناة الإنسانية وتصعيد العنف”، وتتبع مسار ” الرباعية الدولية” يفرض سؤالا ملحا هل التحركات التي انتظمت الأسبوع الماضي، يشير إلى أنها لا تزال الوصفة الناجعة لحل تعقيدات الأزمة الإنسانية أم أنها سترتطم بمانعة قائد الجيش الفريق أول عبد الفتاح البرهان.
الرباعية تحرك المشهد
خلال الأشهر الأربعة الماضية، مثلت مبادرة “الرباعية الدولية” بادرة حل رئيسية للأزمة السودانية المتناسلة عن حرب 15 أبريل. وبعد البيان الذي صدر عن المبادرة في 12 سبتمبر 2025، تحرك المشهد السوداني بطريقة غير مسبوقة. ويعد البيان في حد ذاته مختلفاً عن جميع البيانات التي صدرت من الرباعية نفسها في شأن الأزمة، وكان بمثابة خارطة حل، واشتمل على نقاط وصفت بالحاسمة للمرة الأولى، مؤكدة قبل كل شيء على أن “لا حل عسكرياً للصراع”.
ثم انتقلت الخطة إلى ضرورة إيصال المساعدات الإنسانية للمدنيين في مناطق النزاع دون عوائق، إلى جانب حماية المدنيين، والبند الذي لم يسبق أن ورد في بيانات الرباعية، أو في مواقف الدول العاملة على معالجة الأزمة السودانية، جاء مرتبطاً بالنظام القديم في السودان، أو بالأحرى نظام الإسلاميين الذي أسقطه الشعب عبر انتفاضة شعبية. وجاء البند المعني “منع عودة الإسلاميين والمتطرفين إلى المشهد السياسي باعتبارهم محركين رئيسيَين للحرب” متطابقاً مع رؤية السودانيين. رفعت هذه اللغة المباشرة من آمال السودانيين في الرباعية الدولية، واعتبروا أنها في الطريق الصحيح المفضي إلى حل. ولكن بعد انتظار دام أربعة أشهر بدأ القلق يتسرب إلى النفوس، والسؤال المطروح: هل لحقت بمن سبقها ما مبادرات واستنفدت أغراضها وذهبت أدراج الرياح.

مسعد: مصممون على إنفاذ الرباعية
أكدت مصادر لـ(ديسمبر) أن قائد الجيش الفريق أول عبد الفتاح البرهان وافق على مقترح خارطة الرباعية، وأبلغ مستشار الرئيس الأمريكي للسلام في إفريقيا والشرق الأوسط، مسعد بولس، عن قبوله المبدئي بما جاء فيها عند لقائه به في سويسرا. كذلك سافر وفد من حكومة بورتسودان إلى واشنطن بقيادة وزير الخارجية محيي الدين سالم لنقاش ورقة مقدمة من الإدارة الأمريكية بموافقة بقية دول الرباعية (مصر والمملكة العربية السعودية ودولة الإمارات)، وأيضاً نقاش مستقبل العملية التفاوضية. وفي جلسة مشهودة ناقش مجلس الأمن والدفاع في الخرطوم بقيادة البرهان مقترح الرباعية المتعلق بالهدنة الإنسانية ووقف إطلاق النار.
لكن سريعاً ما عاد البرهان وانتقد خارطة الرباعية ووصف ما تم تقديمه في ورقتها بأنه “أسوأ ورقة ولا تستحق النقاش”، ورفض الاستجابة للهدنة الإنسانية، واعتبرت المبادرة من قبل غرف الإسلاميين وصاية على البلد، وأشعلوا حملة ضد الحلول التي تضمنتها، وأعادوا نداء التعبئة للجهاد وحرب الكرامة، وضد مسعد بولس باعتباره راعيها وداعمها. ومع ذلك ظل مسعد يردد أمام الصحفيين بأنهم في تحالف دول الرباعية مصممون على إنفاذ الخارطة.
إحياء الرباعية
المأمول، وفق ما كان رائجاً، أن تكون بداية الهدنة الإنسانية في ديسمبر 2025، وكما هو معلوم فإن ذلك لم يحدث. وتكلست المبادرة خاصة بعد انتقادها من قبل البرهان والهجمة عليها من قبل الإسلاميين المؤيدين لاستمرار الحرب. وفي محاولة لطمرها كلياً، نشرت غرف الإسلاميين ومن يعرفون بـ(البلابسة) على مواقع التواصل الاجتماعي مناشير تؤكد على أن الرباعية فشلت وماتت، على حد تعبير بعضهم.
إلا أنها عادت حية بعد لقاء جمع ولي العهد السعودي محمد بن سلمان والرئيس الأمريكي دونالد ترامب، عندما طلب الأول من ترامب الاهتمام بمأساة السودان، والتزم الرئيس الأمريكي على الهواء مباشرة وقال قولة تداولها الناس “قبل نصف ساعة أدرجت قضية السودان في أولوياتي”. غير أن الوقت أثبت أن اهتمام الرئيس الأمريكي لم يغير في الواقع كثيراً، وعادت الرباعية للجمود.
ومن المهم هنا الإشارة إلى زيارة البرهان للملكة العربية السعودية، والتي ينظر إليها ضمن مساعي المملكة السعودية لإحياء الرباعية الدولية. وفعلاً جاءت تصريحات البرهان عبر تغريدة على “أكس” مرحبة بالتدخلات الدولية لحل الأزمة. ولكن، وكما حدث في المرات السابقة، لم يحدث جديد، وإن طال صمت البرهان هذه المرة، وصمت في عدد من المناسبات عن ذكر الاستمرار في الحرب ورفض الهدنة والتفاوض والرباعية، إلى أن تحدث أمام الجالية السودانية في تركيا في 28 ديسمبر 2025، والتي عاد فيها إلى تأكيد عزمهم على الاستمرار في الجرب حتى آخر شبر من أرض السودان ولن يقبلوا بغير تدمير المليشيا وإجبارها على الاستسلام.

(مصر والسعودية).. (مصر والإمارات)
يوم الأحد الماضي، وصل نائب وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان إلى القاهرة، وأفادت وزارة الخارجية السعودية في بيان رسمي أن “الزيارة تأتي لمناقشة العلاقات الثنائية.. وتبادل وجهات النظر حول التطورات الإقليمية والدولية”. تطرقت الزيارة لموضوعات مشتركة بين البلدين، ومن بينها التحضيرات الجارية لعقد الاجتماع الأول لمجلس التنسيق الأعلى المصري-السعودي برئاسة الرئيس السيسي وولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، إلى جانب التطورات في اليمن والاحتكاك السعودي الإماراتي، والاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال دولة، وبطبيعة الحال جرى نقاش تنفيذ المرحلة الثانية من خارطة حل الأزمة في قطاع غزة، إلا أن ملف السودان حظي باهتمام كبير، ومعظم تغطيات المحطات الفضائية والمواقع الإخبارية أبرزت بوضوح نقاش الأمير فيصل مع القيادة المصرية سبل تدارك الأزمة في السودان، وضرورة وضع حد لها، وكان اللقاء الأول مع الرئيس المصري عبد الفتاح السياسي، وأعقبه لقاء مطول مع د.بدر عبد العاطي وزير الخارجية والهجرة وشؤون المصريين بالخارج، وفي كلا اللقاءين أفردت مساحة مقدرة للملف السوداني، وخرج البيان الصحفي للزيارة مشدداً على أن حل الأزمة يكمن في الرباعية، وإنفاذ الهدنة الإنسانية. وجاء في البيان: “أكد الوزيران أهمية مواصلة التنسيق في إطار الآلية الرباعية، بهدف الدفع نحو التوصل إلى هدنة إنسانية وصولاً لوقف شامل لإطلاق النار. وأكد الوزيران على أهمية الحفاظ على سيادة السودان ووحدة وسلامة أراضيه ودعم مؤسساته الوطنية”.
وفي ذات السياق، جرى اتصال هاتفي بين د.بدر عبد العاطي، وزير الخارجية والهجرة وشئون المصريين بالخارج، والشيخ عبد الله بن زايد آل نهيان، نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية بدولة الإمارات العربية المتحدة، وتباحثا خلال المهاتفة في شأن السودان، وأعلنا تطابق موقف قيادة الدول الثلاث؛ مصر والسعودية والإمارات، المتمسك بالرباعية الدولية، وأهمية تنفيذ بنودها وفي مقدمتها الهدنة الإنسانية المفضية إلى إنهاء الحرب. وجاء في التصريح الرسمي عقب الاتصال الهاتفي بين الجانبين المصري والإماراتي التأكيد على “أهمية استمرار التنسيق القائم في إطار الآلية الرباعية، بهدف الدفع نحو التوصل إلى هدنة إنسانية وإنشاء ملاذات وممرات إنسانية آمنة وصولاً لوقف شامل لإطلاق النار”.
“الرباعية” باقية
لا خلاف على أن تحركات دول الرباعية منذ مطلع العام تشير إلى أن الرباعية باقية حتى الآن، وأن الدول التي تنشط فيها متمسكة بها وبتنفيذها. وما يثمن التحركات الأخيرة، دور جمهورية مصر المحوري فيها، ومعلوم وزن مصر في الملف السوداني. وليس بعيداً عن الأذهان “الخطوط الحمراء” المصرية التي أعلن عنها مؤخراً عبر بيان رئاسي، والتأكيد على أن أمن مصر يرتبط ارتباطاً وثيقاً مع الأمن في السودان، ولا خلاف أيضاً على أن المعارك الدائرة بين الجانبين وتبادل السيطرة على الأرض يؤكد حقيقة راسخة أن حل الأزمة عسكرياً مستحيل، فضلاً عن تداعيات تبادل السيطرة على الأمن وتكلفتها الإنسانية، كل ذلك يضع الحراك الجاري منذ أسبوع موضع اهتمام، باعتباره فرصة بالغة الأهمية لحل أزمة الحرب في السودان، إن لم تكن فرصة أخيرة تضع مبادرة الرباعية الدولية على المحك.